ماهي حقيقة عالم الذر و هل هناك ذكر له في القرآن و الروايات و ما حكمه الاعتقادي و الشرعي؟
إن هذه القضية من القضايا التي وقعت مثار بحث و جدل بين المفسرين المسلمين، و قد ذهب كل فريق منهم الي رأي خاص بهذه المسألة حيث ترددت الآراء بين النفي و الاثبات، و لكل من الطرفين ادلتهم، علما ان القضية لم تك من ضروريات الدين حتي يكون انكارها خروجا عن الدين او الكفر او ... المزید
و ممن درس هذه القضية بتفصيل السيد الطباطبائي في تفسير الميزان الجزء الثامن ص 311ـ 323، و كذلك سماحة الشيخ مكارم الشيرازي في [الامثل في تفسير كتاب الله المنزل] الجزء الخامس ص 262ـ 267، حيث قال في تفسير قوله تعالي:
( وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَني آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلي أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلي شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَ كُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُون* وَ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون )[1]
أخذ العهد الأول و عالم الذّر:
الآيات المذكورة آنفا، تشير إلي التوحيد الفطري و وجود الايمان في أعماق روح الإنسان و لذلك فإن هذه الآيات تكمل الأبحاث الواردة في الآيات المتقدمة من هذه السورة في شأن التوحيد الإستدلالي.
و بالرغم من كثرة الأقوال و الكلام بين المفسرين في شأن عالم الذّر، إلا أننا نحاول أن نبيّن التفسير الإجمالي لهذه الآيات الكريمة، ثم نختار الأبحاث الأهمّ في التفسير، و نبيّن وجهة نظرنا بصورة استدلالية موجزة.
يقول اللّه سبحانه مخاطبا نبيّه في هذه الآية ( وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَني آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلي أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلي شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلينَ )
و الذريّة كما يقول أهل اللغة و علماؤها، معناها في الأصل الأبناء الصغار اليافعون، إلا أنها تطلق في الغالب علي عموم الأبناء، و قد تستعمل هذه الكلمة في معني المفرد كما قد تستعمل في معني الجمع، إلا أنها في الأصل تحمل معني الجمع.
و الجذر اللغوي لهذه الكلمة مختلف فيه، إذ احتملوا له أوجها متعددة.
فقال بعضهم: إن جذر هذه الكلمة مأخوذ من «ذرأ» علي زنة «زرع» و معناه الخلق فعلي هذا الوجه يكون معني الذرية مساويا «للمخلوق».
و قال بعضهم: بل الجذر مأخوذ من «ذرّ» علي وزن «شرّ» و يعني الموجودات الصغيرة جدا كذرّات الغبار مثلا و النمل الصغير، و من هنا فإنّ أبناء الإنسان تبدأ حياتهم من نطفة صغيرة جدا «أيضا».
و الإحتمال الثالث في هذا الجذر أنه مأخوذ من مادة «الذرو» علي زنة «المرو» و معناه النثر و التفريق و التنقية [و منه ذرو الحنطة][2] و إنما سمي أبناء الإنسان بالذرية لأنهم يتفرقون في أنحاء الأرض بعد التكاثر.
ثم يشير اللّه سبحانه إلي الهدف النهائي من هذا السؤال و الجواب، و أخذ العهد من ذرية آدم، في مسألة التوحيد، فيقول: ( أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلينَ )).
و في الآية التالية إشارة إلي هدف آخر من أخذ هذا العهد و هو أنه إنما أخذ ربك هذا العهد من ذرية بني آدم لئلا تعتذروا ( َوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَ كُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُون) .
أجل...( وَ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون ).
إيضاح لما ورد «عن عالم الذّر».
كما رأينا في الآيات السابقة أن الكلام يجري علي أخذ العهد من ذرية آدم لكن كيف أُخِذَ هذا العهد؟.
لم يرد في النص إيضاح في شأن «جزئيّاته» إلاّ أن للمفسرين آراء متعددة تعويلا منهم علي الروايات الإسلامية «الورادة عن النبي و أهل بيته» و من أهم هذه الآراء رأيان فحسب:
1ـ حين خلق آدم ظهر أبناؤه «علي صورة الذّر» إلي آخر نسل له من البشر «و طبقا لبعض الروايات ظهر هذا الذرّ أو الذرّات من طينة آدم نفسه» و كان لهذا الذّر عقل و شعور كاف للإستماع و الخطاب و الجواب، فخاطب اللّه سبحانه الذّر قائلا ( الست بربّكم )؟.
فأجاب الذرّ جميعا « بلي شهدنا ».
ثم عاد هذا الذّر «أو هذه الذرات» جميعا إلي صلب آدم «أو إلي طينته» و من هنا فقد سمي هذا العالم بعالم الذّر... و هذا العهد بعهد أ لستُ؟
فبناء علي ذلك فإنّ هذا العهد المشار إليه آنفا هو عهد تشريعي، و قراره هو «الوعي الذاتي» بين اللّه و الناس.
2ـ إن المراد من هذا العالم و هذا العهد هو عالم الإستعداد «و الكفاءات»، و «عهد الفطرة» و التكوين و الخلق.
و هكذا فعند خروج أبناء آدم من أصلاب آبائهم إلي أرحام الأمهات، و هم نطف لا تعدو الذرات الصغار، و هبهم اللّه الإستعداد لتقبل الحقيقة التوحيدية، و أودع ذلك السّرّ الإلهي في ذاتهم و فطرتهم بصورة إحساس داخلي. كما أودعه في عقولهم و أفكارهم بشكل حقيقة واعية بنفسها.
فبناء علي هذا فإن جميع أبناء البشر يحملون روح التوحيد، و ما أخذه اللّه من عهد منهم أو سؤاله إياهم: أ لست بربكم؟ كان بلسان التكوين و الخلق، و ما أجابوه كان باللسان ذاته.
و مثل هذه التعابير غير قليلة في أحاديثنا اليوميّة، إذ نقول مثلا: لون الوجه يخبر عن سره الباطني، أو نقول: إن عيني فلان المجهدتين تنبئان أنه لم ينم الليلة الماضية.
و قد روي عن بعض أدباء العرب و خطبائهم أنه قال في بعض كلامه: سل الأرض من شق أنهارك و غرس أشجارك و أينع ثمارك؟ فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا....
كما ورد في القرآن الكريم التعبير علي لسان الحال، كالآية 11 من سورة فصلت، إذ جاء فيها ( فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعين )..
هذا باختصار هو خلاصة الرأيين أو النظريتين المعروفتين في تفسير الآيات آنفة الذكر...
إلا أن التفسير الأول فيه بعض الإشكالات، و نعرضها في ما يلي:
1ـ ورد التعبير في نصّ الآيات المتقدمة عن خروج الذرّية من بني آدم من ظهورهم، إذ قال تعالي: ( مِنْ بَني آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذريتهم ) مع أن التفسير الأول يتكلم عن آدم نفسه أو عن طينة آدم.
2ـ إذا كان هذا العهد قد أخذ بالوعي الذاتي الكافي و العقل و الشعور، فكيف قد نسيه الجميع؟ . و لا يتذكره أي أحد مع أن الفاصلة الزمانية بين زماننا ليست بأبعد مدي من الفاصلة بين هذا العالم و العالم الآخر «أو القيامة»؟ و نحن نقرأ في آيات عديدة من القرآن أن الناس سواء كانوا من أهل الجنة أو من أهل النار لا ينسون أعمالهم الدنيوية في يوم القيامة، و يتذكرون ما اكتسبوه بصورة جيدة، فلا يمكن أن يوجّه هذا النسيان العمومي في شأن عالم الذر أبدا «و لا مجال لتأويله.».
3ـ أيّ هدف كان من وراء مثل هذا العهد؟. فإذا كان الهدف أن يسير المعاهدون في طريق الحق عند تذكرهم مثل هذا العهد، و ألاّ يسلكوا إلاّ طريق معرفة اللّه، فينبغي القول بأن مثل هذا الهدف لا يتحقق أبدا و بأي وجه كان، لأن الجميع نسوه.
و بدون هذا الهدف يعدّ هذا العهد لغوا و لا فائدة فيه.
4ـ إن الإعتقاد بمثل هذا العالم يسلتزم ـ في الواقع ـ القبول بنوع من التناسخ، لأنه ينبغي ـ طبقا لهذا التفسير ـ أن يقبل بأنّ روح الإنسان قبل ولادته الفعلية كان قد ولد من قبل في هذا العالم، و بعد فترة طويلة أو قصيرة جاء إلي هذا العالم ثانية، و علي هذا فإن كثيرا من الإشكالات في شأن التناسخ ستحوم حوله.
غير أننا إذا أخذنا بالتفسير الثاني، فلا يرد عليه أيّ إشكال مما سبق، لأن السؤال و الجواب ـ أو العهد المذكور ـ عهد فطري، و ما يزال كلّ منا يحس بآثاره في أعماق روحه، و كما يعبر عنه علماء النفس ب «الحس المذهبي» او الشعور الديني الذي هو من الإحساسات الأصلية في العقل الباطني للإنسان. و هذا الإحساس يقود الإنسان علي امتداد التأريخ البشري إلي «طريق» معرفة اللّه، و مع وجود هذا الإحساس أو الفطرة لا يمكن التذرّع بأن آباءنا كانوا عبدة للأصنام و نحن علي آثارهم مقتدون..... ( فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها ).[3]
و الإشكال الوحيد الذي يرد علي التفسير الثاني هو أنّ السؤال و الجواب (فيه) يتخذ شكلا «كنائيّا»..
إلا أنه مع الإلتفات إلي ما بيّناه آنفا بأن مثل هذه التعابير كثير في لغة العرب و جميع اللغات، فلا يبقي أيّ إشكال في هذا المجال.
و يبدو أن هذا التفسير أقرب من سواه.
عالم الذر في الروايات الإسلاميّة
وردت روايات كثيرة في مختلف المصادر الإسلامية من كتب الشيعة و أهل (السنة) حول عالم الذر.. بحيث تتصور لأول و هلة و كأنها رواية متواترة.. فمثلا في تفسير البرهان وردت 37 رواية، و في تفسير نور الثقلين وردت ذيل الآيات الآنفة 30 رواية بعضها مشترك و الآخر مختلف، و بملاحظة الإختلاف فيها فقد يصل مجموع ما ورد من الروايات إلي أربعين رواية.
إلا أننا نجد ـ بعد التدقيق في مضامينها و محتواها و تمحيصها و تقسيمها إلي مجاميع، و فحصها ـ أنه لا يمكن الإستناد إلي كل ذلك علي أنه رواية واحدة معتبرة فكيف يمكن الإعتقاد بتواترها؟.
إن أكثر تلك الروايات منقول عن زرارة، و بعضها عن صالح بن سهل، و بعضها عن أبي بصير، و بعضها عن جابر، و بعضها عن عبداللّه بن سنان، و من ذلك يظهر لنا أنه لو روي شخص واحد روايات كثيرة لكنها متحدة المضمون فهي تعد بحكم الرواية الواحدة، و بناء علي ذلك فسيقل عدد تلك الروايات الكثيرة و تضؤل نسبتها و تبلغ ما بين 10 إلي 20 رواية، هذا من ناحية السند.
أما من ناحية المضمون و الدليل فإن مضامينها تختلف «بعضها عن بعض» فمنها ما يوافق التفسير الأول، و منها ما يوافق التفسير الثاني، و بعضها لا يوافق التفسيرين.
فالروايات المرقمة 3 و 4 و 8 و 11 و 28 و 29 و المروية عن زرارة في تفسير البرهان ـ ذيل الآيات محل البحث ـ تتفق و التفسير الأول،. و ما روي عن عبدالله بن سنان في الروايتين 7 و 12 في تفسير البرهان نفسه، يتفق و التفسير الثاني..
أي أنّ بعض هذه الروايات مبهم، و بعضها يمثّل رموزا و عبارات مجازية، كما في الروايتين 18 و 23 المرويتين عن أبي سعيد الخدري و عبد اللّه الكلبي، الواردتين في التفسير آنف الذكر.
و بعض الروايات يذكر «أرواح بني آدم» كما في الرواية (20) المرويّة عن المفضّل..
ثم إن الروايات ـ المذكورة آنفا ـ بعضها ذو سند معتبر، و بعضها فاقد للسند أو مرسل.
فبناء علي ذلك ـ و بملاحظة التعارض بين الروايات ـ لا يمكننا التعويل عليها علي أنها وثيقة معتبرة.. و كما عبّر أكابر علمائنا في مثل هذه الموارد فإنه ينبغي أن نتجنّب الحكم علي مثل هذه الروايات، و أن نكلها إلي أصحابها و رواتها.
و في هذه الصورة نبقي متمسّكين بالنص القرآني، و كما ذكرنا آنفا فإن التفسير الثاني أكثر انسجاما مع الآيات.
و لو كان أسلوبنا في البحث التفسيري يسمح لنا أن نذكر جميع «مجاميع تلك الروايات» و التحقيق فيها ـ كما أشرنا آنفا ـ لفعلنا ذلك ليكون البحث أكثر وضوحاً.
إلاّ أن الراغبين يمكنهم الرجوع إلي تفسير «نور الثقلين، و تفسير البرهان، و بحار الأنوار» ليبحثوا في مجاميعها و يصنفوها، و ينظروا في أسانيدها و مضامينها.[4]
و اما صاحب تفسير من وحي القرآن فانه بعد ما ذكر تفسير الآية المذكورة قال:هل ثمة عالم آخر اسمه عالم الذر؟
هذا بعض ما نستوحيه من هذه الآيات، و لكن بعض المفسرين فهموا منها معني آخر، فقد قالوا إن هناك عالما آخر تشير إليه، و هو «عالم الذر» الذي تحدثت عنه بعض الروايات، و اعتبرت الآية الأولي دليلا عليه. و قد جاء في هذه الروايات أن اللّه عندما خلق آدم، أخرج من ظهره ذريته كمثل الذر حتي ملأوا الفضاء من حوله، فأخذ اللّه عليهم العهد بالإيمان به، و السير علي هديه، و أشهدهم علي أنفسهم بأنه اللّه الذي لا إله إلا هو، فشهدوا بذلك و أعطوه العهد علي أنفسهم به، ليكون ذلك حجة من اللّه عليهم عندما ينحرفون عن خط الإيمان و الطاعة، فلا يستطيعون بعد ذلك الاحتجاج بالغفلة عن الحق، و بسيطرة عقيدة الآباء عليهم.
و هكذا اعتبرت الآية دليلا علي هذا الموضوع، و لكنّ كثيرا من العلماء أنكروا ذلك، لقصور الأدلّة التي أقامها المثبتون عليه، و لأن الحجة لا تقوم علي الإنسان بما كان قد اعترف به في عالم الذر، لغفلته عن أصل الموضوع و عدم تذكره له من قريب أو بعيد، مهما حاولت الآيات و الأحاديث تذكيرهم به فلا يبقي هناك فرق بين الغفلة الأصلية التي لم يسبق للإنسان فيها المعرفة، أو الغفلة الطارئة التي جاءت بعد المعرفة في عالم آخر لا ربط له بهذا العالم أصلا. ثم إن الآية لا تنهض دليلا علي ذلك، فإن المذكور فيها أنه أخرج من ظهور بني آدم وذرياتهم ، بينما تقول الروايات انه اخرج من ظهر ادم وذريته ، وقد جرت مناقشات كثيرة في هذا الموضوع، من حيث الدفاع عن فكرة «عالم الذرّ» و عن انطباق الآية عليه..و قد ذكرها صاحب تفسير الميزان[5]، فليرجع إليه من أراد، فإننا لا نجد كبير فائدة في الإفاضة في هذا الموضوع.[6]