أتساءل ويتساءل بعضهم أنّه ما دام الله خلقنا في أحسن تقويم، وفي أحسن صورة، كما أخبر عزّ وجلّ: (( وَصَوَّرَكُم فَأَحسَنَ صُوَرَكُم )) (غافر:64)، والله هو العدل الذي لا يجور.
فأوّلاً: كيف نفسّر ولادة أُولئك المشوّهين، والمعاقين، والمعتوهين، والناقصين، والمعلولين، والمتخلّفين عقلياً، والمعاقين جسدياً؟
وثانياً: فما ذنب الطفل الذي يولد أعمى أو أصمّ أو أخرس أو معاق أو متخلّف... ألا يصطدم هذا مع عدالة الله تعالى، ومع حسن التصوير والتقويم الإلهي؟
وثالثاً: ما ذنب الأهل أن يرزقوا بأمثال هؤلاء الأولاد؟ مع أنّهم قد يكونوا صلحاء وملتزمين؟
ورابعاً: على فرض انحراف الوالدين! فما ذنب أطفالهم (( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى )) (الأنعام:164)، ولو كان هذا هو السبب لكان أولاد المنحرفين مشوّهين!
وخامساً: لو كان الطعام والشراب الحرام هو السبب لكان أولاد الغرب والأوروبيين قديماً وحديثاً، وهم ممّن يأكل الميتة ويشرب الخمر ويستمع الغناء، كلّهم أو جلّهم مشوّهين؟!
وسادساً: لماذا لا يؤثّر أكل الميتة وشرب الخمر ولقمة الحرام وغيرها من المعاصي والتجاوزات في نسل من الناس، بينما تؤثّر في بعضهم الآخر؟ ولماذا هؤلاء دون هؤلاء؟
وسابعاً: وعلى ضوء هذا كلّه ما هو تفسير قوله تعالى: (( لَقَد خَلَقنَا الإِنسَانَ فِي أَحسَنِ تَقوِيمٍ )) (التين:4)، وقوله تعالى: (( وَصَوَّرَكُم فَأَحسَنَ صُوَرَكُم )) ؟
لابدّ من أن نعلم أنّ هذا العالم الذي نعيش فيه ـ عالم الدنيا ـ هو عالم الأسباب والمسبّبات بمعنى أنّ أحد القوانين السائدة في عالم الدنيا هو قانون العلّية ، فالله تعالى جعل نظامه التكويني في هذه النشأة على أساس أنّ لكلّ شيء سببه الخاصّ به ، ومالم يتحقق سببه فهو لايتحقق ، وعلى هذا الأساس فإنّ ولادة الطفل السليم السوّي ـ جسدياً وعقلياً ـ لها أسبابها وعواملها الطبيعية التكوينية ، كما أنّ ولادة الطفل المشوّه والمعاق والمعتوه والمتخلّف والناقص والمعلول لها أيضاً أسبابها وعواملها الطبيعية والتكوينية ، تماماً كالثمرة السليمة والثمرة المعيبة ، فالله تعالى جعل للحصول على الثمر السليمة نظاماً وطريقاً إذا سلكه الفلّاح والزارع فسوف يقتطف ثمرة سليمة بلا آفة ، كماجعل أيضاً للحصول على الثمرة المعيبة نظاماً وطريقاً إذا سلكه الفلّاح فسوف يجني ثمرة معيبة.
فنحن نسألكم : لو أنّ الفلّاح سلك الطريق الثاني ، واختار الأسباب والعوامل المؤدّية إلى الحصول على ثمرة ردية ومعيبة ، سواء كان سلوكه لهذا الطريق عن عمدٍ ، أو عن جهل وغفلةّ ، وعدم وعرفة بالأسباب والعوامل ؛ فإنّه على كلّ حال لم ينتهج الطريقة الزراعية العلمية الدقيقة عمداً أو جهلاً وسهواً ـ قصوراً أو تقصيراً ـ فهل هذا يرتبط بعدالة الله تعالى ؟وهل يصحّ أن نقول لماذا التبعيض بين بعض الثمار وبعضها الآخر ؟ أو لماذا التبعيض بين بعض الفلاّحين والزرّاع وبعضهم الآخر ؟ ولماذا يقطف بعض الزرّاع ثماراً سلمية وجيّدة ، بينما البعض الآخر قطفوه رديئة ومؤفة ؟
من الواضح أنّ القضية ـ لا ترتبط أبداً لا من قريب ولا من بعيد ـ بعدالة الله تعالى ، فالله عادل حكيم ، ومن حكمته وعدالته أنّه جعل لكلّ شيء نظاماً خاصّاً ، ومعادلة معيّنة ، أمّا إذا لم يطبّق الإنسان تلك المعادلة بالضبط عمداً أو خطأً ، فهذا مطلب آخر ، ومشكلة شخص الإنسان ، فولادة الطفل السليم إنّما هي نتيجة العوامل والأسباب التكوينية التي جعلها الله تعالى بوصفها نظاماً خاصّاً ، ومعادلة معينّة للحصول على طفل سليم ، كما أنّ ولادة الطفل غير السليم هي أيضاً نتيجة العوامل والأسباب التكوينية التي أدّت إلى ذلك .
يبقى على العلم أن يطوّر نفسه ، وعلى العلماء اكتشاف المعادلة العلمية الدقيقة لولادة الطفل السليم ، وعلى الوالدين استخدام كلّ ما توصّل إليه العلم في هذا المجال كي يكون ولدهما سليماً سوّياً .
أمّا إذا وُلد الطفل وهو غير سليم ، ولم يكن ذلك بتعّمد من قبل الوالدين ، فسوف يعوّضهما الله تعالى بالأجر في الآخرة ثواباً على محنتهما إذا صبرا وشكرا ، كما أنّ الطفل نفسه أيضاً لا ذنب له ، وإذا صبر على محنته ؛ فإنّ الله تعالى لا يضيع أجر الصابرين ، ويعوّضه في الآخرة بما يرضيه.
وعليه فإنّ ولادة بعض الأفراد مشوّهين أو معاقين، ظاهراً أو باطناً، يعود إلى جملة من الأسباب: منها أسباب سلوكية، ومنها موضوعية، ومنها غيبية.
أمّا الأسباب السلوكية: فهي تلك المرتبطة بسلوك وتصرّف الوالدين قُبيل أو أثناء الجماع، فإنّ عدم مراعاة ما ينبغي حال المجامعة يورث العيوب والعاهات لدى الأبناء، وقد ورد في الأخبار ما يؤيّد ذلك..
منها: (أنّ وطئ الحائض يورث الحول في الولد) (1) ، و(أنّ من جامع امرأته وهي حائض فخرج الولد مجذوماً أو أبرصاً فلا يلومنّ إلاّ نفسه) (2) ، وعنهم(عليهم السلام): (أكثر هؤلاء المشوّهين من الذين يأتون نساءهم في الطمث) (3) ، وروي أنّ الجماع بشهوة غيرها يورث تخنيث الولد، ومجامعتها من قيام يورث فيه البول في الفراش (4) ، وأنّ الجماع ليلة الفطر يورث عدم الولد في الولد (أي يكون الولد عقيماً)، وليلة الأضحى يورث زيادة الأصبع أو نقصانها، وتحت الأشجار المثمرة يورث في الولد أن يكون جلاّداً أو عريفاً، وبين الآذان والإقامة يورث كونه حريصاً على إهراق الدماء، ومع استقبال الشمس بدون ستر يورث فقر الولد وبؤسه حتّى يموت، والجماع بغير وضوء يورث بخل الولد وعمى قلبه، وعلى سقوف البنيان يورث النفاق والرياء والبدعة (5) .. وغير ذلك من الأخبار الدالة على أنّ لسلوك الزوجين حال الجماع تأثير في حصول العيوب والعاهات لدى الأبناء.
وأمّا الأسباب الموضوعية: فإنّها تعود إلى ما يقتضيه النظام التام، وارتباط الأسباب والمسبّبات.
وبعبارة أُخرى: فإنّ الحكمة الإلهية قاضية بتفاوت الخلق في السلسلتين الطولية والعرضية، وضرورة التدرّج في نظام الوجود وترتّب الموجودات. وخلق الناس خاضع لنواميس ثابتة، وسنن إلهية محسوبة ومقدّرة بدقّة، فالتفاوت الملحوظ في مراتب الخلق ممّا تقتضيه الحكمة، لأجل تبيان النعمة وحصول العبرة، فالجميل إنمّا يُعرف بالقبيح، والكامل إنمّا يُعرف بالناقص، والمؤمن إنمّا يُعرف بالكافر..
إذ لو خلق الله الناس كلّهم متساوين في الخلقة ظاهراً وباطناً بحيث لا يوجد عاهة ولا عيب ولا نقص، لانتفت حكمة الخلق والتكليف وإرسال الرسل وإنزال الشرائع، ولما تميّز وجه الحكمة في الخلق، وعدم تميّز وجه الحكمة يؤدّي إلى عدم المعرفة التي هي الغاية من خلق الناس؛ قال تعالى: (( وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالأِنسَ إِلاَّ لِيَعبُدُونِ )) (الذاريات:56)، وفُسّرت العبادة في هذه الآية بالمعرفة، تبعاً لجملة من الأخبار المعتبرة، أي: أنّ التفاوت بين الخلق ضروري لتبيين وجه حكمة الحكيم تبارك وتعالى، فيعرف أنّه الكامل ولا أكمل منه، والعالم ولا أعلم منه، والغني الذي لا يفتقر، والإله الذي لا شريك له..
ثمّ إنّ أصحاب العاهات وإن سُلبوا بعض نعم الله تعالى التي لا تحصى فقد أسقط الله تعالى عنهم ما بإزائها من التكاليف، وذلك يُعد تعويضاً عمّا أُخذ منهم، علاوة على التعويض في الدار الآخرة، ولو قسنا عدد هؤلاء بالنسبة إلى سائر الناس لتبيّن لنا أنّهم أقل من عشر معشار الناس، وبهم تحصل العبرة للبشر فيشكروا الله على إتمام نعمته عليهم، فتذهب عنهم الغفلة عن عظيم فضله وجزيل إحسانه إليهم.
علاوة على أنّ عيوب هؤلاء الأفراد القلائل تحرّك في نفوس الأكثرية الشفقة والرحمة وتحملهم على مساعدة المعاقين وإعانتهم فيحصل التواصل والتراحم بينهم، وهذا من صلب ما أمرت به كافة شرائع الله عزّ وجلّ كافّة.
أمّا ما هو ذنب هؤلاء؟ فلا ذنب لهم ظاهراً، ولكنّه مقتضى رعاية النظام الشامل التام، ومقتضى التدرّج في سلّم الوجود، وهو عين الحكمة، وليس بقادح في عدله عزّ وجلّ، بل لو تصوّرنا خلوّ الدنيا عن هذه النقائض والعيوب، بعد التسليم بأنّها دار بلاء وامتحان، وأنّها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، كما ورد في الخبر، لو تصوّرنا ذلك لأمكن أن نقدح في حكمته - معاذ الله - فتأمّل!
وأمّا الأسباب الغيبية: فسنجمل الكلام عنها في هذا المقام، لصعوبة مأخذها، ولافتقار فهمها إلى اطّلاع واسع على أخبار الباطن والأسرار، ويمكن الإشارة هنا إلى ارتباط هذه العيوب والنقائص بالإجابة في عالم الذر، أو حصول اللطخ والخلط في الطينة بعد خلط طينة المؤمن بطينة الكافر، أو إلى أُمور تتعلّق بالعوالم السابقة لا يعلمها إلاّ الله عزّ وجلّ.
أمّا وجه عدم قدح خلق هؤلاء المشوّهين والمعاقين وأصحاب العاهات والعيوب في عدالة الله عزّ وجلّ، فيمكن تقريبه بالمثال الآتي:
إنّ الله سبحانه خلق الحنطة لمصلحة عباده وقدّر فيها أنّها إذا أُلقيت في الأرض الصالحة للزراعة وسُقيت بالماء أنّها تنبت، بمعنى: أنّ الله تعالى ينبتها لمن يفعل ذلك، فإذا غصب الظالم حنطة المؤمن، وزرعها في أرض مغصوبة، وسقاها بماء مغصوب، أنبتها الله سبحانه بمقتضى ما جعل في الحنطة وفي الأرض وفي الماء من قابلية، مع أنّه عزّ وجلّ لم يرضَ بغصب حنطة المؤمن ولا غصب أرضه ولا غصب مائه، ولكنّه فعل ذلك إجراءً لما جعله سبباً في التأثير في مسبباته.
وهناك مثال آخر أوضح وأقرب إلى موضوعنا، وهو: أنّه إذا زنى الرجل الزاني وألقى نطفته في رحم المرأة التي زنى بها، فإنّه تعالى يخلق منها الولد وهو لا يرضى بالزنا ولا بإلقاء النطفة الحرام في الرحم الحرام ولا يرضى بولد الزنا، ولكنّه تعالى أعطى الأشياء ما تقتضية طبائعها، وأخبرهم بأنّه لا يرضى بذلك، فإذا فعل العاصي خلاف ما أمره به لم يمنع الكريم عزّ وجلّ عطيته، بل يعطيها بمقتضى طبائعها، فيخلق مقتضى فعل العاصي وإن لم يرضه، فكيف يقدح ذلك بعدله وهو عين الحكمة، فتأمّل جيداً فإنّه دقيق.
وهكذا حال أصحاب التشوّهات الخلقية والانحرافات السلوكية؛ فإنّ للعيوب والنقائص أسباباً اقتضت ظهورها في أصحابها طبقاً لحكمة الخلق، وليس بالضرورة أن تكون تلك الأسباب كلّها منحصرة بالأسباب الطبيعية، وليس بالضرورة كذلك أن تكون كلّها منكشفة لنا، ومع ذلك فيجب الإيقان بأنّها حصلت طبقاً للحكمة من دون أن يكون ذلك قادحاً في عدله عزّ وجلّ، فالله تعالى عادل ولا يمكن أن نتصوّر عكس ذلك.
وأمّا ما يطرحه القرآن الكريم حول حسن التقويم ، والصورة الإنسانية ، فلا علاقة بالقوام الظاهري ، والصورة الظاهرية للإنسان ، بل المقصود أنّ تركيبة هذا الكائن الحيّ هي أحسن تركيبة ، وفي أحسن شكل وصورة من حيث الاعتدال والانسجام الكامل بين كلّ عناصر تركيبية ، ففيه الجانب الجسدي ، وفيه الجانب الروحي ، فيه المادّة ، وفيه ما هو مجرّد عن المادّة ، فيه العقل والإدراك ، وفيه الشهوة ، فيه الغرائز ، وفيه الملكات والقابليّات المتنوّعة والكثيرة ، وفيه .. وفيه ... المزید ما شاء الله أن يجتمع في هذا الكائن الذي فضّله على كثيرٍ من ممّن خلقه تفضيلاً ، وكرّمه ، فالإنسان بشكل عامّ ـ حتّى الإنسان غير السليم جسدياً وظاهرياً ـ هو كائن معتدل على أحسن ما يكون الإعتدال من حيث الجوانب التي شرحناها.