السلام عليكم ممكن اعرف في سورة الأحزاب إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا هل الايه جاءت على زوجات النبي أو أهل البيت عليهم السلام
عليكم السلام
الاحاديث الصحيحة صريحة بأنّ أهل البيت هم: عليّ وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام)، بالإضافة إلى سيد البيت النبيّ المصطفى(صلّى الله عليه وآله وسلّم)!
فهذه رواية عائشة في صحيح مسلم التي حكت فعل النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأصحاب الكساء(عليهم السلام) ثم تلاوته لآية التطهير من سورة الأحزاب، تعاضدها النصوص الصحيحة التي رواها أئمّة السنن والآثار، حين نقلوا قول النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبطرق مختلفة: (اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي) حين جلّلهم بالكساء، وحين قرأ آية التطهير عليهم خاصّة..
وهذا اللفظ منه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يفيد الحصر وتعيين المذكورين فقط بأنّّهم أهل البيت دون غيرهم. وقد نصَّ العلماء بأنّ تعريف الجزءين (هؤلاء، أهل بيتي)يفيد الحصر . وقد صرّح جمع من علماء أهل السُنّة بهذا المعنى أيضاً، أيّ: بأنّ المراد بأهل البيت هم: أصحاب الكساء(عليهم السلام) دون غيرهم، وفي هذا يقول الحاكم النيسابوري في كتابه، بعد أن ذكر جملة من الأخبار والروايات الصحيحة على شرط الشيخين، الصريحة في أنّ أهل البيت هم خصوص أصحاب الكساء(عليهم السلام) فقط، وأنّهم أيضاً المرادون بمصطلح: (آل محمّد)، دون غيرهم، قال بعد إيراده لحديث كيفية الصلاة على أهل البيت: ((وإنّما خرّجته ليعلم المستفيد أنّ أهل البيت والآل جميعاً هم)) .
وفي هذا المعنى أيضاً يقول الآلوسي صاحب التفسير: ((وأخبار إدخاله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عليّاً وفاطمة وابنيهما(رضي الله تعالى عنهم)، تحت الكساء، وقوله عليه الصلاة والسلام: (اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي) ودعائه لهم، وعدم إدخال أُمّ سلمة أكثر من أن تحصى، وهي مخصّصة لعموم أهل البيت بأيّ معنى كان البيت، فالمراد بهم: من شملهم الكساء، ولا يدخل فيهم أزواجه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) )) .
وأمّا الجواب على الاحتجاج بوحدة السياق، وأنّ هذه الآية الكريمة وردت ضمن آيات جاءت تتحدّث عن نساء النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فيكون المراد بأنّهنّ المقصودات بهذه الآية الكريمة، بالإضافة إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ لمحلّ التذكير في الضمائر (عنكم)، الذي يستفاد منه الشمول للذكر والأنثى..
فنقول: إنَّ من الضروري للاستدلال بوحدة السياق لهذه الآيات، بل وللاستدلال بها في كلّ آيات القرآن الكريم إثبات نزول الآيات المستدلّ بها دفعة واحدة، وفي مناسبة واحدة، ليكون بعضها قرينة على بعضها الآخر، وأمّا احتمال تعدّد الكلام في مناسبات مختلفة، فهو ينسف الاستدلال بوحدة السياق، ولا يمكن إثبات المدّعى في هذا المقام وفي كلّ مقام..
ومن المعلوم أنّ ترتيب الآيات القرآنية في المصحف الشريف لم يكن بحسب التسلسل الزمني لنزولها، فرُبّ آية مدنية وضعت بين آيات مكّية وبالعكس..، وهذا الأمر يمكن ملاحظته بأدنى مراجعة لأسباب نزول الآيات التي ذكرها العلماء في الكتب الخاصّة بهذا الشأن. وفي مقامنا: من العسير جداً إثبات نزول آية التطهير (وهي الآية 33 من سورة الأحزاب) مع الآيات الواردة في نساء النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بل هناك من الأدلة ما يشير إلى نزول آية التطهير قبل آيات نساء النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
قال السيوطي: ((أخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: لمّا دخل عليّ(رضي الله عنه) بفاطمة رضي الله عنها جاء النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أربعين صباحاً إلى بابها يقول: (السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، الصلاة رحمكم الله، (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيراً )) , أنا حرب لما حاربتم، وأنا سلم لمن سالمتم) )) (5) .
فإذا علمنا أنّ زواج فاطمة(عليها السلام) من عليّ(عليه السلام)كان بعد رجوع النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من غزوة بدر في السنة الثانية للهجرة، كما يروي ذلك أبو الفرج الأصفهاني (6) ، أو على رأس اثنين وعشرين شهراً من الهجرة، بحسب رواية الطبري عن الواقدي (7) .. وعلمنا أيضاً أنّ نزول الآيات المرتبطة بنساء النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان بعد زواج رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بمجموعة منهنّ، بل ذهب بعض المفسّرين إلى كونهنّ تسعة عند نزول هذه الآيات (8) ، ولم يختلف أحد في وجود (حفصة) آنذاك، وأنّها من جملة النساء اللآتي خيّرهنَّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بين الدنيا والآخرة.. وقد صرّح الطبري وغيره أنّ زواج النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من حفصة كان في السنة الثالثة من الهجرة قبل الخروج إلى أُحد ، أي أنّه متأخّر عن زواج فاطمة(عليها السلام) بما يقارب السنة الواحدة.. فيتبيّن لنا من ملاحظة هذين الأمرين - أي: من تاريخ زواج عليّ من فاطمة(عليهما السلام)، وتاريخ زواج النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من حفصة - أنّه لا يمكن المصير إلى القول بأنّ آية التطهير قد نزلت دفعت واحدة مع آيات نساء النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وهذا الإشكال الوارد على وحدة السياق لهذه الآية مع تلك الآيات إن ثبت على نحو الجزم، فهو مانع من الاستدلال به في المقام، وإن لم يثبت على نحو الجزم، فلا أقل من كونه احتمالاً مانعاً من تمامية الاستدلال بوحدة السياق في المقام. وأيضاً يوجد هناك أمران آخران يمنعان من الاستدلال بوحدة السياق لهذه الآيات الكريمات:
الأوّل: عدم وحدة الخطاب بينها، أي بين آيات النساء وآية التطهير، فالملاحظ أنّ المولى سبحانه أرجع الإرادة في آيات النساء إليهن لا إليه عزّ وجلّ، إذ قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدنَ الحَيَاةَ الدُّنيَا ... المزید وَإِن كُنتُنَّ تُرِدنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ... مَن يَأتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ )) (الأحزاب:28-30)، بينما في آية التطهير كان الخطاب يحكي عن تعلّق الإرادة الإلهية ذاتها بالتطهير وإذهاب الرجس عن أهل البيت(عليهم السلام)، فقد قال تعالى: (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيراً )) (الأحزاب:33).
الثاني: إنّ آيات النساء وردت في سياق الزجر والتحذير، بينما آية التطهير - بالاتّفاق - قد وردت في سياق المدح والتفضيل، وشتّان بين السياقين إذا اعتبرنا أنّ المخاطب في كلا الموردين واحد وليس متعدّداً. وبشكل عام لكي يتم الاحتجاج بوحدة السياق بين آيات ما، في القرآن الكريم، يحتاج إلى شيئين: الأوّل: الوحدة في النزول، الثاني: الوحدة في الخطاب.. وهما مفقودان في المقام. وأمّا دعوى أنّ مجاهد بن جبر كان يقول: ((هي في نساء النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومن شاء باهلته)).. فالصحيح أنّ هذا الرأي هو لعكرمة مولى ابن عبّاس، كان يجاهر به، وينادي به في الأسواق.
وعكرمة معروف بإنحرافه عن أمير المؤمنين(عليه السلام) وأهل بيته؛ لأنّه كان يرى رأي الخوارج، والنصب ظاهر من كلماته وألفاظه في هذه المسألة، وإلاّ.. فأيّ شيء يستدعي إجراء المباهلة لغرض بيان تفسير آية من آيات القرآن، أنّها نزلت في فلان دون فلان سوى النصب والعداء الذي كانت تجاهر به الخوارج تجاه أمير المؤمنين(عليه السلام) خاصّة، وأهل البيت(عليهم السلام) عامّة، وبالذات رأي نجدة الحروري - الذي كان عكرمة يرى رأيه - الذي يُعدّ أشدّ الآراء بغضاً لعليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، بالإضافة إلى تكفير جميع المسلمين من غير الخوارج. وقد اشتهر عن عكرمة أيضاً كذبه ووضعه للحديث، لذا وصفه يحيى بن سعيد الأنصاري بأنّه: كذّاب (10) ، فمن المعيب، بل من الإجحاف الركون إلى هذا الرأي الصادر عن هذا الكذّاب الناصبي، وترك تلك النصوص الصريحة المستفيضة الصادرة عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في تفسير آية التطهير بالخمسة أصحاب الكساء(عليهم السلام) دون غيرهم..
مع أنّ في قوله - أي عكرمة - دلالة على أنّ المسلمين كافّة كانوا على خلاف في ذلك، ولذلك كان يقول: ((ليس ما تذهبون إليه...)) ثم يطلب المباهلة (11) .
وفي دعوى عود ضمير الجمع (( عَنكُمُ.. يُطَهِّرَكُم )) إلى ما يشمل الذكور - النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) - بالإضافة للزوجات، وأنّه جاء على لسان الخطاب مع زوجة إبراهيم(عليه السلام) في قوله تعالى: (( أَتَعجَبِينَ مِن أَمرِ اللَّهِ رَحمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيكُم أَهلَ البَيتِ )) (هود:73). نقول: إنّ استفهام الملائكة من تعجّب سارة زوجة إبراهيم(عليه السلام) إنّما كان لقرابتها منه(عليه السلام) ولاصطفائها، وهذا المعنى يتطابق مع الواقع الخارجي لسارة - لكونها ابنة عم إبراهيم(عليه السلام) - وأيضاً مع المدلول اللغوي لكلمة (أهل بيت الرجل)، التي نصّ اللغويون على أنّ المراد منها: ذو قرباه ومن يجمعه وإياهم نسب (12) - أي قربى الرجل الذي نسبوا على أنّهم من أهل بيته - ولا شك أنّ الإرتباط مع الرجل بوشيجة النسب أخصّ منه في وشيجة السبب - كالزواج وغيره - ..
على هذا يكون الخطاب في (الآية 73 من سورة هود) شاهداً على أنّ المراد بأهل البيت في (آية التطهير 33 من سورة الأحزاب) هم: المرتبطون بالنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من حيث النسب لا من حيث السبب، كما هو الشأن في سارة زوجة إبراهيم(عليه السلام) المرتبطة بإبراهيم(عليه السلام)، من حيث النسب والسبب معاً لا بالسبب وحده.