اذا كان عبد المطلب مؤمنا فلماذا نذر ما يؤدي الي التصرف في حياة شخص آخر و هو محرم شرعا ثم يقوم باللجوء الي الكهنة والاقتراع بالاسهم؟
ان دراسة حياة الشخصيات من ايّ جهة كان لابدّ ان يتوقف علي دراسة تلك الشخصية دراسة موضوعية من خلال (اقوالهم ـ افعالهم ـ حكم التاريخ عليهم ـ اقوال اعدائهم و غير ذلك من الامور) و هكذا الحديث عن آباء النبي (ص).
لا شك أنّ ما ذكرتموه في السؤال يثير الاستغراب ولذلك لابد من النظر الي القضية بصورة موضوعية، من هنا نقول: اذا قيس هذا الفعل -علي فرض صحة- حدوثه بباقي المواقف فانه ينهدم هذا الايحاء و يفني امام الحقائق التاريخية، فعلي سبيل المثال: لو نظرنا الي عبدالمطلب لنري مواقفه و عمق ايمانه من خلال سيرته التي ذكرها التاريخ أنّه عندما قصد «أبرهة» هدم الكعبة في جيش الفيل، نزل في جوف الليل الي الكعبة و أخذ بحلقة بابها يدعو اللّه و يقول مناجيا اللّه سبحانه:
« اللهم أنيس المستوحشين، و لا وحشة معك فالبيت بيتك، والحرم حرمك والدار دارك، ونحن جيرانك، انك تمنع عنه ما تشاء، و ربّ الدار أولي بالدار » ثم أنشأ يقول:
يا ربّ لا أرجو لهم سِواكا**** يا ربّ فامنع منهمو حِماكا
إن عدوّ البيت من عاداكا**** إمنعهم إن يخربوا فِناكا
و هذا يكشف بوضوح عن ايمان عبد المطلب باللّه تعالي، و توكله عليه سبحانه، و انه كان الرجل الموحد الذي لا يلتجي في المصائب و المكاره إلي غير كهف الله، و لا يعرف الاّ باب اللّه ،علي عكس ما كانت الوثنية عليه فان قومه كانوا يستغيثون بالاصنام المنصوبة حول الكعبة.
و ممّا يدل علي ايمانه ايضا توسله لكشف غمته باللّه سبحانه فقد تتابعت علي قريش سنون جدب ذهبت بالأموال، و اشرفت الانفس و اجتمعت قريش لعبد المطلب، و علوا جبل ابي قبيس و معهم النبي (ص) محمّد و هو غلام فتقدم عبدالمطلب و قال: لاهم (اي اللهم) هؤلاء عبيدك و اماؤك و بنو امائك و قد نزل بنا ماتري، و تتابعت علينا هذه السنون فذهبت بالظلف و الخف و الحافر، فاشرفت علي الانفس فأذهب عنا الجدب، و ائتنا بالحياء و الخصب فما برحوا حتي سالت الأودية، و في هذه الحالة تقول رقيقة:
بشيبة الحمد اسقي الله بلدتنا***و قد عدمنا الحيا و اجلوّد المطر
الي أن تقول:
مبارك الأم يستسقي الغمام به***ما في الانام له عدل و لا خطر
و الي هذه الواقعة يشير ابو طالب في قصيدة أولها:
ابونا شفيع الناس حين سقوا به*** من الغيث رجاس العشير بكور
و نحن ـ سنين المحل ـ قام شفيعنا***بمكة يدعو و المياه تغور[1]
و كان يقول في وصاياه: « انه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتي ينتقم اللّه منه و تصيبه عقوبة » الي أن هلك رجل ظلوم حتف انفه لم تصبه عقوبة، فقيل لعبد المطب في ذلك، ففكر وقال: ان وراء هذه الدار دارا يجزي فيها المحسن باحسانه و يعاقب فيها المسيء باساءته. [2]
ان توسل عبدالمطلب باللّه سبحانه و توليه عن الاصنام و الاوثان، و التجاءه إلي رب الارباب آية توحيده الخالص، و ايمانه باللّه و عرفانه بالرسالة الخاتمة و قداسة صاحبها، فلو لم يكن له الاّ هذه الوقائع لكفت في البرهنة علي ايمانه باللّه، و توحيده له.
و قد اعترف المؤرخون لعبد المطلب بهذا فقد قال اليعقوبي: «و رفض عبدالمطلب عبادة الاوثان، و الاصنام، و وحد الله عز و جل و وفي بالنذر، و سنّ سننا نزل القرآن باكثرها، و جاءت السنة الشريفة من رسول اللّه (ص) بها، و هي الوفاء بالنذر، و مائة من الابل في الدية، و ان لا تنكح ذات محرم، و لا تؤتي البيوت من ظهورها و قطع يد السارق، و النهي عن قتل الموؤدة، و تحريم الخمر، و تحريم الزنا، و الحدّ عليه، و القرعة، و ان لا يطوف احد بالبيت عريانا و اضافة الضيف و ان لا ينفقوا اذا حجوا الاّ من طيب اموالهم، و تعظيم الاشهر الحرم، و نفي ذوات الرايات.[3]
و كان عبدالمطلب لا يأكل طعاما الاّ يقول عليّ بابني (احضروه) و يجلسه بجنبه و ربما اقعده علي فخذه، و يؤثره بأطيب طعامه.
ثم انه لما بلغ أجله اوصي إلي ابي طالب برسول اللّه و قال له: قد خلّفت في ايديكم الشرف العظيم الذي تطؤون، به رقاب الناس و قال له ايضا:
أوصيك يا عبد مناف بعدي***بمفرد بعد ابيه فرد
فارقه و هو ضجيع المهد*** فكنت كالام له في الوجد
تدنيه من أحشائها و الكبد***فانت من أرجي بني بعدي
لدفع ضميم أو لشدّ عقد.[4]
هذا هو عبدالمطلب، و تعوذه ببيت الله الحرام، و مواقفه بين قومه، و كلماته في المبدأ و المعاد و عطفه و حنانه علي رسول الإسلام، و اهتمامه برسالة خاتم النبيين، و هي بمجموعها من اقوي الشواهد علي توحيده و ايمانه بالله، و اعترافه برسالة الرسول الكريم.
و اما ما يتعلق بالنذر فنقول: رغم ان العرب الجاهليين كانوا غارقين في الفساد الأخلاقي فانهم كانوا يتحلون ببعض الصفات الحسنة، و الخصال المحبّبة، و للمثال كان نقض العهود من أقبح الافعال في نظرهم، فاذا عقدوا عهودا مع القبائل العربية أوثقوها بالأيمان، المغلظة المؤكدة، و التزموا بها إلي الاخير، و ربما نذروا النذور الثقيلة و اجتهدوا في اداءها مهما كلف من مشقة و ثمن.
و لقد أحسّ «عبد المطلب» عند حفر بئر زمزم بالضعف في قريش لقلة اولاده، و لهذا نذر اذا رزقه الله تعالي عشرة بنين أن يقدم أحدهم قربانا للكعبة و لم يطلع احدا علي نذره هذا.
و لم يمض زمان الاّ و بلغ عدد ابنائه عشرة، و بذلك حان أوان و فائه بنذره الذي نذر، و هو ان يذبح احدهم قربانا للكعبة.
و لا شك ان تصور مسألة كهذه فضلا عن تنفيذه كان امرا في غاية الصعوبة علي عبدالمطلب و لكنه كان في نفس الوقت يخشي ان يعجز عن تحقيق هذا الامر فيكون من الناقضين للعهد، التاركين لاداء النذر، و من هنا قرر أن يشاور أبناءه في هذا الامر، و بعد ان يكسب رضاهم و موافقتهم يختار احدهم للذبح بالقرعة.
و تمت عملية القرعة فاصابت «عبد الله» والد رسول اللّه (ص) فاخذ عبد المطلب بيد ابنه و توجّه من فوره الي حيث يذبحه فيه.
و لما علمت قريش رجالها و نساؤها بقصة النذر المذكور و ما آلت إليه عملية القرعة حزن الناس و الشباب خاصة لذلك حزنا شديدا و بكوا و ضجوا، قال أحدهم ليتني ذبحت مكان هذا الشباب.
فاقترحت قريش علي عبد المطلب بان يفدي «عبد الله» و اظهروا استعدادهم لدفع الفدية إذا جاز ذلك، فتحيّر «عبد المطلب» تجاه تلك المشاعر الساخنة، و الاعتراضات القوية، و راح يفكّر في عدم الوفاء بنذره، و يفكر في نفس الوقت في الحصول علي مخلص معقول من هذه المشكلة، فقال له أحدهم: لا تفعل و انطلق إلي احد كهنة العرب عسي أن يجد لك حلا.
فوافق «عبد المطلب» و اكابر قريش علي هذا الاقتراح، و توجهوا بأجمعهم نحو «يثرب» قاصدين ذلك الكاهن، و لما قدموا عليه سألوه في ذلك فاستمهلهم يوما واحدا، و لما كان اليوم الثاني دخلوا عليه فقال لهم: كم دية المرء عندكم؟
قالوا: عشر من الابل.
فقال: إرجعوا إلي بلادكم، و قرّبوا عشرا من الإبل و اضربوا عليها و علي صاحبكم «أي عبد الله» القداح فان خرجت القرعة علي صاحبكم فزيدوا عشرا، حتي يرضي ربكم، و إن خرجت علي الأبل فانحروها فقد رضي ربكم و نجا صاحبكم و كانت عنه فداء.
فهدّأ اقتراح الكاهن لهيب المشاعر الملتهبة لدي الناس، لأن نحر مئات الابل كان أسهل عليهم من أن يشاهدوا شابا مثل «عبد الله» يتشحط في دمه، و لهذا فانهم فور عودتهم إلي «مكة» بادروا الي إجراء القرعة في مجمع كبير من الناس و زادوا عشرا عشرا حتي أذا بلغ عدد الابل مائة خرجت القداح علي الابل و نجا «عبد الله» من الذبح، فأحدث ذلك فرحة كبيرة لدي الناس، بيد أن «عبد المطلب» طلب أن تعاد عملية القرعة قائلا: «لا و اللّه حتي أضرب ثلاث» و أنما أراد ذلك ليستيقن ان ربه قد رضي عنه، و لكن في كل مرة كانت القداح تخرج علي الإبل المائة فنحرت الابل ثم تركت لا يمنع عنها انسان و لا سبع.[5]
و هنا لا دليل علي انه ضرب القداح للاصنام، بل القرعة امر جائز بل احد الطرق للخروج من المشكل الذي يواجه الانسان و هذا ما نجده في الفقه الاسلامي بصورة جليّة.
واخيرا نقول: ان احكام الاسلام لا تقاس بما فعل قبل الاسلام، و علي فترة من الرسل و لعل هناك بعض المسائل لها حكم خاص في الاسلام و لكن في الجاهلية بسبب فترة الرسل كانوا يعملون برأيهم في المسألة آخذين الاصول من شرائع الانبياء.
الخلاصة: ان عبد المطلب لم ينذر للاصنام وانما نذر لله تعالي، وثانيا ان الرجوع للكاهن لم يكن باقتراح منه وانما هو استجابة لاقراح قريش، وثالثا من قال ان الكاهن هنا هو معناه المتبادر الي الذهن( مفرد الكهنة) قد يراد بالكاهن هنا الحكيم والعارف، اضف الي ذلك ان حل الامور بالقرعة مقبول شرعا كما بينا ذلك.
هذا كله مضافا الي ان هذه القصص منقولة في التاريخ و لو وجدناها مناقضة للاصول الاعتقادية تركناها.