السلام عليكم ورحمة الله و بركاته ، مرحبًا بك أيها السائل الكريم
جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - الشيخ ناصر مكارم الشيرازي - ج ٦ - الصفحة ٣٨١-٣٨٣:
الآيتان يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين (57) قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (58)
لقد جاءت في بعض الآيات السابقة بحوث في شأن القرآن عكست جوانب من مخالفات المشركين. وفي هذه الآيات تجدد الكلام عن القرآن بهذه المناسبة أيضا، ففي البداية تخاطب جميع البشرية خطابا عالميا وشموليا وتقول:
يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين.
لقد بينت هذه الآية أربع صفات للقرآن، ولإدراك مدلولاتها ومحتواها لابد أن نعتمد أولا على لغاتها ومعناها.
" الوعظ " و " الموعظة "، كما جاء في المفردات: هو النهي الممتزج بالتهديد، أن معنى الموعظة أوسع من هذا ظاهرا، كما نقل عن الخليل بن أحمد الفراهيدي في نفس كتاب المفردات، أن الموعظة عبارة عن التذكير بالنعم والطيبات المقترن برقة القلب. وفي الحقيقة فإن كل نصح وإرشاد يترك أثرا في المخاطب، ويخوفه من السيئات ويرغبه في الصالحات يسمى وعظا وموعظة. وطبعا ليس معنى هذا أن كل موعظة يجب أن يكون لها تأثير، بل المراد أنها تؤثر في القلوب المستعدة.
والمقصود من شفاء أمراض القلوب، وبتعبير القرآن شفاء ما في الصدور، هي تلك التلوثات المعنوية والروحية، كالبخل والحقد والحسد والجبن والشرك والنفاق وأمثال ذلك، وكلها من الأمراض الروحية والمعنوية.
والمقصود من " الهداية " هو الهداية نحو المقصود، أي تكامل ورقي الإنسان في كافة الجوانب الإيجابية.
والمراد من " الرحمة " هي النعم المادية والمعنوية الإلهية التي تشمل حال الأفراد اللائقين، كما نقرا في كتاب المفردات أن الرحمة متى ما نسبت إلى الله فإنها تعني بذله وهبته للنعم، وإذا ما نسبت إلى البشر فإنها تعني العطف ورقة القلب.
في الواقع، إن الآية أعلاه تشرح وتبين أربع مراحل من مراحل تربية وتكامل الإنسان في ظل القرآن.
المرحلة الأولى: مرحلة الموعظة والنصيحة.
المرحلة الثانية: مرحلة تطهير روح الإنسان من مختلف أنواع الرذائل الأخلاقية.
المرحلة الثالثة: مرحلة الهداية التي تجري بعد مرحلة التطهير.
المرحلة الرابعة: هي المرحلة التي يصل فيها الإنسان إلى أن يكون لائقا لأن تشمله رحمة الله ونعمته. وكل مرحلة من هذه المراحل تأتي بعد المرحلة السابقة لها، والجميل في الأمر أنها تتم جميعا في ظل نور القرآن وتوجيهاته.
القرآن هو الذي يعظ البشر، والقرآن هو الذي يغسل قلوبهم من تبعات الذنوب والصفات القبيحة، والقرآن هو الذي يوقد نور الهداية في القلوب ليضيئها، والقرآن أيضا هو الذي ينزل النعم الإلهية على الفرد والمجتمع.
ويوضح أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في كلامه الجامع في نهج البلاغة هذه الحقيقة بأبلغ تعبير، حيث يقول: " فاستشفوه من أدوائكم، واستعينوا به على ولائكم، فإن فيه شفاء من أكبر الداء، وهو الكفر والنفاق، والغي والضلال " (1).
وهذا بنفسه يبين أن القرآن وصفة لتحسين حال الفرد والمجتمع، وصيانتهم من أنواع الأمراض الأخلاقية والاجتماعية، وهذه الحقيقة أودعها المسلمون في كف النسيان، وبدل أن يستفيدوا من هذا الدواء الشافي، فإنهم يبحثون عن دوائهم وعلاجهم في المذاهب الأخرى، وجعلوا هذا الكتاب السماوي الكبير كتاب قراءة فقط، لا كتاب تفكر وعمل!
وتقول الآية الأخرى من أجل تكميل هذا البحث والتأكيد على هذه النعمة الإلهية الكبرى - أي القرآن المجيد -: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ولا يفرحوا بمقدار الثروات، وعظم المراكز، وعزة القوم والقبيلة، لأن رأس المال الحقيقي والأساس للسعادة الحقيقية هو هذا القرآن، فهو أفضل من كل ما جمعوه، ولا يمكن قياسه بذلك المجموع، إذا هو خير مما يجمعون.
دمتم في رعاية الله