السلام عليكم ورحمة الله و بركاته ، مرحبًا بك أيها السائل الكريم ، نشكر تواصلك معنا
جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - الشيخ ناصر مكارم الشيرازي - ج ١٧ - الصفحة ٦٩-٧١:
هذه السورة هي الثانية بعد سورة " الصافات " التي تبدأ بالقسم المتكرر، القسم العميق والباعث على التفكر، القسم الذي يوقظ الإنسان ويمنحه الوعي والاطلاع!
والطريف في الأمر أن هذا القسم غالبا ما يوطئ للمعاد، سوى بعض المواطن التي يمهد فيها للتوحيد والمسائل المتعلقة به.
كما أن مما يلفت النظر أن هذا القسم يرتبط محتواه بمحتوى يوم القيامة والنشور.. وهو يتابع بظرافة ورونق خاص هذا البحث المهم من جوانب متعددة:
والحقيقة أن كل قسم في القرآن هو بنفسه - وإن كثرت الأقسام - أو الأيمان - وجه من وجوه إعجاز القرآن هذا الكتاب السماوي، وهو من أجمل جوانبه وأبهاها وسيأتي تفصيل كل ذلك في موقعه.
وفي مستهل السورة يقسم الله سبحانه بخمسة أشياء مختلفة، وقد جاء القسم بأربعة أشياء متوالية سردا وجاء القسم بخامسها فردا.
فيقول الله في البداية: والذاريات ذروا أي قسما بالرياح التي تحمل السحب في السماء وتذروا البذور على الأرض في كل مكان ... المزید
ثم يضيف: فالحاملات وقرا (2) قسما بالسحب التي تحمل أمطارا ثقيلة معها..
فالجاريات يسرا (3) " والجاريات هنا هي السفن " أي قسما بالسفن التي تجري في الأنهار العظيمة والبحار الشاسعة بيسر وسهولة..
فالمقسمات أمرا " والمقسمات " هنا " معناها الملائكة الذين يقسمون الأمور.
ونقرأ حديثا نقله كثير من المفسرين ذيل هذه الآية أن " ابن الكوا " (4) سأل مرة عليا (عليه السلام) وهو على المنبر خطيبا: ما الذاريات ذروا؟ فقال (عليه السلام): هي الرياح.
فقال: فالحاملات وقرا فأجاب (عليه السلام): هي السحاب.
فقال: فالجاريات يسرا فقال (عليه السلام): هي السفن.
فقال: فالمقسمات أمرا فقال: الملائكة.
1 - الذاريات: جمع الذارية ومعناها الريح التي تحمل معها الأشياء وتنشرها في الفضاء.
2 - الوقر - على زنة الفكر - معناه ذو الوزن الثقيل كما يأتي معنى ثقل السمع والوقار ثقل الحركات والحلم والهدوء أيضا.
3 - الجاريات جمع جارية، ومعناها هنا السفن كما تأتي بمعنى الأنهار لجريانها وقد ورد قوله تعالى: فيها عين جارية في الآية (12) من سورة الغاشية كما تطلق الجارية على الشمس لجريها في السماء، وتطلق الجارية أيضا على الفتاة لأن نشاط الشباب يجري في كيانها.
4 - كان يدعى بعبد الله، وكان من المنافقين في زمان الإمام علي، وأشد أعدائه وكان يزعم أنه من أصحابه إلا أنه كان يتآمر عليه..
ومع هذه الحال فهناك تفاسير أخر يمكن ضمها إلى هذا التفسير، منها أن المراد ب " الجاريات " هي الأنهار التي تجري بماء المزن و " المقسمات أمرا " هي الأرزاق التي تقسم بواسطة الملائكة عن طريق الزراعة.
وعلى هذا فإن الكلام عن الرياح ثم الغيوم وبعدها الأنهار وأخيرا نمو النباتات في الأرض يتناسب تناسبا قريبا مع مسألة المعاد، لأننا نعرف أن واحدا من أدلة إمكان المعاد هو إحياء الأرض الميتة بنزول الغيث وقد ذكر ذلك عدة مرات في القرآن بأساليب مختلفة.
كما يرد هذا الاحتمال أيضا: وهو أن هذه الأوصاف الأربعة جميعها للرياح - الرياح المولدة للسحب، والرياح التي تحملها على متونها، والرياح التي تجري بها إلى كل جانب، والرياح التي تنثر وتقسم قطرات الغيث لكل جهة (1)!.
ومع ملاحظة أن هذه التعبيرات الواردة في الآيات جميعها جامعة وكلية فيمكن أن تحمل المعاني آنفة الذكر كلها، إلا أن التفسير الأساس هو التفسير الأول.
وهنا ينقدح هذا السؤال.. وهو:
إذا كان المراد من " المقسمات " هو الملائكة فماذا تقسم الملائكة؟!
نجيب على هذا السؤال أن تقسيم العمل هنا لعله راجع إلى كل التدبير في العالم بحيث أن جماعات من الملائكة مأمورة بتدبير أموره، كما يحتمل أنها مأمورة بتدبير الأرزاق، أو تقسيم قطرات الغيث على المناطق المتعددة في الأرض .
دمتم في رعاية الله