نريد الاستدلا ت القوية التي تبين ان عبس وتولي لم تنزل في الرسول؟
استدلّ المخالف لعصمة النبي الأعظم بالعتاب الوارد في الآيات التالية: (عَبَسَ وَ تَوَلَّي * أَنْ جاءَهُ الْأَعْمي*وَ ما يُدْريكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّي * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْري* أَمَّا مَنِ اسْتَغْني* فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّي * وَ ما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّي * وَ أَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعي * وَ هُوَ يَخْشي * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّي)
روي المفسرون أنّ عبد اللّه بن أمّ مكتوم الأعمي أتي رسول اللّه و هو يناجي عتبة بن ربيعة، و أبا جهل بن هشام، و العباس بن عبد المطلب، و أبيّا و أمية ابني خلف، يدعوهم إلي اللّه و يرجو إسلامهم، فقال عبد اللّه: اقرئني و علّمني ممّا علمك اللّه، فجعل ينادي و يكرّر النداء و لا يدري أنّه مشتغل مقبل علي غيره حتي ظهرت الكراهة في وجه رسول اللّه لقطعه كلامه، و قال في نفسه: يقول هؤلاء الصناديد إنّما أتباعه العميان و السفلة و العبيد، فعبس (ص) و أعرض عنه، و أقبل علي القوم الذين يكلّمهم، فنزلت الآيات، و كان رسول اللّه بعد ذلك يكرمه و إذا رآه يقول: "مرحباً بمن عاتبني فيه ربّي" و يقول: هل لك من حاجة و استخلفه علي المدينة مرتين في غزوتين.
و هناك وجه آخر لسبب النزول روي عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) و حاصله أنّ الآية نزلت في رجل من بني أميّة كان عند النبي (ص) فجاء ابن أمّ مكتوم، فلمّا رآه تقذّر منه، و جمع نفسه و عبس و أعرض بوجهه عنه، فحكي اللّه سبحانه ذلك و أنكره عليه.
و الاعتماد علي الرواية الأولي مشكل، لأنّ ظاهر الآيات عتاب لمن يقدم الأغنياء و المترفين، علي الضعفاء و المساكين من المؤمنين، و يرجح أهل الدنيا و يضع أهل الآخرة، و هذا لا ينطبق علي النبي الأعظم من جهات:
الأولي: انّه سبحانه حسب هذه الرواية وصفه بأنّه يتصدي للأغنياء و يتلهّي عن الفقراء، و ليس هذا ينطبق علي أخلاق النبي الواسعة و تحنّنه علي قومه و تعطّفه عليهم، كيف؟ و قد قال سبحانه: (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَريصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنينَ رَؤُفٌ رَحيم)
الثانية: انّه سبحانه وصف نبيّه في سورة القلم، و هي ثانية السور التي نزلت في مكة (و أولاها سورة العلق) بقوله: (وَ إِنَّكَ لَعَلي خُلُقٍ عَظيمٍ) ، و مع ذلك كيف يصفه بعد زمن قليل بخلافه فأين هذا الخلق العظيم ممّا ورد في هذه السورة من العبوسة و التولّي؟ و هذه السورة حسب ترتيب النزول و ان كانت متأخرة عن سورة القلم، لكنّها متقاربة معها حسب النزول، و لم تكن هناك فاصلة زمنية طويلة الأمد.
الثالثة: انّه سبحانه يأمر نبيه بقوله: (وَ أَنْذِرْ عَشيرَتَكَ الْأَقْرَبين * وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنينَ) ، كما يأمره أيضا بقوله: (وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنين)
(فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكين)
انّ سورتي الشعراء و الحجر، و إن نزلتا بعد سورة (عبس) لكن تضافرت الروايات علي أنّ الآيات المذكورة في السورتين نزلت في بدء الدعوة أي العام الثالث من البعثة عندما أمره سبحانه بالجهر بالدعوة و الإصحار بالحقيقة و علي ذلك فهي متقدمة حسب النزول علي سورة (عبس) .
أ و يصح بعد هذه الخطابات، أن يخالف النبي هذه الخطابات بالتولّي عن المؤمن؟! كلاّ ثم كلاّ.
الرابعة: إن الرواية تشتمل علي ما خطر في نفس النبي عند ورود ابن أمّ مكتوم من أنّه (ص) قال في نفسه: «يقول هؤلاء الصناديد، إنّما أتباعه العميان و السفلة و العبيد، فأعرض عنه و أقبل علي القوم» و عندئذ يُسأل عن كيفية وقوف الراوي علي ما خطر في نفس النبي (ص) فهل أخبر به النبي؟ أو أنّه وقف عليه من طريق آخر؟ و الأوّل بعيد جدا، و الثاني مجهول.
الخامسة: إنّ الرواية تدلّ علي أنّ النبي كان يناجي جماعة من المشركين، و عند ذلك أتي عبد اللّه ابن أمّ مكتوم و قال: يا رسول اللّه اقرئني، فهل كان إسكات ابن أمّ مكتوم متوقفاًً علي العبوسة و التولّي عنه، أو كان أمره بالسكوت و الاستمهال منه حتي يتم كلامه مع القوم، أمراً غير شاق علي النبي، فلماذا ترك هذا الطريق السهل؟
و هذه الوجوه الخمسة و إن أمكن الاعتذار عن بعضها بأنّ العبوسة و التولّي مرّة واحدة لا ينافي ما وصف به النبي في القرآن من الخلق العظيم و غيره، لكن محصل هذه الوجوه يورث الشك في صحة الرواية و يسلب الاعتماد عليها.
هذا كلّه حول الرواية الأولي.
و أمّا الرواية الثانية: فهي لا تنطبق علي ظاهر الآيات، لأنّ محصلها أنّ رجلاً من بني أمية كان عند النبي فجاء ابن أمّ مكتوم، فلمّا رآه ذلك الرجل تقذّر منه و جمع نفسه، و عبس و أعرض بوجهه عنه، فحكي اللّه سبحانه ذلك و أنكره عليه.
و لكن هذا المقدار المنقول في سبب النزول لا يكفي في توضيح الآيات، و لا يرفع ابهامها، لأنّ الظاهر أنّ العابس و المتولّي، هو المخاطب بقول سبحانه: (وَ ما يُدْريكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّي) إلي قوله: (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّي) فلو كان المتعبس و المتولّي هو الفرد الأموي، فيجب أن يكون هو المخاطب بالخطابات الستة لا غيره، مع أنّ الرواية لا تدل علي ذلك، بل غاية ما تدل عليه أنّ فردا من الأمويين عبس و تولّي عندما جاءه الأعمي فقط، و لا تلقي الضوء علي الخطابات الآتية بعد الآيتين الأوليين و إنّها إلي من تهدف، فهل تقصد ذلك الرجل الأموي و هو بعيد، أو النبي الأكرم؟
هذا هو القضاء بين السببين المرويين للنزول، و قد عرفت الأسئلة الموجهة إليهما. و علي فرض صحة الرواية الأولي لابدّ أن يقال:
إنّ الرواية إن دلّت علي شئ فإنما تدلّ علي أنّ النبي (ص) كان موضع عنايته سبحانه و رعايته، فلم يكن مسؤولاً عن أفعاله و حركاته و سكناته فقط، بل كان مسؤولاً حتي عن نظراته و انقباض ملامح وجهه، و انبساطها، فكانت المسؤولية الملقاة علي عاتقه من أشد المسؤوليات، و أثقلها صدق اللّه العلي العظيم حيث يقول: (إِنَّا سَنُلْقي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقيلا) كان النبي (ص) يناجي صناديد قومه و رؤساءهم لينجيهم من الوثنية و يهيدهم إلي عبادة التوحيد، و كان لإسلامهم يوم ذاك تأثير عميق في إيمان غيرهم، إذ الناس علي دين رؤسائهم و أوليائهم، و كان النبي (ص) في هذه الظروف يناجي رؤساء قومه إذ جاء ابن أمّ مكتوم غافلا عمّا عليه النبي (ص) من الأمر المهم، فلم يلتفت إليه النبي، و جري علي ما كان عليه من المذاكرة مع أكابر قومه. و ما سلكه النبي (ص) لم يكن أمرا مذموماً عند العقلاء، و لا خروجاً علي طاعة اللّه و لكن الإسلام دعاه و أرشده إلي خلق مثالي أعلي ممّا سلكه، و هو أنّ التصدي لهداية قوم يتصورون أنفسهم أغنياء عن الهداية، يجب أن لا يكون سبباً للتولّي عمّن يسعي و يخشي، فهداية الرجل الساعي في طريق الحق، الخائف من عذاب اللّه، أولي من التصدي لقوم يتظاهرون بالاستغناء عن الهداية و عمّا أنزل اليك من الوحي، و ما عليك بشيء إذا لم يزكّوا أنفسهم، لأنّ القرآن تذكرة فمن شاء ذكره (فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّر * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) ، فعظم المسؤولية اقتضي أن يعاتب اللّه سبحانه نبيّه لترك ما هو الأولي بحاله حتي يرشده إلي ما يعد من أفاضل و محاسن الأخلاق، و ينبهه علي عظم حال المؤمن المسترشد، و أن تأليف المؤمن ليقيم علي إيمانه، أولي من تأليف المشرك طمعاً في إيمانه و من هذا حاله لا يعد عاصياً لأمر اللّه و مخالفاً لطاعته.
و أمّا الرواية الثانية: فالظاهر أنّ الرواية نقلت غير كاملة، و كان لها ذيل يصحح انطباق الخطابات الواردة في الآيات حقيقة علي الشخص الذي عبس و تولّي، وعلي فرض كونها تامّة فالضمير الغائب في «عبس» و «تولّي» و «جاءه» يرجع إلي ذلك الفرد، و أمّا الخطابات فهي متوجهة إلي النبي (ص) لكن من وجه إليه الخطاب غير من قصد منه، فهو من مقولة: «إياك أعني و اسمعي يا جارة» و مثل هذا يعد من أساليب البلاغة، و فنون الكلام.