نرجو من سماحتكم الإجابة عن هذه الشبهة: عندما ربطنا القرآن بالعقل اغنانا عن النبوة؟
ان هذه الدعوي في حقيقتها تعبير آخر عن رفض القرآن الكريم، لاننا في الواقع لا نري النبي (ص) ساعي بريد اوصل الرسالة و عاد من حيث أتي، بل للرسول (ص) مهام اخري منها: تفسير القرآن، بيان مجمله و متشابه، بيان الناسخ من المنسوخ، اضافة الي وجوده كمثل و اسوة ( لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة )[1] ، و هو كما وصفه الله ( هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَة )[2] فالآية تشير الي مجموعة من المهام للرسول (ص) هذا من جهة، و من جهة اخري اننا لو رجعنا الي الانسان لمعرفة قنوات المعرفة عنده لوجدناها تتمثل في الامور التالية:
1ـ الطريق الحسي و التجريبي.
2ـ الطريق العقلي النظري.
3ـ طريق الالهام، و هذا الطريق فوق نطاق الحس و التعقل، و من خلال هذا الطريق يتم معرفة عالم الغيب الذي هو عنصر مهم في حركة الانسان.
ثم كيف يتسني للعقل مثلا ان يعلم تفاصيل الاحكام فعلي سبيل المثال صلاة الصبح كيف يحكم العقل بانها ركعتان و ليس اربع ركعات مثلا، و هكذا ... المزید
و اذا تجاوزنا كل ذلك و رجعنا الي الواقع التاريخي للفرق الاسلامية نجد ان كل فرقة اعتمدت القرآن الكريم في اثبات مذهبها، و كل ذلك حدث بعد غياب شخص الرسول الكريم (ص) و هذا يدل علي ان القرآن الكريم لا يمكن الاستفادة منه عن طريق العقل فقط و ابعاد السنة المطهرة.
و لنضرب بعض الامثلة علي ذلك. فالمجسمة مثلا استفادوا عقيدة التجسيم من فهمهم الخاص لقوله تعالي: ( الرَّحْمنُ عَلَي الْعَرْشِ اسْتَوي ) [3]، و قوله تعالي: ( َ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْديهِم ) [4].
و من نفي التجسيم اعتمد قوله عز شأنه ( ِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّميعُ الْبَصير )[5]
و المجبرة التمسوا القول بالجبر من فهمهم الخاص لقوله تعالي ( َ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّه )[6] ، و ( وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُون )[7]
اما اصحاب نظرية الاختيار المطلق في افعال الانسان فقد اعتمدوا قوله تعالي: ( فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ )[8]
و القائلون برؤية الله عز و جل في الآخرة يعتمدون فهمهم لقول الله عز و جل ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَة* إِلي رَبِّها ناظِرَةٌ )[9]
و غير ذلك من افكار و مبادئ و احكام...
و حيث ان القرآن الكريم بحكم اجماله و شموله للكثير من صيغ الكلام و مصطلحاته و مبانيه يمكن ان تستفيد منه مختلف الاتجاهات و الآراء رغم تناقضها لدعم متبنياتها الفكرية و الفقهية ـ كما اتضح ـ لذا نهي أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) عبد الله بن عباس عن مجادلة الخوارج بالقرآن الكريم بسبب تلك الظاهرة التي تتحكم في الطبيعة القرآنية: " لا تخاصمهم بالقرآن فأن القرآن حمال ذو وجوه "[10]
و في مناسبة اخري اكد الامام علي (ع) علي عدم امكانية اكتفاء الامة ذاتيا بالقرآن الكريم، دون قيم محيط بأسراره و مبانيه: « هذا القرآن انما هو خط مستور بين الدفتين، لا ينطق بلسان، و لابد له من ترجمان »[11].[12]
مضافا الي ان العقل يؤيد النبوة و الكتاب لان للانسان حجتين: حجة من الباطن و هو العقل و حجة ظاهرة و هو النبي و كل منهما يؤيد و يؤكد الآخر.
فاذن عقلانية القرآن لا تنافي كونه نازلاً من الله علي النبي.