السلام عليكم ورحمة الله و بركاته ، مرحبًا بك أيها السائل الكريم
جاء في كتاب شرح زيارة الغدير، سيّد عبدالمطلب الموسوي الخرسان،ص٣٦٣-٣٧٠:
اللغة : ما كَرَكَ المكر : احتيال ما يضمر.
الناكثان : نكث العهد ، ينكثه ، نكثاً : أي ينقضه بعد إحكامه ، ونكث البيعة .
أغفلا : أغفلت الشيء : إذا تركته على ذكر منك ، وتغافلت عنه .
قُتل عثمان ، فبقيت الدولة الإسلامية بدون خليفة يدير شؤونها ، ولابد منم ملء هذا الفراغ ، باختيار رجل جدير ، يرتضيه الثوار ، ويتفق عليه معهم المهاجرون والأنصار ، باعتبارهم أهل الحل والعقد ، ولم يكن في الصحابة أحدٌ يمكن أن تجتمع عليه آراء الفريقين ، ليشغل هذا المنصب الخطير سوى إلّا بإعادة الحق إلى نصابه ، وتوليته زمام الأمور ، غير أنَّ هناك نفر من الصحابة كانوا غير راغبين بتوليته الخلافة ، ولكل من هؤلاء سببه الخاص به ، فهو إما طامع بتولي الخلافة ، كما تولاها غيره من النظراء ، أو يشعر بأنَّه سيفقد الإمتيازات غير المشروعة التي منحت له فيما سلف من الزمان ، بينما تأثر آخرون بدافع الحسد ، ولكن هؤلاء لم يتمكنوا من إبداء رأيهم أمام الأغلبية الساحقة ، بل صمتوا ، وبايع أغلبهم ، بينما امتنع آخرون عن البيعة ، فلم يجبرهم الإمام علي عليهالسلام عليها عندما تمت له البيعة ، بل تركهم لشأنهم.
أمّا الإمام علي عليهالسلام فقد وجد نفسه في موقف صعب ، وبين أمرين خطيرين :
الأول : أن يعتزل أمر الخلافة ، فلا يستجيب لطلب الثوار ومن وافقهم من الصحابة ، وعندها تعصف الفتنة بكيان الدولة الإسلامية ، لخلوِّها من قائد ينظم شؤونها ، ويسيِّر أمورها ، بأوامره يأتمر الجند ، وبها تجبى الأموال ، وتقام الحدود.
الثاني : أن يقبل الخلافة مع ما بها من تركات الماضي ، ومخلفاته المؤلمة ، وعندها تدرؤ الفتنة ، ويستقر كيان الدولة الإسلامية ، لوجود خليفة شرعي تمت له البيعة ، ولكن سرعان ما سيهتز هذا الكيان ، ويتصدع بتمرد الطامعين ، ولا مناص له عندئذ من إعلان الحرب للقضاء على المترد ، وحفظ كيان الدولة.
رفض الإمام علي عليهالسلام الخلافة في بداية الأمر ، رجاء أن يختاروا لها غيره ، لأنَّه كان عل علم أنَّ السيرة التي سينتهجها ، لا يذعن لها الناس بسهولة ، بل لا يهضمونها ، وإنَّها ستولد ردود فعل عكسية غاضبة ، لأنَّ الناس اعتادوا أموراً لا يقرها الدين ، ولا يستطيع هو إقرارها وإبقاءها بحال ، لأنَّ ذلك يستلزم المسامس بدينه ، ولكن إلحاح الثوار ، ومن اتفق معهم من الصحابة عليه بقبول الخلافة ، وهتافهم باسمه ، لم يترك له خياراً ، حيث وجد أن استمرار الرفض سيؤدي إلى ما لا تحمد عقباه ، فقبل الخلافة ليحافظ على كيان الدولة الإسلامية ، قال عليهالسلام في خطبته الشقشقية : «أما والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، لو لا حضور الحاضر ، وقيام الحجة بوجود الناصر ، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ، ولا سغب مظلوم ، لألقيت حبلها ـ أي الخلافة ـ على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أولها ، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز» .
أعلن عليهالسلام عن تحمله المسؤولية في خطاب وجهه إلى الناس في المسجد النبوي الشريف ، أوضح فيه الخطوط العريضة ليساسته التي سنتهجها ، ليعلم الجميع على أيَّة شروط يبايعون ، قال عليهالسلام : «دعوني ، والتمسوا غيري ، فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان ، لا تقوم له القلوب ، ولا تثبت عليه العقول ، وإنَّ الآفاق قد أغامت ، والمحجة قد تنكرت ، واعلموا أنّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ، ولم أصغ إلى قول القائل ، وعتب العاتب ، وإن تركتموني فأنا كأحدكم ، ولعلّي أسمعكم ، وأطوعكم لمن وليتموه أمركم ، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أمير» ، وفي خطبته هذه بيان واضح ، وإشارة إلى الأوضاع الفاسدة التي كانت سائدة في الدولة الإسلامية ، والتي أدت إلى الفتنة التي كان فيها مصرع الخليفة ، وبيان واضح لما يعزم انتهاجه مما لا تستسيغه النفوس المريضة ، فصارحهم بأنَّ إمارته لا تفارق الحق ، وبديهي أنَّ الحق مُرٌّ عند ذوي الأطماع.
كان طلحة أول من بايع الإمام علياً عليهالسلام بعد قبوله تولي الخلافة ، ثم بايعه المهاجرون ، وفيهم الزبير ، ثم بايعه الأنصار ، وسائر من حضر من المسلمين ، وقام الإمام علي عليهالسلام بعد أن تمت له البيعة ، ينفذ سياسته التي أعلنها على الناس قببل البيعة ، فقسَّم ما في بيت المال بالسوية بين المهاجرين والأنصار ، من البدريين وغيرهم ، ومن العرب والموالي ، لم يفضل أحداً على أحدٍ من مستحقي العطاء ، كما كان يفعل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، متبعاً سنته ، فبدأ المنتفعون الذين كانوا يتمتعون بحقوق غيرهم ، يتذمرون من هذا الوضع ، وأخذوا يعلنون نقمتهم على الإمام علي عليهالسلام ، بعد أن أمنوا سطوة الثوار الذين عادوا إلى بلدانهم بعد البيعة.
كان كل من طلحة والزبير في طليعة المتذمرين الناقمين ، وقد أظهرا نقمتهما بعدم حضورهما القسمة ، ولم يأخذا حقهما الذي فرضه الله تعالى ، احتجاجاً على التسوية ، ثم جاءا يعاتبان الإمام عليهالسلام لعدم استشارتهما في شيء من الأمر ، وعدم إشراكهما في شؤون الخلافة ، ولأنَّه لم يولهما ما طلبا من ولاية الكوفة والبصرة ، فردَّ عليهما بقوله : «لقد نقمتما يسيراً ، وأرجأتما كثيراً ، ألا تخبراني أي شيء كان لكما فيه حق دفعتكما عنه؟!. وأي قسم استأثرت عليكما به؟!. أم أي حق رفعه إلي أحد من المسلمين ضعفت عنه ، أم جهلته ، أم أخطأت بابه؟!.
والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ، ولا في الولاية إربة ، ولكنكم دعوتموني إليها ، وحملتموني عليها ، فلما أفضت إليَّ نظرت إلى كتاب الله وما وضع لنا ، وأمرنا بالحكم به فاتبعته ، وما استسن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فاقتديته ، فلم أحتج في ذلك إلى رأيكما ، ولا رأي غيركما ، ولا وقع حكم جهلته ، فأستشيركما وإخواني من المسلمين ، ولو كان ذلك لم أرغب عنكما ، ولا عن غيركما.
وأمّا ما ذكرتما من أمر الأسوة [أي التسوية في العطاء] فإنَّ ذلك أمر لم أحكم أنا فيه برأيي ، ولا وليته هوىً منّي ، بل وجدت أنا وأنتم ما جاء به رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قد فرغ منه ، فلم أحتج إليكما فيما قد فرغ الله من قسمه ، وأمضى فيه حكمه ، فليس لكما ـ والله ـ عندي ولا لغيركما في هذا عتبى ، أخذ الله بقلوبنا وقلوبكم إلى الحق ، وألهمنا وإياكم الصبر. ثم قال عليهالسلام : رحم الله رجلاً رأى حقاً فأعان عليه ، أو رأى جوراً فرده ، وكان عوناً بالحق على صاحبه» .
نلاحظ أنَّ الإمام علياً عليهالسلام قد أوضح الموقف بجلاء ، فلم يترك أمراً إلّا أوضحه ، وبرَّر عمله باتباعه الكتاب والسنة ، وبيَّن أن ما يريده كل من طلحة والزبير مخالف للكتاب والسنة ، وأنَّهما نقما عليه اتباعه الحق ، وأنَّ ما يخبِّئان له ، أشد مما أظهرا ، ولكنه لا يتأثر بمعارضة الحق ممن ظهر منه النفاق ، فنصحهما بالدعاء الذي ختم به حديثه ، وهو يعظهما ، وينبههما بأنَّ الأمثل لهما أن يكونا عونا للحق ، وأن يعملا على رد الباطل ، ويصبرا على ذلك.
دبَّ اليأس إلى نفس كل من طلحة والزبير منذ البداية ، فهما يعرفان عن الإمام علي عليهالسلام تنمُّره في ذات الله ، وأنَّه سيد المتقين الذي لا ينال أحدٌ من العطاء في ظل حكمه على حساب المحرومين من الأمة ، فلا يتخم في ظل حكمه غني بما يجوع به فقير ، كما لا يطمع أحدٌ بولاية تكون له طُعمَة ، يتصرف فيها بما يمليه هواه في ظل خلافته ، وهذا طلحة يقول للزبير بعيد البيعة : (ما أرى أنَّ لنا من هذا الأمر إلّا كلحسة أنف الكلب).
كان الإمام علي عليهالسلام يعرف الرجلين ، ويعرف توجهاتهما ، فقد حذر الزبير عندما بايعه من نكث البيعة ، فقال له : «إني لخائف أن تغدر بي ، وتنكث يبعتي. فقال الزبير : لا تخافن ، فإنَّ ذلك لا يكون مني أبداً. فقال عليهالسلام : فليَ الله عليك راع وكفيل. قال : نعم ، الله لك عليَّ بذلك راع وكفيل» .
يئس كل من طلحة والزبير من الولاية ، ويئسا من أي زيادة ، وتمييز في العطاء ، فكانا يسرّان المكر به ، وقد صمَّما على نقض البيعة ، فاستأذناه في الخروج إلى مكة لأداء العمرة ، لينفذا ما أضمراه من نقض البيعة ، والخروج عليه ، ولم يخفَ ذلك عليه ، فأخبرهما بما انطوت عليه نيتهما ، وجدد البيعة عليهما ، فأعطياه من المواثيق ما تطمئن به النفس ، وخرجا ، وهو يعلم أنَّهما لا يفيان له ، يقول ابن أبي الحديد : (دخل الزبير وطلحة على علي عليهالسلام ، فاستأذناه في العمرة ، فقال : ما العمرة تريدان ، وإنما تريدان الغدرة ، ونكث البيعة. فحلفا بالله ما الخلاف عليه ، ولا نكث بيعته يريدان ، وما رأيهما غير العمرة. فقال لهما : فأعيدا البيعة لي ثانية. فأعاداها بأشد ما يكون من الأَيمان والمواثيق. فأذن لهما ، فلما خرجا من عنده ، قال لمن كان حاضراً : والله لا ترونهما إلّا في فتنة يقتتلان فيها. قالوا : يا أمير المؤمنين ، فمُر بردِّهما عليك. قال : ليقضي الله أمراً كان مفعولا) .
ولابد أن نعرف أنَّ تجديد البيعة ، وأخذ المواثيق المؤكدة ، كان اعتماداً على ظاهر الإيمان ، الذي يقتضي الوفاء بالعهود ، وهو زيادة في الحجة له عليهما أمام الله تعالى ، وأمام الناس سواء من حضر ذلك المحضر ، أو من بلغه ذلك المحضر ،وما جرى فيه ، فلابد أن يعرف الناس الحق ، ويميزوا أهله ، ويحكموا على من خرج عليه.
لقد ادعى طلحة والزبير أنَّهما بايعا بأيديهما ، ولم يبايعا بقلبيهما ، وادعيا أنَّهما أضمرا عند بيعتهما أن يشركهما في أمر الولاية والمشورة ، وما شابه ذلك ، وكل ما ادعياه لا يغري من الواقع شيئاً ، ولا يبرر نقض العهد ، والتاريخ يشهد عليهما بأنَّهما بايعا غير مكرهين ، لأن الإمام علياً عليهالسلام لم يكره أحداً على البيعة ، وهذا عبد الله بن عمر ، وسعد بن أبي وقاص ممن امتنع عن بيعته ، فتركهما ، وقد أوضح ـ كما مرّ ـ سياسته التي يريد انتهاجها قبل إبرام البيعة ، ليكون الناس على بيِّنة من أمرهم عند إبرامها.
أمّا قول الإمام الهادي عليهالسلام : «فجدّا في النفاق» فلأنَّهما اجتهدا في إخفاء الغدر ، وإظهار الطاعة بتجديد البيعة ، وتوكيد المواثيق ، وهذا نفاق لما فيه من إظهارهما غير ما يبطنان ، وإنَّ نقض بيعة الإمام بعد إبرامها ، بدون مبرر شرعي نفاق ، وقد دلت النصوص على أنَّ بغض الإمام علي عليهالسلام وحربه نفاق.
تغافل طلحة والزبير ما أعطياه من بيعة ومواثيق مؤكدة ، كما تغافلا ما حذرهما الإمام علي عليهالسلام عندما استأذناه من ركوب الفتنة ، وتغافلا عن كل ما يعرفان من الآثار ، والمآثم التي تترتب على ما عزما عليه ، فاجتمعا في مكة المكرمة مع أم المؤمنين عائشة ، وانظم إليهم الطريد بن الطريد مروان بن الحكم ، كما انظم إليهم جمع ممن يئسوا من تحقيق المنافع غير المشروعة في ظل حكومة العدل ، وهم بقية الطلقاء وأبناؤهم الذين كانوا يريدون الكيد بالإسلام وأهله ، فأظهروا الطلب بدم عثمان ، وجميع هؤلاء مشتركون بدم عثمان بصورة مباشرة ، أو غير مباشرة ، إما بالتحريض عليه ، أو التقاعس عن نصره ، أو العمل على تفاقم الأمور التي أدت إلى الثورة عليه.
إجتمعت كلمة هؤلاء على اتهام الإمام علي عليهالسلام بإيواء قتلة عثمان ، لم ينسَ هؤلاء التناقضات بينهم ، بل تناسوها ، ليجتمعوا على دعوة ضلال ، فكانت تلم شتاتهم المصالح الشخصية ، والحسد ، والبغض لإمام المتقين ، ورمز الحق ، والعدل ، ليؤججوا نار الحرب عليه ، فخرجت هذه التشكيلة تطوي الفيافي والقفار ، يجدّون السير نحو البصرة ، ليوقعوا مجزرة من أكبر مجازر التاريخ ، أزهقت فيها نفوس آلاف من المسلمين دون مبرر ، كما أودت بحياة طلحة والزبير اللذين أججاها ، وأشعلا فتيلها.
خسر طلحة والزبير الدنيا التي كانا يرجوان الفوز بها ، ومن أجلها سلكا الطريق الوعر ، وكبَّدا الأمة خسائر جمة ، وقد خسرا آخرتهما ، بنقضهما العهود والمواثيق ، وإخراجهما حرمة الرسول المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد اُمرت أن تقرَّ في بيتها ، وتحملهما دماء المسلمين التي أريقت في تلك الحرب.
دمتم في رعاية الله