السلام عليكم
ممكن تفسير هذه الآية القرآنية :
بسم الله الرحمن الرحيم (( ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون )) صدق الله العلي العظيم ؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
ننقل لكم تفسير هذه الاية من تفسير الامثل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي، جزء ١٢ صفحة ٥١٣،في تفسير آية ٢٨ من سورة الروم:
((و بعد بيان قسم آخر من دلائل التوحيد و المعاد في الآيات المتقدمة، يتناول القرآن موضوع «نفي الشرك» في مثال بيّن فيقول: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ.
هذا المثال هو لو كان لديكم- أيّها المشركون- عبيد و مماليك ف هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي أن عبيدكم هؤلاء يشاركونكم في أموالكم و في ما رزقناكم.. بحيث تكونون أنتم وعبيدكم سواء في مالكية هذه الأموال والنعم و تخافون أن يتصرفوا في هذه الأموال بشكل مستقل كما هو الحالة في تصرف شركاءكم الأحرار فيها أو في الميراث مثلاً ... المزید فأنتم غير مستعدين لأن يتصرفوا في أموالكم. فلو كان لكم عبيد و ملك يمين «و هو ملك مجازي» لما رضيتم بمثل هذا الفعل منهم، فكيف تتصورون المخلوقات التي هي ملك حقيقي للّه شركاءه! أو تزعمون أن بعض الأنبياء كالمسيح أو ملائكة اللّه أو بعض المخلوقات الأخری كالجن أو الأصنام الحجرية و الخشبيّة شركاءه، ألا ساء ما تحكمون!! المملوكات المجازية التي يمكن أن تتحرر و تنعتق بسرعة، وتكون في صفوفكم ومن أمثالكم «كما جری ذلك في الإسلام»- لا تكون حالة كونها مملوكة- في صف مالكها، وليس لها حق التدخل في منطقة نفوذه، فكيف تجعلون العبيد الحقيقيين أو المملوكات الحقيقية شركاء اللّه، في حين أنّهم متعلقون باللّه ذاتاً ووجوداً، و لا يمكن أن يسلب هذا التعلق باللّه والارتباط به منهم، وكل ما عندكم فمن عنده، وما أنتم بشيء من دونه!.
قال بعض المفسّرين: إنّ هذه الآية ناظرة لما قاله المشركون من قريش، عند التلبية في مناسك الحج، إذ كانوا يقولون عند التلبية ... «لبيك، اللّهم لا شريك لك، إلّا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك» ... هكذا كان محتوی تلبية المشركين٣.
و بديهي أن شأن نزول هذه الآيات شأن سائر الآيات في نزولها، إذ لا يحدد معنی الآية، كما هي في الوقت ذاته جواب لجميع المشركين، هي مستقاة من حياتهم أنفسهم التي تدور حول الرق والمملوكين، وتحتج عليهم احتجاجا متيناً..
و التعبير بـ (ما رَزَقْناكُمْ) يشير إلی هذه اللطيفة، وهي أنّكم لستم المالكين الحقيقيين لهؤلاء العبيد والمماليك، ولا المالكين الواقعيين للمال، لأنّ كل ذلك للّه وحده، ولكنّكم غير مستعدين لأن تخوّلوا مماليككم المجازيين بالتصرف في أموالكم المجازية و تعدّوهم شركاءكم، في حين أنّه لا يستلزم محالا ولا مشكلة من الناحية التكوينية لأنّ الكلام يدور مدار الاعتباريّات.
غير أن التفاوت بين اللّه و مخلوقاته تفاوت تكويني و لا يتغيّر، و جعل هذه المخلوقات شريكة للّه من سابع المستحيلات.
و من جهة أخری فإنّ عبادة أحد الموجودات، إمّا لعظمته، أو لأنّه ينفع و يضر الإنسان، إلّا أن هذه المعبودات لا تنفع و لا تضر٤.
و يعقب القرآن في ختام الآية للتأكيد والدقة علی مضمون السؤال، فيقول:
كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
أجل، نذكر لكم الحقائق من الأمثلة الواضحة في حياتكم لتفكروا فيها، و لكيلا تنسبوا للّه- علی الأقل- ما لا ترضون أن تنسبوه لأنفسكم!.
غير أنّ هذه الآيات البينات وهذه الأمثلة الواضحة هي لأولي الألباب، لا للظالمين عبدة الهوی الجهلة الذين قلوبهم أسدال الجهل، واستوعبت آفاقهم الخرافات والعصبيات، لذلك يضيف القرآن في الآية التالية قائلاً: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
و لذلك فإنّ اللّه خلّی بينهم وبين أنفسهم بسبب أعمالهم السيئة، فتاهوا في وادي الضلالة فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ؟! و التعبير بـ «ظلموا» مكان «أشركوا» إشارة إلی أن الشرك بعد أعظم الظلم:
فهو ظلم للخالق، إذ جعله مخلوقه إلی جانبه وأشركه معه (و نعرف أن الظلم أن تضع الشيء في غير موضعه)..
و ظلم للخلق، إذ منعوهم عن طريق الخير و السعادة «طريق التوحيد».
و ظلم لأنفسهم، لأنّهم أطلقوا جميع وجودهم وكيانهم للريح، و ظلوا في مفازة عمياء! و بيداء قفراء.))