هناك تفاوت في مستويات الائمة عليهم السلام ،فما هو سبب هذا التفاوت بين المعصومين؟
قبل ان نبدأ بطرح مسألة التفضيل نشير الي نقطة مهمة وهي:
ان الائمة عليهم السلام انطلاقا من المسؤولية الملقاة علي عاتقهم من حفظ الرسالة وديمومة الحركة بحاجة الي لطف الهي يفاض عليهم من قبل الله تعالي ليتسني لهم القيام بالمهمة علي اكمل وجه، وهذا اللطف يتمثل بالعصمة، فهم عليهم السلام معصومون، وهذه الصفة تنطبق علي الجميع بما فيهم الزهراء عليها السلام فالكل معصومون بالحد الاعلي، ولكن هذا لاينافي ان تكون مراتب الفضل متفاوته، ولقد اشار القرﺁن الكريم الي هذا المعني حينما تحث عن الرسل عليهم السلام ففي الوقت الذي يتصف فيه الرسل بالعصمة نجد القرﺁن يؤكد التفاضل بينهم ، قال تعالي:
{ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَي بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَءَاتَيْنَا عِيسَي ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَـكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ }.[1]
وقد تعرض السيد الطباطبائي وغيره من المفسرين لهذه الآية الكريمة حيث قال (قدس):
قوله تعالي: تلك الرسل فضلنا بعضهم علي بعض، إشارة إلي فخامة أمر الرسل و علو مقامهم و لذلك جيء في الإشارة بكلمة تلك الدالة علي الإشارة إلي بعيد، و فيه دلالة علي التفضيل الإلهي الواقع بين الأنبياء (عليهم السلام) ففيهم من هو أفضل و فيهم من هو مفضل عليه، و للجميع فضل فإن الرسالة في نفسها فضيلة و هي مشتركة بين الجميع، ففيما بين الرسل أيضا اختلاف في المقامات و تفاوت في الدرجات كما أن بين الذين بعدهم اختلافا علي ما يدل عليه ذيل الآية إلا أن بين الاختلافين فرقا، فإن الاختلاف بين الأنبياء اختلاف في المقامات و تفاضل في الدرجات مع اتحادهم في أصل الفضل و هو الرسالة، و اجتماعهم في مجمع الكمال و هو التوحيد، و هذا بخلاف الاختلاف الموجود بين أمم الأنبياء بعدهم فإنه اختلاف بالإيمان و الكفر، و النفي و الإثبات، و من المعلوم أن لا جامع في هذا النحو من الاختلاف، و لذلك فرق تعالي بينهما من حيث التعبير فسمي ما للأنبياء تفضيلا و نسبه إلي نفسه، و سمي ما عند الناس بالاختلاف و نسبه إلي أنفسهم، فقال في مورد الرسل فضلنا، و في مورد أممهم اختلفوا.[2]
وقال صاحب من وحي القرآن:
أما التفضيل، فقد يخطر في البال، أن المراد به تفضيل القيمة، لما توحي به الكلمة من الأفضليّة، ولكن التدبّر في الآية يوحي أنه بمعني الميزة والخصوصية التي يمنحها الله لبعض الناس دون بعض لحكمةٍ يراها، من دون أن تعني امتيازاً ذاتياً. وهذا ما نستوحيه من الآيات التي تحدثت عن تفضيل بني إسرائيل علي العالمين، حيث إن البارز فيها هو تفضيل النعمة لا تفضيل القيمة، ولهذا لم يمنع ذلك من ذمّهم ولعنهم في آياتٍ كثيرة من القرآن، وربما يؤكد ذلك، أن الله عندما فصَّل التفضيل، جعل منه تكليم الله لبعضهم، وجعل منه رفعه لبعضهم درجات، الأمر الذي نستوحي منه، أن التفضيل قد يأتي بمعني لا يفرض ارتفاع المنزلة. وبهذا نرُدّ علي من تساءل أن فقرة { وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ } بمثابة تكرير لما تفيده كلمة التفضيل. فإن المعني الذي أشرنا إليه يبتعد بالآية عن ذلك كما هو واضح.
ولكن ذلك لا ينفي انطلاق القيمة في التفضيل من تفاضل العناصر الذاتية الموجودة في كل واحد منهم، كما قد تكون من الألطاف الإلهية التي اختص بها الله بعضهم ببعض الامتيازات والمهمات، انطلاقاً من الظروف الموضوعية المحيطة بالمرحلة الزمنية، والتحديات المتنوعة، والأوضاع الاجتماعية أو بعض القضايا الخفية التي اختص الله بعلمها، ما يفرض الحاجة إلي معجزةٍ معينة في مجتمع ما، ومعجزةٍ أخري في مواجهة هذا التحدي، وصفات مميزة في هذا النبي أو ذاك تبعاً للدور الذي أوكل إليه أو المهمة التي كلف بها.
وقد يطرح سؤال: كيف نوفق بين تفضيل بعض الرسل علي بعض ورفع بعضهم درجات، وبين قوله تعالي: { لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ }[3] التي قد يستوحي منها البعض المساواة؟
والجواب عن ذلك: أن تلك الآية واردة في مسألة الإيمان بالرسل وأن الله يريد للمؤمنين أن يؤمنوا بجميع الرسل، فلا يؤمن أحدهم برسول لينكر الرسول الآخر، كما يحدث لدي اليهود الذين أنكروا رسالة عيسي(ع) والنصاري الذي أنكروا رسالة محمد(ص)، وليست واردة في الحديث عن الخصائص النبوية في مسألة التفاصيل في المساواة أو الفضل.[4]
وهذا الكلام يمكن اسراؤه علي أهل البيت عليهم السلام ، فالاتحاد في العصمة والامامة والاختلاف في الفضل، ويمكن معرفة ذلك بصورة جيدة اذا رجعنا الي كتاب السيد الشهيد الصدر "[5]
ثم اننا اذا رجعنا الي الروايات لانعدم الاشارة الي ذلك التفاضل، ومن هذه الروايات:
1- قال رسول الله صلي الله عليه واله وسلم: " من اراد ان ينظر الي آدم في علمه والي نوح في عزمه والي ابراهيم في حلمه والي موسي في هيبته والي عيسي في زهده ، فلينظر الي علي بن ابي طالب " [6].وهذا الحديث باطلاقه يثبت اختصاص الامير عليه السلام بهذه الصفات بالحد الاقصي منها.
2- وعن ابن عباس انه قال: ان رسول الله (ص) قال:" ما انزل الله اية فيها ( ياايها الذين امنوا ) الا وعلي رأسها واميرها ).[7]
3- روي في البحار ج41 ص 149 الباب 107 الحديث التالي :" قيل لعلي بن الحسين عليه السلام وقد بلغ الغاية في العبادة : اين عبادتك من عبادة جدك ؟ قال : عبادتي عند عبادة جدي كعبادة جدي عند عبادة رسول الله صلي الله عليه واله وسلم ". [8]
4- وعن ابن عباس قال : قال رسول الله (ص):" علي بن ابي طالب عليه السلام افضل خلق الله غيري والحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة وابوهما خير منهما ، وان فاطمة سيدة نساء العالمين ، وان عليا ختني ولو وجدت لفاطمة خيرا من علي لم ازوجها منه " [9]
وهذان الحديثان وغيرهما صريحان في المفاضلة بين الرسول وبين الامام علي من جهة، وبين الامام علي وسائر الائمة من جهة اخري.
وهذا لاينافي علو مقامهم ومنزلتهم فكلهم نور الله في ارضه وسمائه، الا ان بعضهم تتجلي فيه الاسماء الالهية بصورة اكثر فعلي سبيل المثال كلهم تجلي للعلم الالهي ولكن قد تجلي ذلك في الباقروالصادق عليهما السلام وكلهم تضحية ولكن تجلي ذلك في الامام الحسين وكلهم عدل ولكن يتجلي ذلك في الامام المهدي عجل الله فرجه وكلهم كاظم للغيض ولكن تجلي ذلك في الامام موسي الكاظم عليه السالم، وهذا ما يظهر بجلاء من خلال الحديث الثالث.
ومن هذا الكلام يظهر بجلاء مقام الزهراء ومنزلتها عليها السلام فانها في قمة الهرم الي جنب بعلها اميرالمؤمنين عليه السلام، ونختم هذا الجواب بالتبرك بالحديث التالي : عن ابي عبد الله عليه السلام انه قال:" ليس شيء يخرج من عند الله عزوجل حتي يبدا برسول الله (ص) ثم بامير المؤمنين عليه السلام، ثم واحدا بعد واحد لكي لايكون اخرنا اعلم من اولنا " [10]