السلام عليكم
1/هل الامام المهدي عليه السلام يتاخر ضهوره عندما تكثر ذنوب شيعته ام لا لان دائما نسمع ان ذنوبنا هي التي تاخره
فكيف عند ضهوره (روحي فداه)تكون الارض مليئة بالضلم و الجور
2/ما هي مواصفات شكل الامام حسب الروايات
3/كيف استطيع ان اقوي علاقتي بصاحب الزمان و اكون احد انصاره
عليكم السلام ورحمة الله وبركاته
ج س 1/
أوَّلاً لا بدَّ أن نُسلِّم بأنَّ ما أراده الله تعالىٰ لا بدَّ أن يكون الأصلح للبشـر، وأنَّنا لا نستطيع أن نعرف العلل الواقعية لأمر إلهي، والغيبة من هذا القبيل، ولذا ورد أنَّ العلَّة الحقيقية للغيبة لم يُؤذَن بالكشف عنها، فقد ورد عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد يقول: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدَّ منها، يرتاب فيها كلّ مبطل»، فقلت له: ولِـمَ جُعلت فداك؟ قال: «لأمر لم يُؤذَن لنا في كشفه لكم»، قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ فقال: «وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدَّمه من حجج الله تعالىٰ ذكره، إنَّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلَّا بعد ظهوره كما لا ينكشف وجه الحكمة لما أتاه الخضـر من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار، لموسىٰ إلَّا وقت افتراقهما. يا ابن الفضل، إنَّ هذا الأمر أمر من أمر الله تعالىٰ، وسرّ من سرّ الله، وغيب من غيب الله، ومتىٰ علمنا أنَّه حكيم، صدَّقنا بأنَّ أفعاله كلّها حكمة، وإن كان وجهها غير منكشف»( ).
اللّهمّ إلَّا أن يكشف لنا ذلك أهل البيت أو يكون ما يذكر هو من باب الحكمة لا أكثر، وهذا ما أشارت إليه الروايات في تعليل وقوع غيبة الإمام المهدي ، حيث ذكرت عدَّة أسباب يمكن أن تكون حِكَماً للغيبة وعلىٰ نحو جزء العلَّة والمقتضي لها، منها:
أ) الخوف من القتل:
عن زرارة، قال: سمعت أبا جعفر يقول: «إنَّ للغلام غيبة قبل أن يقوم، وهو المطلوب تراثه»، قلت: ولِـمَ ذلك؟ قال: «يخاف _ وأومأ بيده إلىٰ بطنه، يعني القتل _»( ).
ذلك الخوف الذي فُسِّـر بأنَّه يخاف علىٰ نفسه من أعدائه، والخوف علىٰ النفس ليس معناه الجبن، بل هو الخوف علىٰ دين الله وشريعة جدّه سيّد المرسلين .
ب) التمييز والتمحيص:
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله أنَّه قال: «مع القائم من العرب شيء يسير»، فقيل له: إنَّ من يصف هذا الأمر منهم لكثير، قال: «لا بدَّ للناس من أن يُمحَّصوا ويُميَّزوا ويُغربَلوا، وسيخرج من الغربال خلق كثير»( ).
وفي حديث أمير المؤمنين السابق: «وليبعثنَّ الله رجلاً من ولدي في آخر الزمان يطالب بدمائنا، وليغيبنَّ عنهم تمييزاً لأهل الضلالة حتَّىٰ يقول الجاهل: ما لله في آل محمّد من حاجة»( ).
ج) حتَّىٰ لا يبايع ظالماً:
ورد في جواب الإمام المهدي لمسائل إسحاق بن يعقوب: «وأمَّا علَّة ما وقع من الغيبة فإنَّ الله يقول: يا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة: 101]، إنَّه لم يكن أحد من آبائي إلَّا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإنّي أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي ... المزید»( ).
وطبعاً هذا يعتبر واحداً من خصائصه التي تميَّز بها عن آبائه الطاهرين صلوات الله عليهم.
د) السنن التاريخية:
عن سدير، عن أبي عبد الله ، قال: «إنَّ للقائم منّا غيبة يطول أمدها»، فقلت له: يا ابن رسول الله، ولِـمَ ذلك؟ قال: «لأنَّ الله أبىٰ إلَّا أن تجري فيه سنن الأنبياء في غيباتهم، وإنَّه لا بدَّ له يا سدير من استيفاء مدد غيباتهم»، قال الله تعالىٰ: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق: 19]، أي سنن من كان قبلكم»( ).
هـ) أن لا تضيع ودائع الله :
أي المؤمنين الذين يظهرون من أصلاب الكافرين، فعن أبي عبد الله في حديث ابن أبي عمير، عمَّن ذكره، قال: قلت له _ يعني أبا عبد الله _: ما بال أمير المؤمنين لم يقاتل مخالفيه في الأوَّل؟ قال: «لآية في كتاب الله تعالىٰ: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً [الفتح: 25]»، قال: قلت: وما يعني بتزايلهم؟ قال: «ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين، فكذلك القائم لم يظهر أبداً، حتَّىٰ تخرج ودائع الله ، فإذا خرجت ظهر علىٰ من ظهر من أعداء الله فقتلهم»( ).
و) قبائح أعمال العباد، وفضائح أفعالهم، ممَّا يُسبِّب قلَّة العدد المطلوب من الأنصار:
فإنَّها المانعة عن ظهوره عقوبةً علينا كما ورد عن أمير المؤمنين أنَّه قال: «واعلموا أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة لله ، ولكنَّ الله سيُعمي خلقه عنها، بظلمهم وجورهم وإسرافهم علىٰ أنفسهم...» الخبر( ).
وفي توقيع الحجَّة إلىٰ الشيخ المفيد : «ولو أنَّ أشياعنا وفَّقهم الله لطاعته علىٰ اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخَّر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجَّلت لهم السعادة بمشاهدتنا، علىٰ حقِّ المعرفة، وصدقها منهم بنا، فما يُحبِسنا عنهم إلَّا ما يتَّصل بنا ممَّا نكرهه، ولا نُؤثِره منهم، والله المستعان...»( ).
ز) إظهار عجز من يسعىٰ للإصلاح الكامل من غير أهل البيت وإن كان محقَّاً:
عن أبي صادق، عن أبي جعفر ، قال: «دولتنا آخر الدول، ولن يبقَ أهل بيت لهم دولة إلَّا ملكوا قبلنا، لئلَّا يقولوا إذا رأوا سيرتنا: إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله : وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: 128]»( ).
ج س2/
صفات الإمام المهدي
لقد بلغ الاهتمام النبوي بالإمام المهدي إلىٰ حدِّ ذكر صفاته البدنية تفصيلاً وبما يُميِّزه عن جميع الناس، وبالتالي فإنَّ هذه الصفات _ ومنها ما هو غير موجود إلَّا في الإمام المهدي _ ستكون سبيلاً مهمَّاً جدَّاً للتعرّف عليه ، وعدم الاشتباه في حقيقته فيما لو ادَّعىٰ شخص المهدوية، فينقطع بذلك السبيل علىٰ من تسوّل له نفسه ادِّعاءها، وعلىٰ كلّ حال فالروايات الشـريفة ذكرت صفات الإمام المهدي تفصيلاً، ويمكن أن نُنوِّع الصفات المذكورة في الروايات إلىٰ أنواع خمسة، نستعرضها أوَّلاً، وباتّضاحها سيتَّضح بعض الروايات الواردة في صفاته ممَّا سنذكره في خاتمة المطاف:
النوع الأوَّل: الصفات العامّة لجسمه الشريف:
وهنا قالت الروايات بأنَّ جسم الإمام المهدي متناسق جدَّاً، وفيه كلّ حيثيات القوَّة الشديدة والجمال الإلهي، حتَّىٰ أنَّه لو صاح بجبل لتدكدك، ومن هذا القبيل ما ورد عن الإمام الرضا : «بأبي وأُمّي سميّ جدّي، شبيهي وشبيه موسىٰ بن عمران »( )، أي إنَّ جسم الإمام المهدي يشبه جسم النبيّ موسىٰ من حيث التناسق والقوَّة البدنية، إذ أنَّ النبيّ موسىٰ كان معروفا بالقوَّة البدنية، ويمكن لنا أن نتعرَّف علىٰ قوَّة موسىٰ البدنية من خلال موقفين: أوَّلهما عندما وكز موسىٰ القبطي فقضـىٰ عليه بضـربة واحدة، ولم يكن قاصداً لقتله، ولكن قوَّة الضـربة قتلته. وثانيهما عندما سقىٰ لابنتي شعيب بدلو كانت حين تمتلئ لا يستخرجها إلَّا عشـرة أنفار من البئر( ).
ومن هنا نعرف مقصود الروايات التي عبَّرت عن جسم الإمام المهدي بأنَّه «اللون لون عربي، والجسم جسم إسرائيلي»( )، فإنَّ المقصود من الجسم الإسرائيلي هو جسم النبيّ موسىٰ .
وفي هذا النوع نجد أنَّ الروايات الشـريفة تصف جسمه بأنَّه (لا هو بالطويل الشامخ ولا بالقصير اللازق)، بل هو مربوع القامة يميل إلىٰ الطول، وكذلك نجدها تقول: إنَّه يخرج حين يخرج ويراه الرائي فيظنّه ابن ثلاثين أو أربعين سنة، وهذا الأمر سيكون من فتن الظهور أجارنا الله تعالىٰ من مضلَّات الفتن.
النوع الثاني: تفاصيل رأسه ووجهه الشريف:
ونُدرج هذا النوع ضمن عدَّة نقاط:
1 _ شعره حسن يسيل علىٰ منكبيه، وإن كان يظهر من بعض الروايات أنَّه شعر أجعد، أي ليس في غاية الاسترسال، وسيأتي الكلام عن هذا في آخر الشذرة إن شاء الله تعالىٰ.
2 _ برأسه داء الحزاز، وهو ما نُسمّيه عرفاً بـ (القشـرة) التي تظهر علىٰ شكل حبيبات بيضاء علىٰ الرأس خصوصاً في فصل الشتاء.
3 _ أجلىٰ الجبين، أي إنَّ جبينه المبارك واسع وصافي يسطع نوره وبهاؤه.
4 _ مشـرف الحاجبين، أي إنَّ حاجبيه المباركين طويلان مستديران، كثيفا الشعر من وسطهما، ملتقيان من طرفيهما الداخليّين. وهما مرتفعان عن العينين، وارتفاعهما يُعزىٰ _ والله العالم _ إلىٰ أنَّ عينيه غائرتان.
5 _ غائر العينين، وذلك من طول السهر تعبّداً لله تعالىٰ، ومن كثرة السجود والبكاء( )، وورد أنَّه أدعج العينين( )، أي إنَّ بياض عينيه شديد البياض، وسوادهما شديد السواد( )، وهذه الصفة هي أجمل صفة للعين( ). وورد أنَّه كأنَّه ينظر إلىٰ طرف أنفه، وهو كناية عن تواضعه وخشوعه وغضّه للبصر.
6 _ أقنىٰ الأنف، القنا في الأنف: طوله ودقَّة أرنبته مع حدب في وسطه( )، أي إنَّ أنفه المبارك فيه شيء من الطول، وتحدّب من وسطه، ونهايته دقيقة، وهي صفات الأنف الجميل.
7 _ أفلج الثنايا، أي إنَّ أسنانه منفرجة غير ملتقية وغير متراكبة بعضها علىٰ البعض الآخر، وهذه الصفة من الصفات العامَّة لدىٰ جميع الأئمَّة .
8 _ إنَّ لون وجهه الشـريف هو لون عربي، أي يميل إلىٰ البياض، مشرب بحمرة، أي ليس أحمر ولا أسمر، بل هو مشرب بحمرة.
9 _ نور وجهه يعلو سواد شعر رأسه ولحيته.
10 _ قالت الروايات: إنَّك لو نظرت إلىٰ وجه الإمام لأخذ حسنه بمجامع قلبك، وهو ما عبَّرت عنه الروايات الشـريفة بأنَّه (أروع)، وهو من إذا نظرت إليه أعجبك منظره وأخذ حسنه بمجامع قلبك( ).
النوع الثالث: شامات الإمام المهدي :
وقد ذكرت الروايات الشـريفة أنَّ للإمام المهدي عدَّة شامات مميَّزة، هي:
الشامة الأُولىٰ: شامة علىٰ خدّه الأيمن، وهي ما عبَّرت عنها الروايات بالخال في وجهه، أو بالأثر في وجه، أو بالشامة في رأسه.
الشامة الثانية: شامة بفخذه اليمنىٰ، وهو ما ذكرته الروايات صريحاً.
الشامة الثالثة: شامة علىٰ كتفه الأيسـر، عبَّرت عنها الروايات بما يلي: «وشامة بين كتفيه من جانبه الأيسـر، تحت كتفه الأيسـر ورقة مثل ورق الآس»، وورقة الآس حجمها كحجم عقدة من عقد الأصابع، بيضوية الشكل، فيكون لون تلك الشامة مميَّز عن لون البشـرة، مائل إلىٰ اللون القهوائي الفاتح.
الشامة الرابعة: وهي ما ذكرته الروايات الشـريفة علىٰ أنَّها شامة تشبه الشامة التي في الكتف الأيمن للنبيِّ الأكرم ، التي هي ختم النبوَّة في كتفه ، وهي شامة عريضة سوادها شديد، فيها شيء من البروز وشيء من الشعيرات، ومثلها ذكرت الروايات أنَّها موجودة في كتف الإمام المهدي الأيمن، والظاهر أنَّها تشير إلىٰ أنَّه هو خاتم الأوصياء للنبيِّ كما أنَّ شامة النبيّ الأكرم كانت تشير إلىٰ أنَّه هو خاتم الأنبياء والمرسلين.
النوع الرابع: تفاصيل جسمه الشريف :
وما ذكرته الروايات هنا هو:
أنَّه بعيد ما بين المنكبين، وأنَّه (مبدح البطن) أي ضخم البطن، وأنَّه (أزيل _ أذيل _ الفخذين) أي عريض الفخذين ولا التقاء بينهما، وهما في غاية القوَّة، وأنَّه (عبل الذراعين) أي شديدهما.
وهذه الصفات متلازمة، فمن كان عريض المنكبين فلا بدَّ أن يكون صدره واسعاً، وإذا كان الصدر واسعاً كانت البطن ضخمة، حتَّىٰ تتلاءم مع الصدر، وإذا كانت البطن ضخمة فلا بدَّ أن يكون الحوض الذي تعتمد البطن عليه عريضاً، وإذا كان الحوض عريضاً فإنَّ الفخذين مهما عظما فإنَّهما لا يلتقيان مع بعضهما، لتباعد مفصليهما، لأنَّهما يكونان في طرفي الحوض.
النوع الخامس: روايات الشبه بالرسول الأكرم :
وهنا أكَّدت الروايات الشـريفة علىٰ شبه الإمام المهدي بالرسول الأكرم من حيث الخَلْق والخُلُق، كما ورد ذلك في رواية عن أمير المؤمنين ستعرفها بعد قليل.
ولتوضيح هذا النوع نقول: إنَّ الإمام المهدي يشبه النبيّ الأكرم من حيث الخَلْق والخُلُق.
أمَّا من حيث الخَلْق، فمن جهتين:
الجهة الأُولىٰ: أنَّه كان لجسم النبيّ الأكرم خصائص تكوينية مختصَّة به ، من قبيل أنَّه كان لا ظلَّ له _ لشدَّة نورانية جسمه الشـريف بما يصل إلىٰ أنور من نور الشمس( )، وبالتالي لا يحصل لجسده الشـريف ظلّ _، وأنَّه إذا مرَّ بمكان عرف الناس أنَّه مرَّ به، لما يتركه مروره من عَرف زكي ورائحة عطرة، وهكذا لو مسح بيده علىٰ صبي، وأنَّه كان يرىٰ من خلفه كما يرىٰ من أمامه، وأنَّه كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه، وغيرها من الخصائص المذكورة في محالّها، وطبقاً لرواية أمير المؤمنين فإنَّ هذه الخصائص التكوينية قد اتَّصف بها الإمام الحجَّة المنتظر وإن اشترك فيها بقيَّة الأئمَّة الطاهرين ، ولكن في زمنه حيث إنَّه لم يتَّصف بها غيره فتكون من مختصّاته حينئذٍ.
الجهة الثانية: جهة المنظر الخارجي، فقد كان النبيُّ الأكرم بديناً _ يميل إلىٰ السمنة _، ضخم البطن، بعيد المنكبين، مربوع القامة، يميل إلىٰ الطول، عبل الذراعين( )، وهذا ما سمعناه قبل قليل أنَّه من صفات الإمام المهدي .
وأمَّا من حيث الخُلُق، أي المشابهة بالأخلاق، فهذا من الأُمور العامّة لكلِّ أهل البيت ، لأنَّهم كانت أخلاقهم هي أخلاق النبيّ الأكرم ، ولكن لظرف من الظروف السياسية أو الاجتماعية أو غيرها، كانت تبرز بعض الصفات علىٰ الأئمَّة بروزاً بحيث يشتهر الإمام بتلك الصفة، رغم تمتّعه ببقيَّة الصفات الحميدة، فالإمام الحسن كريم، والإمام الحسين شجاع، والإمام موسىٰ بن جعفر كاظم للغيظ، وهكذا، مع أنَّهم كلّهم كرماء شجعان كاظمون للغيظ نقيّون تقيّون...
سرد الروايات:
إذا عرفنا هذا التفصيل، تعالَ معي عزيزي المؤمن، لنطالع معاً بعض الروايات الشـريفة الواردة في صفات الإمام المهدي ، وستجد فهمها إن شاء الله تعالىٰ سهلاً بعد اطّلاعك علىٰ التنويع والتفصيل المتقدّم.
ففي رواية علي بن مهزيار ورؤيته للإمام المهدي يقول علي: (... فدخلت عليه صلوات الله عليه وهو جالس علىٰ نمط عليه نطع أديم أحمر متَّكئ علىٰ مسورة أديم، فسلَّمت عليه وردَّ عليَّ السلام، ولمحته فرأيت وجهه مثل فلقة قمر، لا بالخرق ولا بالبزق، ولا بالطويل الشامخ، ولا بالقصير اللاصق، ممدود القامة، صلت الجبين، أزج الحاجبين، أدعج العينين، أقنىٰ الأنف، سهل الخدّين، علىٰ خدّه الأيمن خال، فلمَّا أن بصرت به حار عقلي في نعته وصفته...)( ).
وعن حذيفة بن اليمان، عن النبيّ أنَّه قال: «المهدي من ولدي، وجهه كالكوكب الدرّي، واللون لون عربي، والجسم جسم إسرائيلي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، يرضىٰ بخلافته أهل السماء [وأهل الأرض]( ) والطير في الجوّ...»( ).
وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله أنَّه قال: «لو خرج القائم لقد أنكره الناس، يرجع إليهم شابَّاً موفَّقاً، فلا يلبث عليه إلَّا كلّ مؤمن أخذ الله ميثاقه في الذرِّ الأوَّل»( ).
وعن أبي بصير، قال: قال أبو جعفر أو أبو عبد الله _ الشكّ من ابن عصام _: «يا أبا محمّد، بالقائم علامتان: شامة في رأسه، وداء الحزاز برأسه، وشامة بين كتفيه من جانبه الأيسـر، تحت كتفيه الأيسـر ورقة مثل ورق الآس»( ).
عن أبي وائل، قال: نظر أمير المؤمنين علي إلىٰ الحسين فقال: «إنَّ ابني هذا سيّد كما سمّاه رسول الله سيّداً، وسيُخرج الله من صلبه رجلاً باسم نبيّكم يشبهه في الخَلْق والخُلُق، يخرج علىٰ حين غفلة من الناس، وإماتة للحقّ، وإظهار للجور، والله لو لم يخرج لضُـرِبَت عنقه، يفرح بخروجه أهل السماوات وسكّانها، وهو رجل أجلىٰ الجبين، أقنىٰ الأنف، ضخم البطن، أزيل الفخذين، بفخذه اليمنىٰ شامة، أفلج الثنايا، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً»( ).
وعن حمران بن أعين، قال: قلت لأبي جعفر الباقر : جُعلت فداك، إنّي قد دخلت المدينة وفي حقوي( ) هميان فيه ألف دينار، وقد أعطيت الله عهداً أنَّني أنفقها ببابك ديناراً ديناراً، أو تجيبني فيما أسألك عنه. فقال: «يا حمران، سَلْ تجب، ولا تنفقنَّ دنانيرك»، فقلت: سألتك بقرابتك من رسول الله أنت صاحب هذا الأمر والقائم به؟ قال: «لا»، قلت: فمن هو، بأبي أنت وأُمّي؟ فقال: «ذاك المشـرب حمرة، الغائر العينين، المشـرف الحاجبين، العريض ما بين المنكبين، برأسه حزاز، وبوجهه أثر، رحم الله موسىٰ»( ).
وفي رواية عن أمير المؤمنين يصف فيها المهدي ، قال: «هو شاب مربوع، حسن الوجه، حسن الشعر، يسيل شعره علىٰ منكبيه، ونور وجهه يعلو سواد لحيته ورأسه، بأبي ابن خيرة الإماء»( ).
نسأل الله تعالىٰ أن يرينا الطلعة البهيَّة للإمام المهدي علىٰ سلامة من ديننا ويقين من اعتقادنا، إنَّه سميع مجيب، والحمد لله ربّ العالمين.
إشارات( ):
1 _ إنَّ معرفة أوصاف الإمام المهدي هي من النوع الذي ينبغي معرفته لزيادة كمال المعرفة، نعم تترتَّب عليها منافع عظيمة كتشخيصه وعدم الاشتباه في شخصيته.
2 _ وردت في بعض الروايات صفاتٌ له قد يظهر منها التعارض، فمن رواية تقول: إنَّه مشـرب بحمرة، إلىٰ أُخرىٰ تقول: في وجهه سمرة. رواية تقول: شعره حسن يسيل علىٰ منكبيه، وأُخرىٰ تقول: إنَّ شعره أجعد.
فإمَّا أن تُحمَل بعضها علىٰ البعض الآخر، أو يُطرَح ضعيف السند، وأمرُ ذلك موكول إلىٰ مظانّه.
3 _ إنَّ الصفات المذكورة للإمام بعضها من قبيل العرض اللازم كمقدار طول جسمه ولون عينيه، وبعضها من قبيل العرض المفارق، كالرواية التي وصفت شعره بأنَّه يسيل علىٰ منكبيه، فإنَّ هذا الأمر كان متعارفاً زمن صدور الرواية، وليس من الضـروري أن يبقىٰ شعر الإمام يسيل علىٰ منكبيه في زمنٍ يعاب فيه علىٰ الرجل هذا الأمر.
ج س 3/
النقطة الأولى: تأمين الموالاة بمعناها الصحيح:
بمعنىٰ أن يشتمل المنتظِر الحقيقي علىٰ معرفة عملية بإمام زمانه ، والتي تعني تولّيه عملياً والتبرّي من أعدائه كذلك، وقد عبَّرت الأحاديث عن هذا المعنىٰ بعدَّة تعبيرات، كالاقتداء بالإمام ، ومعرفة الأمر، وقد رتَّبت عليه ثمرات عملية، كالصبر علىٰ الغيبة وطولها، وضبط النفس بالتسليم لأمر الله تعالىٰ، طالت الغيبة أو قصـرت.
عن سدير، عن أبي عبد الله ، قال: قال رسول الله : «طوبىٰ لمن أدرك قائم أهل بيتي وهو مقتدٍ به قبل قيامه، يأتمّ به وبأئمَّة الهدىٰ من قبله، ويبرء إلىٰ الله من عدوّهم، أُولئك رفقائي وأكرم أُمَّتي عليَّ»( ).
عن عبد الله بن عجلان، عن أبي عبد الله ، قال: «من عرف هذا الأمر ثمّ مات قبل أن يقوم القائم كان له مثل أجر من قُتِلَ معه»( ).
عن الفضيل بن يسار، قال: سألت أبا عبد الله عن قول الله : يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ [الإسراء: 71]، فقال: «يا فضيل، اعرف إمامك، فإنَّك إذا عرفت إمامك لم يضـرّك تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر، ومن عرف إمامه ثمّ مات قبل أن يقوم صاحب هذا الأمر كان بمنزلة من كان قاعداً في عسكره، لا، بل بمنزلة من قعد تحت لوائه»( ).
النقطة الثانية: توفير الحصانة الرصينة ضدّ أسباب الانحراف:
إنَّ علىٰ من ينذر نفسه للتمهيد للظهور أن يتمثَّل الإسلام في حياته العملية، لأنَّ يوم الظهور ما هو إلَّا يوم ظهور الإسلام بحلَّته الإلهية التي ارتضاها ربّ العالمين للمسلمين، وهذا الأمر يقتضـي أن يتوفَّر المؤمن علىٰ حصانة رصينة وترسانة صلبة ضدّ أسباب الانحراف، لأنَّ من أهمّ سمات زمن الغيبة التي نعيشها اليوم هي توفّر أسباب الانحراف وسيولتها بشكل لافت للنظر، بحيث أصبحت في متناول الجميع، ولا صعوبة في الحصول عليها، علناً وخفاءً. لذا كان لزاماً علىٰ المؤمن أن لا يذوب في هذا المحيط الفاسد، وفي نفس الوقت لا بدَّ أن يعمل علىٰ التعايش مع هكذا وضع منحرف ليعمل علىٰ إصلاحه!
والموازنة بين هذين الأمرين هي رهان المؤمن علىٰ نجاحه في اختبار زمن الغيبة.
وهذه الحصانة تعني التزام التقوىٰ، والتقوىٰ تحتاج إلىٰ ما يُنمّيها ويُقوّيها، وهذا ما يحتاج إلىٰ صبر وحبس نفس حتَّىٰ لا يترك إلىٰ غيره، والحفاظ علىٰ هذا المعنىٰ المتكامل بحاجة إلىٰ ابتعاد عملي عن المشاركة في الفتن التي تسلب التقوىٰ ومقوّماتها، وتفصيل هذا:
1) التمسّك بالتقوىٰ:
إذ هي حصن الإيمان كما عبَّر أمير المؤمنين ( )، وعن يمان التمّار، قال: كنّا عند أبي عبد الله جلوساً فقال لنا: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة، المتمسّك فيها بدينه كالخارط للقتاد _ ثمّ قال هكذا بيده _، فأيّكم يُمسِك شوك القتاد بيده؟»، ثمّ أطرق مليَّاً، ثمّ قال: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة، فليتَّق الله عبد وليتمسَّك بدينه»( ).
ولا يخفىٰ أنَّ التقوىٰ مفهوم مركَّب من:
أ) الورع، وهو الابتعاد عن المعاصي صغيرها وكبيرها، بل وعن الشبهات.
ب) الاجتهاد، وهو بذل الجهد في عمل الواجبات والطاعات.
وهو ما عبَّر عنه أمير المؤمنين بقوله: «أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ»( ).
2) التزام محاسن الأخلاق:
إذ التزامها عامل مهمّ في تقوية التقوىٰ وتنميتها، وبالتالي الحفاظ علىٰ الإيمان.
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله أنَّه قال ذات يوم: «ألَا أُخبركم بما لا يقبل الله من العباد عملاً إلَّا به؟»، فقلت: بلىٰ، فقال: «شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمّداً عبده ورسوله، والإقرار بما أمر الله، والولاية لنا، والبراءة من أعدائنا _ يعني الأئمَّة خاصَّة _، والتسليم لهم، والورع والاجتهاد، والطمأنينة، والانتظار للقائم »، ثمّ قال: «إنَّ لنا دولة يجيء الله بها إذا شاء»، ثمّ قال: «من سرَّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق، وهو منتظِر، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه، فجدوا وانتظروا، هنيئاً لكم أيَّتها العصابة المرحومة»( ).
3) الصبر علىٰ التزام ذينك الأمرين:
خصوصاً وإنَّ طول الغيبة مدعاة لليأس والقنوط، فلولا الصبر الذي يلتزمه المؤمن لفقد إيمانه، ولذا أكَّدت الروايات الشـريفة علىٰ التزام الصبر كمنهج عملي في زمن الغيبة.
عن جابر الأنصاري، عن النبيّ قال: «يغيب عنهم الحجَّة، لا يُسمّىٰ حتَّىٰ يُظهِره الله، فإذا عجَّل الله خروجه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً»، ثمّ قال : «طوبىٰ للصابرين في غيبته، طوبىٰ للمقيمين علىٰ محجَّتهم، أُولئك وصفهم الله في كتابه فقال: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: 3]، وقال: أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: 22]»( ).
وعن الإمام الرضا : «ما أحسن الصبر وانتظار الفرج، أمَا سمعت قول العبد الصالح: وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ [هود: 93]، انْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ [الأعراف: 71]، فعليكم بالصبر فإنَّه إنَّما يجيء الفرج علىٰ اليأس، وقد كان الذين من قبلكم أصبر منكم»( ).
هذا، وينبغي أن يتمثَّل الصبر بأشدّ صوره في مسألة الانتظار، من جهة حبس النفس علىٰ أمر الله تعالىٰ، بمعنىٰ التسليم بما قدَّره الله تعالىٰ من الوقت المحدَّد للظهور المبارك، بحيث يرضىٰ المؤمن بذلك بقلبه وعقله، ولا يُحدِّث نفسه أبداً بما يوحي بالاعتراض علىٰ تقدير الله تعالىٰ، وحتَّىٰ يضمن المنتظِر المؤمن هذه المرتبة، لا بدَّ أن يتمثَّل بعض فقرات دعاء زمن الغيبة، وأن يعيش مضمونها بوجدانه ويعيشها بكيانه، أقصد الفقرات التالية:
«... اللّهُمَّ فَثَبِّتْنِي عَلىٰ دِينِكَ، وَاسْتَعْمِلْنِي بِطاعَتِكَ، وَلَيِّنْ قَلْبِي لِوَلِيِّ أَمْرِكَ، وَعافِنِي مِمَّا امْتَحَنْتَ بِهِ خَلْقَكَ، وَثَبِّتْنِي عَلىٰ طاعَةِ وَلِيِّ أَمْرِكَ، الَّذِي سَتَرْتَهُ عَنْ خَلْقَكَ، فَبِإِذْنِكَ غابَ عَنْ بَرِيَّتِكَ، وَأَمْرَكَ يَنْتَظِرُ، وَأَنْتَ العالِمُ غَيْرُ المُعَلَّمِ بِالوَقْتِ الَّذِي فِيهِ صَلاحُ أَمْرِ وَلِيِّكَ فِي الإِذْنِ لَهُ بِإِظْهارِ أَمْرِهِ وَكَشْفِ سِرِّهِ، فَصَبِّرْنِي عَلىٰ ذلِكَ حَتَّىٰ لَا أُحِبَّ تَعْجِيلَ ما أَخَّرْتَ وَلَا تَأْخِيرَ ما عَجَّلْتَ، وَلَا أَكْشِفُ ما سَتَرْتَ وَلَا أَبْحَثُ عَمَّا كَتَمْتَ، وَلَا أُنازِعَكَ فِي تَدْبِيرِكَ، وَلَا أَقُولَ: لِـمَ وَكَيْفَ وَما بالُ وَلِيِّ الأَمْرِ لَا يَظْهَرُ وَقَدْ امْتَلَأَتِ الأَرْضُ مِنَ الجَوْرِ؟! وَأُفَوِّضَ أُمُورِي كُلَّها إِلَيْكَ...»( ).
4) القعود عن تأجيج الفتن:
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله قال: «لـمَّا دخل سلمان الكوفة، ونظر إليها، ذكر ما يكون من بلائها حتَّىٰ ذكر ملك بني أُميَّة والذين من بعدهم. ثمّ قال: فإذا كان ذلك فالزموا أحلاس بيوتكم حتَّىٰ يظهر الطاهر ابن الطاهر المطهَّر ذو الغيبة الشريد الطريد»( ).
النقطة الثالثة: تنمية الجانب الروحي والغيبي:
ويتمثَّل هذا بالتزام أعمال لها دور غيـبــي في تعجيل الظهور، وأثر في تنقية الروح وربطها بالسماء والغيب، وهذا أقلّ ما يمكن أن يفعله المؤمن لمولاه المنتظر ، وفاءً لحقوقه العظيمة علينا، والتي ربَّما لا نستطيع إحصاءها، يكفي أنَّه لولا الحجَّة لساخت الأرض ومن عليها، فهو أمان لأهل الأرض كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء.
وأهمّ تلك الأعمال هي:
1) الصدقة:
وتعني التزام دفع صدقة _ ولو قليلة _ يومياً نيابةً عن الإمام المهدي ، ينوي فيها المؤمن دفع البلاء بها عن مولاه المضطرّ ، وتعجيل فرجه، والتقرّب إليه، وغيرها من القصود التي تصبُّ في هذا المعنىٰ، وتذكَّر أنَّه «لا تستح من إعطاء القليل، فإنَّ الحرمان أقلّ منه»( ).
في تفسير العيّاشي: عن مفضَّل بن عمر، قال: دخلت على أبى عبد الله يوماً ومعي شيء فوضعته بين يديه، فقال: «ما هذا؟»، فقلت: هذه صلة مواليك وعبيدك، قال: فقال لي: «يا مفضَّل، إنّي لا أقبل ذلك، وما أقبله من حاجتي إليه، وما أقبله إلَّا ليزكوا به»، ثمّ قال: «سمعت أبي يقول: من مضت له سنة لم يصلنا من ماله قلَّ أو كثر لم ينظر الله إليه يوم القيامة إلَّا أن يعفو الله عنه»، ثمّ قال: «يا مفضَّل، إنَّها فريضة فرضها الله علىٰ شيعتنا في كتابه إذ يقول: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: 92]، فنحن البرّ والتقوىٰ، وسبيل الهدىٰ، وباب التقوىٰ، ولا يُحجَب دعاؤنا عن الله، اقتصـروا علىٰ حلالكم وحرامكم فاسألوا عنه، وإيّاكم أن تسألوا أحداً من الفقهاء عمَّا لا يعنيكم وعمَّا ستر الله عنكم»( ).
2) إهداء الأعمال العبادية:
فهو ديدن علمائنا، فقد كانوا _ ولا زالوا _ يجهدون أنفسهم بعمل بعض الأعمال ويهدون ثوابها لمولاهم المهدي ، وأُسوة بهم لا بدَّ من التزام منهج عملي لتلك الأعمال المهداة له ، وكاقتراح عملي نطرح هذا المنهج التالي:
أ) ختم القرآن وإهداء ثوابه إلىٰ الإمام المنتظر .
وقد دلَّت بعض الروايات الشـريفة علىٰ استحباب إهداء قراءة القرآن إلىٰ أهل البيت ، فعن علي بن المغيرة، عن أبي الحسن ، قال: قلت له: إنَّ أبي سأل جدَّك عن ختم القرآن في كلّ ليلة، فقال له جدّك: «كلّ ليلة»، فقال له: في شهر رمضان، فقال له جدّك: «في شهر رمضان»، فقال له أبي: نعم ما استطعت. فكان أبي يختمه أربعين ختمة في شهر رمضان، ثمّ ختمته بعد أبي فربَّما زدت وربَّما نقصت علىٰ قدر فراغي وشغلي ونشاطي وكسلي، فإذا كان في يوم الفطر جعلت لرسول الله ختمة، ولعلي أُخرىٰ، ولفاطمة أُخرىٰ، ثمّ للأئمَّة حتَّىٰ انتهيت إليك، فصيَّرت لك واحدة منذ صرت في هذا الحال، فأيّ شيء لي بذلك؟ قال: «لك بذلك أن تكون معهم يوم القيامة»، قلت: الله أكبر، [فـ]لي بذلك؟! قال: «نعم»، ثلاث مرّات( ).
ب) إشراك الإمام في كلّ فريضة، وإهداء النوافل _ كلّها _ له، ولا تخف، ففضل الله تعالىٰ وجوده أوسع وأعظم ممَّا تتخيَّل.
وقد دلَّ علىٰ جواز ذلك بعض الروايات الشـريفة، منها ما ورد عن أبي عبد الله أحمد بن عبد الله البجلي بإسناد رفعه إليهم صلوات الله عليهم، قال: «من جعل ثواب صلاته لرسول الله وأمير المؤمنين والأوصياء من بعده صلوات الله عليهم أجمعين وسلَّم، أضعف الله له ثواب صلاته أضعافاً مضاعفة حتَّىٰ ينقطع النفس، ويقال له قبل أن يخرج روحه جسده: يا فلان، هديَّتك إلينا وألطافك لنا، فهذا يوم مجازاتك ومكافاتك، فطب نفساً وقرّ عيناً بما أعدَّ الله لك، وهنيئاً لك بما صرت إليه»، قال: قلت: كيف يهدي صلاته ويقول؟ قال: «ينوي ثواب صلاته لرسول الله ، ولو أمكنه أن يزيد علىٰ صلاة الخمسين شيئاً ولو ركعتين في كلّ يوم ويهديها إلىٰ واحد منهم...» الخ( ).
جـ) إهداء الطواف للإمام ، وإن أمكن فعمرة أو حجَّة، فقد كان أهل البيت يبعثون من يحجّ عنهم في حياتهم، فقد ورد عن محمّد بن عيسىٰ اليقطيني، قال: بعث إليَّ أبو الحسن الرضا رزم ثياب وغلماناً وحجَّة لي وحجَّة لأخي موسىٰ بن عبيد وحجَّة ليونس بن عبد الرحمن، فأمرنا أن نحج عنه، فكانت بيننا مائة دينار أثلاثاً فيما بيننا...( ).
وعن موسىٰ بن القاسم، قال: قلت لأبي جعفر الثاني : قد أردت أن أطوف عنك وعن أبيك، فقيل لي: إنَّ الأوصياء لا يطاف عنهم، فقال لي: «بل طف ما أمكنك فإنَّه جائز»، ثمّ قلت له بعد ذلك بثلاث سنين: إنّي كنت استأذنتك في الطواف عنك وعن أبيك فأذنت لي في ذلك فطفت عنكما ما شاء الله، ثمّ وقع في قلبي شيء فعملت به، قال: «وما هو؟»، قلت: طفت يوماً عن رسول الله ، فقال ثلاث مرّات: «صلّىٰ الله علىٰ رسول الله»، ثمّ اليوم الثاني عن أمير المؤمنين، ثمّ طفت اليوم الثالث عن الحسن ، والرابع عن الحسين ، والخامس عن علي بن الحسين ، والسادس عن أبي جعفر محمّد بن علي ، واليوم السابع عن جعفر بن محمّد ، واليوم الثامن عن أبيك موسىٰ ، واليوم التاسع عن أبيك علي ، واليوم العاشر عنك يا سيّدي، وهؤلاء الذين أدين الله بولايتهم، فقال: «إذن والله تدين بالدين الذي لا يُقبَل من العباد غيره»، قلت: وربَّما طفت عن أُمّك فاطمة وربَّما لم أطف، فقال: «استكثر من هذا فإنَّه أفضل ما أنت عامله إن شاء الله»( ).
3) إقامة مجالس خاصَّة بذكر الإمام المهدي وقضيَّته في شتّىٰ جوانبها:
والمشاركة العملية في ذلك، ولا شكَّ أنَّ إقامة المسابقات الخاصَّة بالقضيَّة المهدوية لها أثر مهمّ في تنمية هذا الجانب الروحي بها.
4) التزام الدعاء:
وهذا أمر قد أكَّدت عليه الروايات الشـريفة كثيراً، والدعاء هنا له مرحلتان:
الأُولىٰ: مرحلة الدعاء للإمام المهدي ، لحفظه من كيد الأعداء، ولتعجيل ظهوره، وهنا نجد قائمة مهمَّة من الأدعية، وأهمّها: دعاء الفرج «اللَّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ الحُجَّةِ بْنِ الحَسَنِ...»( )، ودعاء العهد «اللّهُمَّ رَبَّ النُّورِ العَظِيمِ...»( )، ودعاء الندبة( ).
ويدخل في هذا السياق الزيارات الخاصَّة به ، وأهمّها زيارة آل يس التي ورد التوقيع الشـريف في مقدمتها: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا لأمره تعقلون، حكمة بالغة، فما تغني النذر عن قوم لا يؤمنون، السلام علينا وعلىٰ عباد الله الصالحين، إذا أردتم التوجّه بنا إلىٰ الله تعالىٰ وإلينا، فقولوا كما قال الله تعالىٰ: سَلامٌ عَلى إِلْياسِينَ [الصافّات: 130]...»( ).
الثانية : مرحلة دعاء المؤمن لنفسه في زمن الغيبة، لحفظ إيمانه، ودفع كيد الشياطين عن نفسه.
وهنا أيضاً قائمة مهمَّة من الأدعية، أهمّها:
أ) دعاء زمن الغيبة: فقد ذكر الإمام الصادق زمن الغيبة لزرارة، فقال زرارة: فقلت: جُعلت فداك، فإن أدركت ذلك الزمان فأيّ شيءٍ أعمل؟ قال: «يا زرارة، إن أدركت ذلك الزمان فأدم هذا الدعاء: اللّهُمَّ عَرِّفْنِي نَفْسَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ نَبِيَّكَ، اللّهُمَّ عَرِّفْنِي رَسُولَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي رَسُولَكَ لَمْ أَعْرِفْ حُجَّتَكَ، اللّهُمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي...»( )، وهو دعاء طويل، وهو موجود في (مفاتيح الجنان)( )، فالتزمه.
علماً أنَّه يمكن التزام المقطع المذكور في الرواية يومياً.
ب) دعاء الغريق: فعن عبد الله بن سنان، قال : قال أبو عبد الله : «ستصيبكم شبهة فتبقون بلا علم يُرىٰ، ولا إمام هدىٰ، ولا ينجو منها إلَّا من دعا بدعاء الغريق»، قلت: كيف دعاء الغريق؟ قال: «يقول: يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي علىٰ دينك»، فقلت: يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلِّب القلوب والأبصار ثبت قلبي علىٰ دينك»، قال: «إنَّ الله مقلِّب القلوب والأبصار، ولكن قل كما أقول لك: يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي علىٰ دينك»( ).
وينبغي تمثّل حالة الغريق _ الذي فقد الأمل بالحياة، وكان علىٰ استعداد للتمسّك بأيّ شيء ينقذه من الهلاك _ عند قراءة هذا الدعاء، حتَّىٰ يؤتي الدعاء ثمرته.
النقطة الرابعة: الشعور بالألم الحاصل من الغيبة:
لا شكَّ أنَّ لغيبة الإمام المهدي فوائد مهمَّة تربوية وعقائدية بل وسياسية، لكن يبقىٰ جانب الألم والمصيبة بارزاً فيها، إذا التفتنا إلىٰ:
1 _ أنَّ غيبة الإمام مانعة من وصول عموم شيعته إليه، والانقطاع عن الحبيب من أقسىٰ أنواع الألم، يقول الإمام الرضا: «كم من حرّىٰ مؤمنة، وكم من مؤمن متأسف حرّان حزين عند فقدان الماء المعين»( )، والماء المعين هو الإمام المهدي .
من هنا، جاء دعاء الندبة ليفصح في بعض فقراته عن الألم الناجم عن هذه الغيبة، حيث يقول الموالي:
«لَيْتَ شِعْرِي أيْنَ اسْتَقَرَّتْ بِكَ النَّوىٰ، بَلْ أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّكَ أَوْ ثَرىٰ، أَبِرَضْوىٰ أَوْ غَيْرِها أَمْ ذِي طُوىٰ، عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ أَرىٰ الخَلْقَ وَلَا تُرىٰ، وَلَا أَسْمَعُ لَكَ حَسِيساً وَلَا نَجْوىٰ، عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ تُحِيطَ بِكَ دُونِيَ البَلْوىٰ، وَلَا يَنالُكَ مِنِّي ضَجِيجٌ وَلَا شَكْوىٰ، بِنَفْسِـي أَنْتَ مِنْ مُغَيَّبٍ لَمْ يَخْلُ مِنّا، بِنَفْسِـي أَنْتَ مِنْ نازِحٍ ما نَزَحَ عَنّا، بِنَفْسِـي أَنْتَ أُمْنِيَّةُ شائِقٍ يَتَمَنَّىٰ، مِنْ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ ذَكَرا فَحَنّا...»( ).
2 _ عدم الإذن له بإجراء أحكام الدين والحقوق والحدود، خصوصاً مع رؤيته حقوقه نهباً وتراثه سلباً، كما كان حال آبائه الطاهرين من قبل.
عن حنان بن سدير، عن عبد الله بن دينار، عن أبي جعفر ، قال: قال: «يا عبد الله، ما من عيد للمسلمين أضحىٰ ولا فطر إلَّا وهو يُجدّد لآل محمّد فيه حزناً»، قلت : ولِـمَ ذاك؟ قال: «لأنَّهم يرون حقّهم في يد غيرهم»( ).
3 _ أنَّ أعداء الدين استغلوا غيبة حامي الشـريعة ليبثّوا شبهاتهم وشكوكهم في أذهان العامَّة، خصوصاً فيما يتعلَّق بالرجوع إلىٰ وكلاء الإمام المهدي العامّين، أقصد علماء الدين من أتباع آل محمّد ، رغم أنَّهم هم من أمرنا أهل البيت عموماً( ) والمهدي خصوصاً( ) بالرجوع إليهم وأخذ معالم ديننا فيما لو لم نصل إليهم منهم رضوان الله عليهم.
عن علي بن أبي المغيرة، عن عميرة بنت نفيل، قالت: سمعت الحسين بن علي يقول: «لا يكون الأمر الذي تنتظرونه حتَّىٰ يبرأ بعضكم من بعض، ويتفل بعضكم في وجوه بعض، ويشهد بعضكم علىٰ بعض بالكفر، ويلعن بعضكم بعضاً». فقلت له: ما في ذلك الزمان من خير؟ فقال الحسين : «الخير كلّه في ذلك الزمان، يقوم قائمنا ويدفع ذلك كلّه»( ).
4 _ إنَّ الإمام المهدي بحكم ولايته التكوينية، وعلمه الواسع، مطَّلع علىٰ أعمال العبد عموماً وشيعته خصوصاً، وبالتالي فإنَّه يتألَّم كثيراً إذا ما صدرت بعض الذنوب _ وما أكثرها _ من العباد عموماً وشيعته خصوصاً.
إنَّ هذا الأمر دعوة عامَّة وصريحة إلىٰ العمل علىٰ إدخال السـرور علىٰ قلب الإمام المهدي باتّخاذ عمل الصالحات منهجاً عملياً يومياً، وعدم إدخال الحزن والألم علىٰ قلبه باجتراح المعاصي، خصوصاً وإنَّ اجتراحها يعني معاونة الظالمين في العمل علىٰ تأجيل وتأخير الظهور المبارك.
وأنت مخيَّر، بين إدخال السرور علىٰ قلب مولاك أو الحزن.
حكِّم عقلك، واخرج بنتيجة.
وقد ورد في مراسلة الإمام المهدي إلىٰ الشيخ المفيد : «نحن وإن كنّا ناوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين، حسب الذي أراناه الله تعالىٰ لنا من الصلاح ولشيعتنا المؤمنين في ذلك ما دامت دولة الدنيا للفاسقين، فإنّا نحيط علماً بأنبائكم، ولا يعزب عنّا شيء من أخباركم، ومعرفتنا بالذلّ الذي أصابكم مذ جنح كثير منكم إلىٰ ما كان السلف الصالح عنه شاسعاً، ونبذوا العهد المأخوذ وراء ظهورهم كأنَّهم لا يعلمون. إنّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء أو اصطلمكم الأعداء، فاتَّقوا الله وظاهرونا علىٰ انتياشكم من فتنة قد أنافت عليكم يهلك فيها من حمَّ أجله ويحمىٰ عنها من أدرك أمله...»( ).
إنَّ هذه الآلام وغيرها، تدخل علىٰ قلب الإمام المهدي يومياً، وهو يعيشها في كلّ لحظة، أفلا يكون واجباً علينا أن نعيش بعض تلك الآلام معه ؟
إنَّ من أهمّ علامات المحبّ هو أن يحزن لحزن محبوبه، فكيف بشيعة الإمام ؟
إنَّ أقلّ ما يمكن أن نُقدِّمه لمولانا هو أن نشعر بالمأساة التي يعيشها هو ، وأن نعمل جاهدين علىٰ قطع هذه الآلام عنه ، وذلك لا يكون إلَّا بالعمل علىٰ توفير الأرضية المناسبة لقيام دولة الحقّ، وذلك بتوسيع رقعة الصالحين.