تفسير الآية:(( يوم تذهل كل مرضعة…)) و المشاعر الانسانية يوم القيامة…
ما هوتفسيرالأية الكريمة "يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَ تَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها"
ألا توجد رحمة عند الأم؟ وهل تتوقف جميع المشاعر والغرائزالتي كانت في الدنيا لكي تدع ابنها الصغير من غير أن تعرف مصيره؟ بينما الرسول الأكرم ( ص) بالأخرة ينادي: أمتي أمتي . وماهي غرائز الآخرة حيث أن الشعور بالراحه في الجنة والألم في ألنار والعياذ بالله؟ هل هذا يعني أن هناك شعوراً وغرائز...؟
الآية الكريمة تشير إلي معني دقيق و بيان و تصوير قضية حساسة جداً و مهمة للغاية و هي صورة لمشهد يوم القيامة الذي يحتاج كل انسان ان يفكر فيه و يعرفه.
و قد تعرض المفسرون لهذه الآية باهتمام، و من هؤلاء المفسرين صاحب تفسير الامثل حيث قال:
زلزلة يوم البعث العظيمة:
تبدأ هذه السورة بآيتين تشيران إلي يوم البعث و مقدماته، و هما آيتان تبعدان الإنسان ـ دون إرادته ـ عن هذه الحياة المادية العابرة، ليفكر بالمستقبل المرعب الذي ينتظره.
المستقبل إن فكرت فيه اليوم فإنه زاهر ذو بهجة و رحمة، و لكنه مخيف حقاً إن لم تعد العدة له، و الآية المباركة الاولي هي: (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظيم) [1] خطاب للناس جميعا بلا استثناء، فقوله تعالي: (يا أَيُّهَا النَّاسُ) دليل واضح علي عدم التفريق بينهم من ناحية العنصر، و اللغة، و الزمان، و الأماكن الجغرافية، و الطوائف و القبائل، فهو موجه للجميع: المؤمن، و الكافر، و الكبير و الصغير، و الشيخ و الشاب، و الرجل و المرأة، علي امتداد العصور.
و عبارة ( اتَّقُوا رَبَّكُمْ ) خلاصة لجميع برامج السعادة، فهي تبين التوحيد في «ربكم» و التقوي، و بهذا جمعت البرامج الإعتقادية و العملية.
و جملة ( إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظيم ) التي جاءت في عدد من الآيات القرآنية، تكرر هنا الحديث عنها بشكل مختصر، هو أن البعث يحدث ثورةً و تبدلاً حاداً في عالم الوجود، الجبال تقتلع من مكانها، و البحار يصب بعضها في بعض و تنطبق السماء علي الأرض، ثم يبدأ عالم جديد و حياة جديدة، و يسيطر ذعر شديد علي الناس يفقدهم صوابهم.ثم بينت هذه الآية في عدة جمل انعكاس هذا الذعر الشديد، فقالت: (يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَ تَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها) و ثالث انعكاس لهذا الذعر الشديد: (تَرَي النَّاسَ سُكاري وَ ما هُمْ بِسُكاري وَ لكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَديدٌ ) هذا العذاب الذي أرعب الناس و أفقدهم صوابهم.
ثم ذكر الشيخ مكارم الشيرازي في تفسيره، بعض المسائل المتعلقة بالآية، و التي يمكن ان تكون جواباً عن ذلك السؤال:
1ـ تحدث هذه الظواهر بشكل يسير في الزلازل الدنيوية و الأحداث المرعبة، حيث تنسي الأمهات اطفالهن و تسقط الحوامل حملهن و تري آخرين كالسكاري قد فقدوا صوابهم، إلا أن هذا لا يتخذ طابعا عاماً.
أما زلزال البعث فإنه يصيب الناس جميعاً دون استثناء.
2ـ يمكن أن تكون هذه الآيات إشارة إلي خاتمة العالم التي تعتبر مقدمة للبعث، و في هذه الحالة ستأخذ عبارة «كل ذات حمل ... المزید و تذهل كل مرضعة» مفهومها الحقيقي، إلا أنه يحتمل أنها تشير إلي زلزال يوم البعث، بدلالة قوله سبحانه (وَ لكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَديدٌ ) و العبارات السابقة تكون كأمثلة. أي إن الموقف مرعب لدرجة تضع كل ذات حمل حملها، و تغفل الأمهات عن أطفالهن تماما إن شهدن هذا الموقف.
3ـ نعلم أن كلمة «المرضع» تطلق في اللغة العربية علي المرأة التي ترضع ولدها[2]، إلا أن مجموعة من المفسرين و بعض اللغويين يقولون: إن هذه الكلمة تستخدم بصيغة مؤنثة «مرضعة» لتشير إلي لحظة الإرضاع، أي يطلق علي المرأة التي يمكنها إرضاع طفلها، كلمة المرضع، و كلمة المرضعة خاصة بالمرأة التي هي في حالة إرضاع طفلها.[3]
و لهذا التعبير في الآية أهمية خاصة، فشدة زلزال البعث، و رعبه بدرجة كبيرة، يدفعان المرضعة إلي سحب ثديها من فم رضيعها و نسيانه دون وعي منها.
4ـ إن عبارة ( تَرَي النَّاسَ سُكاري ) إشارة إلي أن النبي صلي الله عليه و آله و سلم هو المخاطب فيها فيقول له: ستري الناس هكذا، أما أنت فلست مثلهم، و يحتمل أنه يقصد فيه المؤمنون الراسخون في الإيمان الذين ساروا علي خطي النبي صلي الله عليه و آله و سلم بأنهم في أمان من هذا الخوف الشديد.
5ـ نقل كثير من المفسرين و رواة الحديث في خاتمة هذه الآيات حديثا عن الرسول صلي الله عليه و آله و سلم لابد من ذكره، فقد نزلت آيتا بداية السورة ليلا في غزوة بني المصطلق [4] ـ و هم حي من خزاعة ـ و الناس يسيرون، فنادي رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم فحثوا المطي حتي كانوا حوله صلي الله عليه و آله و سلم فقرأها عليهم، فلم ير أكثر باكيا من تلك الليلة، فلما أصبحوا لم يحطوا السرج عن الدواب و لم يضربوا الخيام، و الناس بين باك حزين أو جالس يتفكر، فقال رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم: «أتدرون أي يوم ذاك؟» قالوا: الله و رسوله أعلم، قال: «ذاك يوم يدخل الناس من كل ألف تسعمائة و تسعة و تسعون إلي النار، و واحد إلي الجنة»! فكبر ذلك علي المسلمين و بكوا بشدة! و قالوا : فمن ينجو يا رسول الله؟ فأجابهم بأن المذنبين الذين يشكلون الأكثرية هم غيركم، ثم قال : «إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة» فكبروا، ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» فكبروا، ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة، و إن أهل الجنة مائة و عشرون صفا، ثمانون منها أمتي» [5] ـ [6]
و اما صاحب تفسير من وحي القرآن فقد قال:
قوله تعالي: « إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظيمٌ » ففي ذلك اليوم زلزال عنيف تهز مشاهد الهول و الرعب و العذاب فيه النفوس، مما يجعلها تفقد ثبات مواقفها علي الأرض التي فقدت صلابتها أمام اهتزاز الفكر و الروح و الشعور، مما يجعل الموقف مشابها للزلزال الذي تتساقط فيه السقوف و الجدران و الصخور و تخسف به الأرض، بكل ما يوحيه ذلك من خوف و رعب و ذعر يتجاوز في أهواله كل حد.
« يوم ترونها » في نتائجها الفظيعة التي تقتلع الإنسان من أعمق مشاعره، و أدق مناطق الإحساس لديه ،حيث (تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَت) عندما تكون في جو تنساب فيه مشاعر الأمومة في داخلها و تعيش فيه الاندماج الروحي مع دفقات الحليب الطاهر من ثديها في الفم الصغير الذي يمثل ابتهال الطفولة الجائعة إلي الأمومة الحانية، طلبا للحب و العطف و الحنان و الغذاء و الشراب إذ أن الأم هي سر الحياة منذ انطلاقتها في رحلة النمو حتي تكاملها في مرحلة الوجود و لكن علي الرغم مما تشعر به الأم في موقف الرضاع من تفاعل بين روحها و نداء رضيعها بحيث تحس بأن روحها تتحرك في أحضانها، فلا تغفل عن إبتسامته عندما يبتسم، و عن دمعته عندما يبكي، و ما يصنعه ذلك الإحساس من تحول في قطرات الحليب ـ من حيث تدري أو لا تدري إلي قطرات حب و حنان إلا أنها يوم القيامة أمام الرعب و الخوف تذهل عنه و عن كل ما حولها و تستغرق في التفكير بمصيرها، فهي تعجز في لحظات الحيرة و الذهول عن التفكير إلا بنفسها، لأن حدة المعاناة لا تترك لها أي مجال للالتفات إلي أي شخص آخر.
(وَ تَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها) و تسقط الحامل ولدها من بطنها من شدة الذهول، و تطرح كل ذات حمل ما يثقلها مما تحمله، مهما كان عزيزاً عليها، لأنها لا تعي كل ما حولها، و لا تملك المقدرة علي الاهتمام بأي شيء سوي نفسها التي تخاف عليها السقوط تحت مؤثرات الرعب القاتل.
(وَ تَرَي النَّاسَ سُكاري) لا يعقلون أي شيء تماما كما لو كانت عقولهم قد خولطت بالخمر. (وَ ما هُمْ بِسُكاري) فلم يذوقوا قطرة منها، و لكنهم خاضعون لسكرة الذهول التي أطبقت علي أفكارهم و مشاعرهم و مكامن الرؤية فيهم.
(وَ لكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَديد) في ما يشاهدون و يتصورون و يتخيلون من هذه الأهوال العظام، فيشتد الإحساس في داخلهم بالهول، حتي ينفصلوا عن العالم كله و عن كل ما فيه من مخلوقات و أحداث.
هل فكرتم كيف تواجهون هذا الجو و هذا المصير، و كيف تتخففون من أثقاله؟
إن الله لا يريد لكم أن تسقطوا أمام الخوف و الهول، و أن تتجمدوا عنده و تواجهوا الموقف بطريقة لا واعية، و أن يأتي الإيمان ردّ فعل علي الخوف، بل يريد أن يكون الخوف أساساً حافزاً للاهتمام الجدي كمقدمة للتفكير و التأمل، وصولا إلي الإيمان و التقوي الشاملة في خط الله.[7]
هذه الآية تدل علي الهول و الاضطراب حين قيام الساعة و لكن في الجنة لا يكون أي خوف و اضطراب كما ان في النار لا تكون أي راحة.
و هذا معناه ان الانسان بعواطفه و احساساته و غرائزه موجود في القيامة و الجنة و النار بل يري حقائق الاشياء.
ثم ان الفرق بين النبي صلي الله عليه و آله و سلم و سائر أفراد البشر، انه صلي الله عليه وآله وسلم يهتم انذاك بأمر أمته، بينما لا يهتمون هم الا بانفسهم.