السلام عليكم ورحمة الله و بركاته
مرحباً بك أيها السائل الكريم..
جاء في تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ١١ - الصفحة ٣٧٥-٣٧٦:
قوله تعالى: " يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب " محو الشئ هو اذهاب رسمه وأثره، يقال محوت الكتاب إذا أذهبت ما فيه من الخطوط والرسوم، قال تعالى:
" ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته " الشورى: 24 أي يذهب بآثار الباطل كما قال " فأما الزبد فيذهب جفاء " وقال " وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة " اسرى 12 أي أذهبنا اثر الابصار من الليل فالمحو قريب المعنى من النسخ يقال نسخت الشمس الظل أي ذهبت باثره ورسمه.
وقد قوبل المحو في الآية بالإثبات وهو إقرار الشيء في مستقره بحيث لا يتحرك ولا يضطرب يقال أثبت الوتد في الأرض إذا ركزته فيها بحيث لا يتحرك ولا يخرج من مركزه فالمحو هو إزالة الشئ بعد ثبوته برسمه ويكثر استعماله في الكتاب..
ووقوع قوله " يمحو الله ما يشاء ويثبت " بعد قوله لكل أجل كتاب واتصاله به من جانب وبقوله وعنده أم الكتاب من جانب ظاهر في أن المراد محو الكتب واثباتها في الأوقات والآجال فالكتاب الذي أثبته الله في الأجل الأول إن شاء محاه في الأجل الثاني وأثبت كتاباً آخر فلا يزال يمحي كتاباً ويثبت كتاباً آخر..
وإذا اعتبرنا ما في الكتاب من آية وكل شيء آية صح أن يقال لا يزال يمحو آية ويثبت آية كما يشير إليه قوله: " ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها " البقرة: 106 وقوله: " وإذا بدلنا آية مكان آية " الآية النحل: 101.
فقوله يمحو الله ما يشاء ويثبت على ما فيه من الإطلاق يفيد فائدة التعليل لقوله لكل اجل كتاب والمعنى ان لكل وقت كتابا يخصه فيختلف فاختلاف الكتب باختلاف الأوقات والآجال انما ظهر من ناحية اختلاف التصرف الإلهي بمشيته لا من جهة اختلافها في أنفسها ومن ذواتها بان يتعين لكل اجل كتاب في نفسه لا يتغير عن وجهه بل الله سبحانه هو الذي يعين ذلك بتبديل كتاب مكان كتاب ومحو كتاب واثبات آخر.
وقوله: " وعنده أم الكتاب " أي أصله فإن الأم هي الأصل الذي ينشأ منه الشيء ويرجع إليه وهو دفع للدخل وإبانة لحقيقة الأمر فإن اختلاف حال الكتاب المكتوب لأجل بالمحو والاثبات أي تغير الحكم المكتوب والقول المقضى به حينا بعد حين ربما أوهم أن الأمور والقضايا ليس لها عند الله سبحانه صورة ثابتة وإنما يتبع حكمه العلل والعوامل الموجبة له من خارج كأحكامنا وقضايانا معاشر ذوي الشعور من الخلق أو أن حكمه جزافي لا تعين له في نفسه ولا مؤثر في تعينه من خارج كما ربما يتوهم أرباب العقول البسيطة ان الذي له ملك بكسر اللام مطلق وسلطنة مطلقة له ان يريد ما يشاء ويفعل ما يريد على حرية مطلقة من رعاية أي قيد وشرط وسلوك أي نظام أو لا نظام في عمله فلا صورة ثابتة لشئ من أفعاله وقضاياه عنده وقد قال تعالى: " ما يبدل القول لدى " ق: 29 وقال: " وكل شئ عنده بمقدار " الرعد: 8 إلى غير ذلك من الآيات.
فدفع هذا الدخل بقوله " وعنده أم الكتاب " أي أصل جنس الكتاب والامر الثابت الذي يرجع إليه هذه الكتب التي تمحى وتثبت بحسب الأوقات والآجال ولو كان هو نفسه تقبل المحو والاثبات لكان مثلها لا أصلا لها ولو لم يكن من أصله كان المحو والاثبات في أفعاله تعالى اما تابعا لأمور خارجة تستوجب ذلك فكان تعالى مقهورا مغلوبا للعوامل والأسباب الخارجية مثلنا والله يحكم لا معقب لحكمه.
واما غير تابع لشئ أصلا وهو الجزاف الذي يختل به نظام الخلقة والتدبير العام الواحد بربط الأشياء بعضها ببعض جلت عنه ساحته قال تعالى: " وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما الا بالحق " الدخان: 39.
فالملخص من مضمون الآية ان لله سبحانه في كل وقت وأجل كتابا أي حكما وقضاء وانه يمحو ما يشاء من هذه الكتب والاحكام والأقضية ويثبت ما يشاء أي يغير القضاء الثابت في وقت فيضع في الوقت الثاني مكانه قضاء آخر لكن عنده بالنسبة إلى كل وقت قضاء لا يتغير ولا يقبل المحو والاثبات وهو الأصل الذي يرجع إليه الأقضية الاخر وتنشأ منه فيمحو ويثبت على حسب ما يقتضيه هو.
دمتم في رعاية الله