السلام عليكم ورحمة الله و بركاته ، مرحبًا بك أيها السائل الكريم ، نشكر تواصلك معنا
جاء في الامثل في تفسير كتاب الله المنزل ،للشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ج: 6 ،ص: 51-54:
شأن نزول الآتين نزلتا في غزوة «تبوك» ، وتبوك منطقة بين المدينة والشام ، وتعدّ الآن من حدود الحجاز ، وكانت آنئذك على مقربة من أرض الروم الشرقية المتسلطة على الشامات . وقد حدثت هذه الواقعة في السنة التاسعة للهجرة ، أي بعد سنة من فتح مكّة تقريبا .
وبما أن المواجهة في هذا الميدان كانت مواجهة لإحدى الدول الكبرى في ذلك العصر ، لا مواجهة لإحدى القبائل العربية ، فقد كان جماعة من المسلمين قلقين مشفقين من المساهمة والحضور في هذه المواجهة ، ولذلك فقد كانت الأرضية مهيأة لوساوس المنافقين وبذر السموم ، فلم يألوا جهدا في إضعاف المعنويات وإحباط المؤمنين أبدا . فقد كان الموسم موسم اقتطاف الثمار وجمع المحاصيل الزراعية ، وكان هذا الموسم للمزارعين يعدّ فصلا مصيريا ، إذ فيه رفاه سنتهم هذا من جهة .
ومن جهة أخرى ، فإنّ بعد المسافة وحرارة الجوّ- كما أشرنا آنفا- كلّ ذلك كان من العوامل المثبطة للمسلمين في حركتهم نحو مواجهة الأعداء .
فنزل الوحي ليشدّ من أزر الناس ، والآيات تترى الواحدة بعد الأخرى لإزالة الموانع والأسباب المثبطة .
ففي الآية الأولى- من الآيتين محل البحث- يدعو القرآن المسلمين الى الجهاد بلسان الترغيب تارة وبالعتاب تارة أخرى وبالتهديد ثالثة فهو يدعوهم ويهيؤهم الى الجهاد ، ويدخل إليهم من كل باب .
إذ تقول الآية : {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ} .
«اثّاقلتم» فعل مشتق من الثقل ، ومعناه واضح إذ هو خلاف «الخفيف» وجملة «اثاقلتم» كناية عن الرغبة في البقاء في الوطن وعدم التحرك نحو سوح الجهاد ، أو الرغبة في عالم المادة واللصوق بزخارفها والانشداد نحو الدنيا ، وعلى كل حال فالآية تخاطب من كان كذلك من المسلمين- ضعاف الإيمان- لا جميعهم ، ولا المسلمين الصادقين وعاشقي الجهاد في سبيل اللّه .
ثمّ تقول الآية مخاطبة إيّاهم بلهجة الملامة : {أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} .
فكيف يتسنى للإنسان العاقل أن يساوم مساومة الخسران ، وكيف يعوّض متاعا غاليا لا يزول بمتاع زائل لا يعد شيئا ؟! ثمّ تتجاوز الآية مرحلة الملامة والعتاب الى لهجة أشدّ وأسلوب تهديديّ جديد ، فتقول : {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً} .
فإذا كنتم تتصورون أنّكم إذا توليتم وأعرضتم عن الذهاب الى سوح الجهاد ، فإنّ عجلة الإسلام ستتوقف وينطفئ نور الإسلام ، فأنتم في غاية الخطأ واللّه غني عنكم {ويَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} قوما أفضل منكم من كل جهة ، لا من حيث الشخصيّة فحسب ، بل من حيث الإيمان والإرادة والشهامة والاستجابة والطاعة {ولا تَضُرُّوهُ شَيْئاً} .
وهذه حقيقة وليست ضربا من الخيال أو أمنية بعيدة المدى ، فاللّه عزيز حكيم {واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
دمتم في رعاية الله