السلام عليكم ورحمة الله و بركاته ، مرحبًا بك أيها السائل الكريم
إنّ العبارات الواردة في القرآن الكريم في معنى العمل الصالح قد اختلفت في تركيبها ، وهذا الاختلاف يؤدي إلى اختلاف المعاني ، فبعضها جاءت بعبارة (عملوا الصالحات) وهذه تدل على عمل جميع الأعمال الصالحة لأن الألف واللام هنا للشمول؛ ولأن في قبالها ذكرت العبارة الأخرى في القرآن الكريم (عملوا من الصالحات) أي بعض الأعمال الصالحة لأن (من) تدل على التبعيض، والعبارة الأخرى (عمل صالحاً) فهذه مطلقة تشمل من عمل بعض الأعمال الصالحة أو جميعها.
وأما عن عبارة (عملوا الصالحات) فهي ليست من ناحية التركيب النحوي فقط تدل على فعل جميع الصالحات؛ بل لما يأتي من معنى وآثار لا تصح إلا إذا كانت بمعنى الشمول.
وإنّ ما يمضي قدمًا بالإنسان في مسيرة القرب إلى الله هو العمل الصالح، والعمل الصالح هو العمل الذي فيه مرضاة الله، وهو حرث الآخرة كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: "الْعَمَلَ الصَّالِحُ حَرْثُ الْآخِرَة".
وورد عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أنّه قَالَ: "إِنَّكُمْ لَا تَكُونُونَ صَالِحِينَ حَتّى تَعْرِفُوا، وَلَا تَعْرِفُوا حَتّى تُصَدِّقُوا، وَلَا تُصَدِّقُوا حَتّى تُسَلِّمُوا أَبْوَابًا أَرْبَعَةً لَا يَصْلُحُ أَوَّلُهَا إِلَّا بِآخِرِهَا، ضَلَّ أَصْحَابُ الثَّلَاثَةِ، وَتَاهُوا تَيْهًا بَعِيدًا، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالى لَا يَقْبَلُ إِلَّا الْعَمَلَ الصَّالِحَ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الْوَفَاءَ بِالشُّرُوطِ وَالْعُهُودِ، فَمَنْ وَفى لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِشَرْطِه، واسْتَعْمَلَ مَا وَصَفَ فِي عَهْدِه، نَالَ مَا عِنْدَه، واسْتَكْمَلَ مَا وَعَدَه. إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وتَعَالَى أَخْبَرَ الْعِبَادَ بِطُرُقِ الْهُدَى، وشَرَعَ لَهُمْ فِيهَا الْمَنَارَ، وأَخْبَرَهُمْ كَيْفَ يَسْلُكُونَ، فَقَالَ: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾.
ويُطلَق العمل الصالح في المصطلح القرآنيّ على العمل الطيّب والصالح في نفسه، الذي يقوم به الفرد بنيّة التقرّب إلى الله ونيل رضاه، فمثل هذا العمل هو الذي يرتقي بالإنسان، ويتسلّق به سُلَّم الكمال، ويسمّى هذا العمل في الثقافة الإسلاميّة والقرآنيّة "عبادة".
ولا تُطلق العبادة على الصلاة والصيام والحجّ وما شابهها فقط، بل إنَّ كلّ عمل صالح وحَسَنٍ في ذاته ويُفعل بنيّة نيل رضى الله، سيكون عبادة، كما ورد عن أبي عبد الله عليه السلام حيث قال: "مِن أشدّ ما فرض الله على خلقه ذِكرُ الله كثيرًا، ثمَّ قال: لا أعني سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر، وإن كان منه، ولكنّ ذكر الله عند ما أحلّ وحرّم، فإن كان طاعة عمل بها، وإن كان معصية تركها".
وهذا المعنى هو المراد من العبادة في الآية الكريمة ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾وإنّ الهدف المرسوم للإنسان هو القرب من الله، وما يرفع الإنسان إلى مقام القرب هو أعماله الصالحة، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾.
إنّ الإيمان الكامل هو الذي يكون القلب معه لله وحده دون سواه، فتكون جميع تحرّكات هذا الإنسان إلهيّة، وعندها يصبح في أعلى درجات الاستعداد لاستقبال ألطاف الحقّ ومواهبه السنيّة.
أمّا الوسيلة الفضلى لنيل هذه الدرجة من الإيمان وتعميقها وترسيخها في القلب، فهي العمل الصّالح، ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾
وان أعمال الإنسان وأفعاله تُقسم إلى ثلاثة أقسام:
1- الأعمال التي محورها الإنسان نفسه:
هناك فئة من الأعمال التي نقوم بها ليس لها علاقة بالآخرين، بل مردودها ومحورها الإنسان نفسُه. ومثال ذلك: تناول الطعام، وشرب الماء، وأفعال من هذا القبيل، فهي أفعال لا يلتفت الإنسان في أدائها إلى ما سواه، ويضع نفسه فقط في الحسبان.
2- الأعمال التي محورها مخلوقات الله والآخرون:
هذا النوع الثاني من أفعالنا يمكن تصنيفه إلى عدّة أصناف، مثل: التعامل مع العائلة والأقارب، التعامل مع الأصدقاء، التعامل مع مختلف طبقات الناس داخل المجتمع، والتعامل مع الأعداء، بل وحتّى التعامل مع الحيوانات ومع الأرض والطبيعة والبيئة وما شابه ذلك.
3- الأعمال التي محورها الله سبحانه وتعالى:
وهي تلك المجموعة من أعمالنا التي ترتبط بالله جلّ وعلا، ونحن لا نقوم بها من أجل أنفسنا أو من أجل الآخرين بالذّات، بل نضع الله في نظر الاعتبار. وأبرز مثال على هذه الأفعال أداء الصلاة التي نؤدّيها تعظيمًا لله وعبادة له.
ويمكن لأيّ فعل أو حركة تصدر عن الإنسان أن تكون محلّ تقرّب وسموّ، فيصدق على هذا الفعل مفهوم العبادة الحقّة، ويدخل في دائرة الأعمال المقرّبة من الله، والتي يكون محورها الله عزّ وجلّ وحده، وتصدر من الإنسان ابتغاء مرضاته.
دمتم في رعاية الله