logo-img
السیاسات و الشروط
منذ 4 سنوات

وصف المعصومين (عليهم السلام ( بأنّهم علّة فاعلية ومادية وصورية وغائية للخلق

هل يصح وصف المعصومين (عليهم السلام( بأنّهم علّة فاعلية ومادية وصورية وغائية للخلق، وما حكم من اعتقد بذلك؟ و هل الله تعالي علة هذا الكون؟


من تقسيمات العلة تقسيمها الي: علة فاعلية، و غائيّة، و علة مادية، و صورية. أما كونهم عليهم السلام علة مادية أو صورية فهذا واضح البطلان و لا يحتاج الي كلام و لم يقل به أحد حتي الغلاة و المفوضة. أما العلتان الأخريان فقد تلحظ من أقوال المفوضة في بعض أوجه التفويض و كذلك من بعض أقوال الغلاة فللتفويض معان متعددة أو له تفسيرات متعددة. الاول ـ تفويض خلقة العالم الي النبي (ص) و الائمة (ع) و أنهم هم الخالقون و الرازقون و المدبرون للعالم، و هذا واضح البطلان. ولشيخنا العلامة المجلسي كلام في التفويض جاء فيه: و أما التفويض فيطلق علي معان بعضها منفي عنهم عليهم السلام و بعضها مثبت لهم. الاول: التفويض في الخلق و التربية و الاماتة و الاحياء، فان قوماً قالوا: إن الله تعالي خلقهم و فوض إليهم أمر الخلق، فهم يخلقون و يرزقون و يميتون و يحيون. و هذا الكلام يحتمل وجهين: أحدهما أن يقال: إنهم يفعلون جميع ذلك بقدرتهم و إرادتهم و هم الفاعلون حقيقة، و هذا كفر صريح دلت علي استحالته الادلة العقلية و النقلية و لا يستريب عاقل في كفر من قال به. و ثانيهما: أن الله تعالي يفعل ذلك مقارناً لإرادتهم كشق القمر و احياء الموتي، و قلب العصا حيّة و غير ذلك من المعجزات، فإن جميع ذلك إنما يحصل بقدرته تعالي مقارناً لإرادتهم لظهور صدقهم، فلا يأبي العقل عن ان يكون الله تعالي خلقهم و أكملهم و ألهمهم ما يصلح في نظام العالم ثم خلق كل شي‏ء مقارناً لارادتهم و مشيئتهم. و هذا و إن كان العقل لا يعارضه كفاحاً، لكن الاخبار السالفة تمنع من القول به فيما عدا المعجزات ظاهراً بل صراحاً. مع أن القول به قول بما لا يعلم، إذ لم يرد ذلك في الاخبار المعتبرة فيما نعلم. و ما ورد من الاخبار الدالة علي ذلك كخطبة البيان و أمثالها، فلم يوجد إلا في كتب الغلاة و أشباههم.‏[1] الثاني: ـ تفويض الحلال و الحرام إليهم، أي فوض إليهم أن يحللوا ما شاؤوا و يحرموا أيضاً ما شاؤوا، و هذا أيضاً ضروري البطلان فان النبي (ص) ليس شارعاً للاحكام بل مبين و ناقل لها. الثالث: تفويض بيان العلوم و الاحكام، و هذا مما لا شك و لا شبهة فيه « وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِم‏» .[2] الرابع: تفويض سياسة الناس و تأديبهم إليهم، فهم أولو الامر ساسة العباد « وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّه‏» [3]. فإذن التفويض بمعني أنهم العلة الفاعلية واضح البطلان و يحكم من يقول به بالغلو و الشرك . أما من زعم أن النبي (ص) و الائمة (ع) من جملة الاسباب لخلق العالم و تدبيره و أن الفاعل الحقيقي و السبب الواقعي، هو الله سبحانه، و هو لم يعتزل بعد، و إنما جعلهم في مرتبة الاسباب و العلل، فهذا القول و إن كان لا يوجب الشرك، لكنه غير صحيح، فإن النبي (ص) و الائمة (ع) ليسوا من أسباب الخلقة، بل هم يستفيدون من تلك الاسباب المادية، فكيف يكونون في مرتبة العلل و الاسباب، فالنبي (ص) و الامام (ع) يستنشقان الهواء، و يسدان جوعهما بالطعام، و يداويان بالادوية الي غير ذلك من الامور التي يتصف بها كل إنسان. نعم ان للعالم الامكاني ظاهره و باطنه دنياه و أخراه مدبراً و مدبرات يدبرون الكون بأمره سبحانه كما ينبي‏ء عنه قوله تعالي « فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً » [4]. و قال سبحانه « لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُون‏» [5]. و قال الامام الصادق (ع) «أبي الله أن يجري الاشياء إلا بأسباب فجعل لكل شي‏ء سبباً، و جعل لكل سبب شرحا، و جعل لكل شرح علماً، و جعل لكل علم باباً ناطقاً، عرفه من عرفه و جهله من جهله، ذاك رسول الله (ص) و نحن» [6] و أورد الشيخ السبحاني إشكالات علي ذلك و أجاب عنها: فقال: إن قلت: قد تواترت الروايات بأنه لولا الحجة لساخت الأرض بأهلها، و قد عقد الكليني في كتاب الحجة باباً لذلك و قال إن الارض لا تخلو من حجة و أورد فيه روايات كثيرة تبلغ ثلاثة عشر رواية. قلت: لا إشكال في صحة هذه الروايات، و لكنها لا تهدف إلي كون النبي (ص) و الامام (ع) من الاسباب و المدبرات التي نزل به الذكر الحكيم، و نطق به الحديث الصحيح و إنما تهدف إلي احد أمرين. الاول أن النبي (ص) و الامام (ع) غاية لخلق العالم، و لولا تلك الغاية لما خلق الله العالم، بل كان خلقه آمراً لغواً. وبعبارة اخري:ان العالم خلق لتكوّن الانسان الكامل فيه، و من اوضح مصاديقه هو النبي و الامام (ع)، و من المعلوم أن فقدان الغاية يوجب فقدان ذيها. و لأجل ذلك يصح أن يقال: ان الانسان الكامل يكون بسببه الوجودي سببية غائية، لا منه الوجود أي سببية فاعلية معطية له، فهو سبب غائي لا علة فاعلية. الثاني: أن الحجة يعرف الحلال و الحرام و يدعو الناس الي سبيل الله، و أنه لولاه لما عرف الحق من الباطل، و قد جرت مشيئته الحكيمة علي ان يهديهم الي سبيل الرشاد بعد خلقهم و لا يتركهم سدي، قال سبحانه « وَ ما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُري‏ حَتَّي يَبْعَثَ في‏ أُمِّها رَسُولاً » [7] و إلي كلا الوجهين تصريحات روايات الباب‏[8]. بعد قراءتك هذه النكات أصبح الامر لديك واضحا: إن الله علة العلل. فأن لكل معلول علة، و لكل علة علة فتنتهي سلسلة العلل إلي علة واجبة الوجود لذاتها و هو العلي القدير علة العلل و اليه تنتهي كل الاسباب و العلل. و علينا أن نعترف بأن العالم بما فيه من العلل و المعاليل و الاسباب و المسببات ما هو الا فعل الله سبحانه و ان الآثار صادرة عن مؤثراتها بارادته و مشيئته، فكما أن الموجودات غير مستقلة في ذواتها بل هي قائمة به سبحانه فكذا غير مستقلة في تأثيرها و عليتها و سببيتها. فكما أن الله سبحانه و تعالي لا شريك له في ذاته كذلك لا شريك له في فاعليته و سببيته، و أن كل سبب و فاعل ـ بذاتهما و حقيقتهما و فاعليتهما ـ قائم به سبحانه و أنه لا حول و لا قوة إلا به. الجدير بالذكر : ان هناك طائفة من العلماء يذهبون الي القول بانهم عليهم السلام في سلسلة العلل الفاعلية و لكن لا بابدانهم بل بوجودهم النوري ، لمزيد الاطلاع انظر كتاب لولا فاطمة لآية الله الشيخ محمد علي كرامي.