logo-img
السیاسات و الشروط
وأنتَ نور التَّائهين يا صاحب الزمان ( 21 سنة ) - العراق
منذ 3 سنوات

زيارة أمير المؤمنين في يوم الغدير

كَرَكَ الناكِثانِ فَقالا: نُرِيدُ العُمرَةَ، فَقُلتَ لَهُما: لَعَمرُكُما ما تُرِيدانِ العُمرَةَ لكِن تُرِيدانِ الغَدرَةَ، فَأخَذتَ البَيعَةَ عَلَيهِما وَجَدَّدتَ المِيثاقَ فَجَدّا في النِّفاقِ، فَلَمَّا نَبَّهتَهُما عَلى فِعلِهِما أغفَلا وَعادا وَما انتَفَعا وَكانَ عاقِبَةُ أمرِهِما ماهي القصه؟


السلام عليكم ورحمة الله و بركاته ، مرحبًا بك أيها السائل الكريم جاء في كتاب شرح زيارة الغدير، سيّد عبدالمطلب الموسوي الخرسان،ص٣٦٣-٣٧٠: اللغة : ما كَرَكَ المكر : احتيال ما يضمر. الناكثان : نكث العهد ، ينكثه ، نكثاً : أي ينقضه بعد إحكامه ، ونكث البيعة . أغفلا : أغفلت الشيء : إذا تركته على ذكر منك ، وتغافلت عنه . قُتل عثمان ، فبقيت الدولة الإسلامية بدون خليفة يدير شؤونها ، ولابد منم ملء هذا الفراغ ، باختيار رجل جدير ، يرتضيه الثوار ، ويتفق عليه معهم المهاجرون والأنصار ، باعتبارهم أهل الحل والعقد ، ولم يكن في الصحابة أحدٌ يمكن أن تجتمع عليه آراء الفريقين ، ليشغل هذا المنصب الخطير سوى إلّا بإعادة الحق إلى نصابه ، وتوليته زمام الأمور ، غير أنَّ هناك نفر من الصحابة كانوا غير راغبين بتوليته الخلافة ، ولكل من هؤلاء سببه الخاص به ، فهو إما طامع بتولي الخلافة ، كما تولاها غيره من النظراء ، أو يشعر بأنَّه سيفقد الإمتيازات غير المشروعة التي منحت له فيما سلف من الزمان ، بينما تأثر آخرون بدافع الحسد ، ولكن هؤلاء لم يتمكنوا من إبداء رأيهم أمام الأغلبية الساحقة ، بل صمتوا ، وبايع أغلبهم ، بينما امتنع آخرون عن البيعة ، فلم يجبرهم الإمام علي عليه‌السلام عليها عندما تمت له البيعة ، بل تركهم لشأنهم. أمّا الإمام علي عليه‌السلام فقد وجد نفسه في موقف صعب ، وبين أمرين خطيرين : الأول : أن يعتزل أمر الخلافة ، فلا يستجيب لطلب الثوار ومن وافقهم من الصحابة ، وعندها تعصف الفتنة بكيان الدولة الإسلامية ، لخلوِّها من قائد ينظم شؤونها ، ويسيِّر أمورها ، بأوامره يأتمر الجند ، وبها تجبى الأموال ، وتقام الحدود. الثاني : أن يقبل الخلافة مع ما بها من تركات الماضي ، ومخلفاته المؤلمة ، وعندها تدرؤ الفتنة ، ويستقر كيان الدولة الإسلامية ، لوجود خليفة شرعي تمت له البيعة ، ولكن سرعان ما سيهتز هذا الكيان ، ويتصدع بتمرد الطامعين ، ولا مناص له عندئذ من إعلان الحرب للقضاء على المترد ، وحفظ كيان الدولة. رفض الإمام علي عليه‌السلام الخلافة في بداية الأمر ، رجاء أن يختاروا لها غيره ، لأنَّه كان عل علم أنَّ السيرة التي سينتهجها ، لا يذعن لها الناس بسهولة ، بل لا يهضمونها ، وإنَّها ستولد ردود فعل عكسية غاضبة ، لأنَّ الناس اعتادوا أموراً لا يقرها الدين ، ولا يستطيع هو إقرارها وإبقاءها بحال ، لأنَّ ذلك يستلزم المسامس بدينه ، ولكن إلحاح الثوار ، ومن اتفق معهم من الصحابة عليه بقبول الخلافة ، وهتافهم باسمه ، لم يترك له خياراً ، حيث وجد أن استمرار الرفض سيؤدي إلى ما لا تحمد عقباه ، فقبل الخلافة ليحافظ على كيان الدولة الإسلامية ، قال عليه‌السلام في خطبته الشقشقية : «أما والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، لو لا حضور الحاضر ، وقيام الحجة بوجود الناصر ، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ، ولا سغب مظلوم ، لألقيت حبلها ـ أي الخلافة ـ على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أولها ، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز» . أعلن عليه‌السلام عن تحمله المسؤولية في خطاب وجهه إلى الناس في المسجد النبوي الشريف ، أوضح فيه الخطوط العريضة ليساسته التي سنتهجها ، ليعلم الجميع على أيَّة شروط يبايعون ، قال عليه‌السلام : «دعوني ، والتمسوا غيري ، فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان ، لا تقوم له القلوب ، ولا تثبت عليه العقول ، وإنَّ الآفاق قد أغامت ، والمحجة قد تنكرت ، واعلموا أنّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ، ولم أصغ إلى قول القائل ، وعتب العاتب ، وإن تركتموني فأنا كأحدكم ، ولعلّي أسمعكم ، وأطوعكم لمن وليتموه أمركم ، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أمير» ، وفي خطبته هذه بيان واضح ، وإشارة إلى الأوضاع الفاسدة التي كانت سائدة في الدولة الإسلامية ، والتي أدت إلى الفتنة التي كان فيها مصرع الخليفة ، وبيان واضح لما يعزم انتهاجه مما لا تستسيغه النفوس المريضة ، فصارحهم بأنَّ إمارته لا تفارق الحق ، وبديهي أنَّ الحق مُرٌّ عند ذوي الأطماع. كان طلحة أول من بايع الإمام علياً عليه‌السلام بعد قبوله تولي الخلافة ، ثم بايعه المهاجرون ، وفيهم الزبير ، ثم بايعه الأنصار ، وسائر من حضر من المسلمين ، وقام الإمام علي عليه‌السلام بعد أن تمت له البيعة ، ينفذ سياسته التي أعلنها على الناس قببل البيعة ، فقسَّم ما في بيت المال بالسوية بين المهاجرين والأنصار ، من البدريين وغيرهم ، ومن العرب والموالي ، لم يفضل أحداً على أحدٍ من مستحقي العطاء ، كما كان يفعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، متبعاً سنته ، فبدأ المنتفعون الذين كانوا يتمتعون بحقوق غيرهم ، يتذمرون من هذا الوضع ، وأخذوا يعلنون نقمتهم على الإمام علي عليه‌السلام ، بعد أن أمنوا سطوة الثوار الذين عادوا إلى بلدانهم بعد البيعة. كان كل من طلحة والزبير في طليعة المتذمرين الناقمين ، وقد أظهرا نقمتهما بعدم حضورهما القسمة ، ولم يأخذا حقهما الذي فرضه الله تعالى ، احتجاجاً على التسوية ، ثم جاءا يعاتبان الإمام عليه‌السلام لعدم استشارتهما في شيء من الأمر ، وعدم إشراكهما في شؤون الخلافة ، ولأنَّه لم يولهما ما طلبا من ولاية الكوفة والبصرة ، فردَّ عليهما بقوله : «لقد نقمتما يسيراً ، وأرجأتما كثيراً ، ألا تخبراني أي شيء كان لكما فيه حق دفعتكما عنه؟!. وأي قسم استأثرت عليكما به؟!. أم أي حق رفعه إلي أحد من المسلمين ضعفت عنه ، أم جهلته ، أم أخطأت بابه؟!. والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ، ولا في الولاية إربة ، ولكنكم دعوتموني إليها ، وحملتموني عليها ، فلما أفضت إليَّ نظرت إلى كتاب الله وما وضع لنا ، وأمرنا بالحكم به فاتبعته ، وما استسن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاقتديته ، فلم أحتج في ذلك إلى رأيكما ، ولا رأي غيركما ، ولا وقع حكم جهلته ، فأستشيركما وإخواني من المسلمين ، ولو كان ذلك لم أرغب عنكما ، ولا عن غيركما. وأمّا ما ذكرتما من أمر الأسوة [أي التسوية في العطاء] فإنَّ ذلك أمر لم أحكم أنا فيه برأيي ، ولا وليته هوىً منّي ، بل وجدت أنا وأنتم ما جاء به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد فرغ منه ، فلم أحتج إليكما فيما قد فرغ الله من قسمه ، وأمضى فيه حكمه ، فليس لكما ـ والله ـ عندي ولا لغيركما في هذا عتبى ، أخذ الله بقلوبنا وقلوبكم إلى الحق ، وألهمنا وإياكم الصبر. ثم قال عليه‌السلام : رحم الله رجلاً رأى حقاً فأعان عليه ، أو رأى جوراً فرده ، وكان عوناً بالحق على صاحبه» . نلاحظ أنَّ الإمام علياً عليه‌السلام قد أوضح الموقف بجلاء ، فلم يترك أمراً إلّا أوضحه ، وبرَّر عمله باتباعه الكتاب والسنة ، وبيَّن أن ما يريده كل من طلحة والزبير مخالف للكتاب والسنة ، وأنَّهما نقما عليه اتباعه الحق ، وأنَّ ما يخبِّئان له ، أشد مما أظهرا ، ولكنه لا يتأثر بمعارضة الحق ممن ظهر منه النفاق ، فنصحهما بالدعاء الذي ختم به حديثه ، وهو يعظهما ، وينبههما بأنَّ الأمثل لهما أن يكونا عونا للحق ، وأن يعملا على رد الباطل ، ويصبرا على ذلك. دبَّ اليأس إلى نفس كل من طلحة والزبير منذ البداية ، فهما يعرفان عن الإمام علي عليه‌السلام تنمُّره في ذات الله ، وأنَّه سيد المتقين الذي لا ينال أحدٌ من العطاء في ظل حكمه على حساب المحرومين من الأمة ، فلا يتخم في ظل حكمه غني بما يجوع به فقير ، كما لا يطمع أحدٌ بولاية تكون له طُعمَة ، يتصرف فيها بما يمليه هواه في ظل خلافته ، وهذا طلحة يقول للزبير بعيد البيعة : (ما أرى أنَّ لنا من هذا الأمر إلّا كلحسة أنف الكلب). كان الإمام علي عليه‌السلام يعرف الرجلين ، ويعرف توجهاتهما ، فقد حذر الزبير عندما بايعه من نكث البيعة ، فقال له : «إني لخائف أن تغدر بي ، وتنكث يبعتي. فقال الزبير : لا تخافن ، فإنَّ ذلك لا يكون مني أبداً. فقال عليه‌السلام : فليَ الله عليك راع وكفيل. قال : نعم ، الله لك عليَّ بذلك راع وكفيل» . يئس كل من طلحة والزبير من الولاية ، ويئسا من أي زيادة ، وتمييز في العطاء ، فكانا يسرّان المكر به ، وقد صمَّما على نقض البيعة ، فاستأذناه في الخروج إلى مكة لأداء العمرة ، لينفذا ما أضمراه من نقض البيعة ، والخروج عليه ، ولم يخفَ ذلك عليه ، فأخبرهما بما انطوت عليه نيتهما ، وجدد البيعة عليهما ، فأعطياه من المواثيق ما تطمئن به النفس ، وخرجا ، وهو يعلم أنَّهما لا يفيان له ، يقول ابن أبي الحديد : (دخل الزبير وطلحة على علي عليه‌السلام ، فاستأذناه في العمرة ، فقال : ما العمرة تريدان ، وإنما تريدان الغدرة ، ونكث البيعة. فحلفا بالله ما الخلاف عليه ، ولا نكث بيعته يريدان ، وما رأيهما غير العمرة. فقال لهما : فأعيدا البيعة لي ثانية. فأعاداها بأشد ما يكون من الأَيمان والمواثيق. فأذن لهما ، فلما خرجا من عنده ، قال لمن كان حاضراً : والله لا ترونهما إلّا في فتنة يقتتلان فيها. قالوا : يا أمير المؤمنين ، فمُر بردِّهما عليك. قال : ليقضي الله أمراً كان مفعولا) . ولابد أن نعرف أنَّ تجديد البيعة ، وأخذ المواثيق المؤكدة ، كان اعتماداً على ظاهر الإيمان ، الذي يقتضي الوفاء بالعهود ، وهو زيادة في الحجة له عليهما أمام الله تعالى ، وأمام الناس سواء من حضر ذلك المحضر ، أو من بلغه ذلك المحضر ،وما جرى فيه ، فلابد أن يعرف الناس الحق ، ويميزوا أهله ، ويحكموا على من خرج عليه. لقد ادعى طلحة والزبير أنَّهما بايعا بأيديهما ، ولم يبايعا بقلبيهما ، وادعيا أنَّهما أضمرا عند بيعتهما أن يشركهما في أمر الولاية والمشورة ، وما شابه ذلك ، وكل ما ادعياه لا يغري من الواقع شيئاً ، ولا يبرر نقض العهد ، والتاريخ يشهد عليهما بأنَّهما بايعا غير مكرهين ، لأن الإمام علياً عليه‌السلام لم يكره أحداً على البيعة ، وهذا عبد الله بن عمر ، وسعد بن أبي وقاص ممن امتنع عن بيعته ، فتركهما ، وقد أوضح ـ كما مرّ ـ سياسته التي يريد انتهاجها قبل إبرام البيعة ، ليكون الناس على بيِّنة من أمرهم عند إبرامها. أمّا قول الإمام الهادي عليه‌السلام : «فجدّا في النفاق» فلأنَّهما اجتهدا في إخفاء الغدر ، وإظهار الطاعة بتجديد البيعة ، وتوكيد المواثيق ، وهذا نفاق لما فيه من إظهارهما غير ما يبطنان ، وإنَّ نقض بيعة الإمام بعد إبرامها ، بدون مبرر شرعي نفاق ، وقد دلت النصوص على أنَّ بغض الإمام علي عليه‌السلام وحربه نفاق. تغافل طلحة والزبير ما أعطياه من بيعة ومواثيق مؤكدة ، كما تغافلا ما حذرهما الإمام علي عليه‌السلام عندما استأذناه من ركوب الفتنة ، وتغافلا عن كل ما يعرفان من الآثار ، والمآثم التي تترتب على ما عزما عليه ، فاجتمعا في مكة المكرمة مع أم المؤمنين عائشة ، وانظم إليهم الطريد بن الطريد مروان بن الحكم ، كما انظم إليهم جمع ممن يئسوا من تحقيق المنافع غير المشروعة في ظل حكومة العدل ، وهم بقية الطلقاء وأبناؤهم الذين كانوا يريدون الكيد بالإسلام وأهله ، فأظهروا الطلب بدم عثمان ، وجميع هؤلاء مشتركون بدم عثمان بصورة مباشرة ، أو غير مباشرة ، إما بالتحريض عليه ، أو التقاعس عن نصره ، أو العمل على تفاقم الأمور التي أدت إلى الثورة عليه. إجتمعت كلمة هؤلاء على اتهام الإمام علي عليه‌السلام بإيواء قتلة عثمان ، لم ينسَ هؤلاء التناقضات بينهم ، بل تناسوها ، ليجتمعوا على دعوة ضلال ، فكانت تلم شتاتهم المصالح الشخصية ، والحسد ، والبغض لإمام المتقين ، ورمز الحق ، والعدل ، ليؤججوا نار الحرب عليه ، فخرجت هذه التشكيلة تطوي الفيافي والقفار ، يجدّون السير نحو البصرة ، ليوقعوا مجزرة من أكبر مجازر التاريخ ، أزهقت فيها نفوس آلاف من المسلمين دون مبرر ، كما أودت بحياة طلحة والزبير اللذين أججاها ، وأشعلا فتيلها. خسر طلحة والزبير الدنيا التي كانا يرجوان الفوز بها ، ومن أجلها سلكا الطريق الوعر ، وكبَّدا الأمة خسائر جمة ، وقد خسرا آخرتهما ، بنقضهما العهود والمواثيق ، وإخراجهما حرمة الرسول المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد اُمرت أن تقرَّ في بيتها ، وتحملهما دماء المسلمين التي أريقت في تلك الحرب. دمتم في رعاية الله

3