بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
السلام عليكم ورحمة الله . . قرأت روايات عديدة في كتب أهل السنة مفادها أن عثمان كان يموِّل حملات الرسول صلى الله عليه وآله ومن هذه الروايات قوله صلى الله عليه وآله : من جهز جيش العسرة فله الجنة . وقيل : إن عثمان هو الذي جهز هذا الجيش . . ما مدى صحة هذه الروايات ؟! . .
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين . .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . . وبعد . .
فإن حديث تجهيز عثمان لجيش العسرة ، لا يمكن قبوله ، من الناحية العلمية ، بل الأدلة متضافرة على لزوم رده ، والحكم عليه بأنه موضوع ومصنوع . . وقد تعرَّض العلامة الأميني في كتابه القيم « الغدير » لهذا الحديث ، وبين طرفاً من تناقضاته ، وأكد عدم صحة أسانيده 1 .
ونحن نذكر هنا بعض الأقوال المتناقضة ، ثم نعقِّب ذلك ببعض ما يفيد في جلاء الحق ، والحقيقة ، فنقول :
أولاً : قال ابن هشام : أنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقة عظيمة ، لم ينفق أحد مثلها ، حدثني من أثق به : أن عثمان بن عفان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار .
زاد الصالحي الشامي قوله : غير الإبل والزاد 2 . .
وأنه ( صلى الله عليه وآله ) قال : ما يضر عثمان ما فعل بعد هذا اليوم . .
وعند الكلبي مرسلاً : جهزهم بألف بعير بأقتابها وأحلاسها ، زاد قتادة عليها سبعين فرساً أيضاً 3 . .
وعند البلاذري : جهزهم بسبعين ألفاً 4 . .
وعند الطبراني : جهزهم بماءتي بعير بأحلاسها وأقتابها ، ومائتي أوقية من الذهب 5 .
وعند أبي يعلى : سبع مائة أوقية من الذهب 6 .
وعند ابن عدي : بعشرة آلاف دينار 7 .
وعند ابن حنبل : بثلاث مائة بعير بأحلاسها وأقتابها ، وقال صلى الله عليه وآله : ما على عثمان ما عمل بعد هذا 8 .
وعند ابن عساكر : جهز ثلث الجيش 9 .
وعند ابن الأثير : جهز نصف جيش العسرة 10 .
وفي الكامل في التاريخ : قيل كانت ثلاث مئة بعير وألف دينار 11 .
وعند عماد الدين العامري : أنفق ألف دينار ، وحمل على تسعمائة بعير ومائة فرس . والزاد ، وما يتعلق بذلك ، حتى ما تربط به الأسقية 12 .
وفي الحلبية أيضاً : عند بعض أعطى ثلاث مئة بعير بأحلاسها وأقتابها وخمسين فرساً 13 .
وعن أبي عمرو في الدرر : أن عثمان حمل على تسعماية بعير ومئة فرس بجهازها 14 .
ثانياً : إنهم يقولون : إن أبا بكر قد أعطى في هذه الغزوة ماله كله 15 .
وقالوا : إنه ـ يعني مال أبي بكر ـ كان أربعة آلاف درهم 16 .
واللافت : أن هذه الأربعة آلاف تبقى هي المحور بالنسبة إلى أبي بكر ، فسبحان من يغير ، ولا يتغير .
وادعوا : أن عمر جاء بنصف ماله . وأن طلحة جاء بمال ، وجاء عبد الرحمن بماءتي أوقية من الفضة . وجاء سعد بن عبادة بمال ، وجاء محمد بن مسلمة بمال ، وجاء عاصم بن عدي بتسعين وسقاً من تمر 3 . .
وجعل الرجل من ذوي اليسار يحمل الرهط من فقراء قومه ، ويكفيهم مؤونتهم ، وبعثت النساء بكل ما قدرن عليه من مسك ، ومعاضد ، وخلاخل ، وقرطة ، وخواتيم 17 .
كما أن العباس بن عبد المطلب قد حمل مالاً يقال : إنه تسعون ألفاً . وفي نص آخر : جاء بمال كثير 18 .
فمن حمل ماله كله ـ على فرض الالتزام بصحة ذلك ـ أولى من عثمان بالإعلان بشأنه ، والدعاء له ، والثناء عليه . وإذا كانت النفقات العظيمة لا تختص بعثمان ، فلماذا يفوز عثمان وحده بالأوسمة ، والألقاب ، دون غيره . ممن أنفق وساهم من الرجال والنساء ؟! . .
ثالثاً : إن عدد جيش العسرة كان ثلاثين ألفاً, وكان معهم من الإبل اثنا عشر ألف بعير ، وعشرة آلاف فرس ، وعند أبي زرعة كانوا سبعين ألفاً ، وفي رواية أربعين ألفاً 19 .
ويقولون : إن عثمان حينما حوصر ، ناشد طلحة والزبير ، وأضافت بعض الروايات الإمام علياً عليه السلام أيضاً ، فكان مما قررهما به ، فأقرا : أنه صاحب جيش العسرة ، وأنه اشترى بئر رومة 20 .
وعند البلاذري أنه قال : أنشدكما الله هل تعلمان أني جهزت جيش العسرة من مالي ؟! 21 .
وفي نص آخر : ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : من حفر بئر رومة فله الجنة ، فحفرتها ؟ ألستم تعلمون أنه قال : من جهز جيش العسرة فله الجنة ، فجهزته ؟ قال : فصدقوه لمَّا قال 22 .
وقد صرح بأنهما اعترفاً له بأن النبي حكم له بأنه شهيد ، وبأنه من أهل الجنة ، مقابل ما بذله في بئر رومة ، ومقابل ما بذله في شراء ما أضيف إلى المسجد .
والسؤال هو : كيف أقرا له بما ذكر ، ثم لم يرتدعا عن محاصرته التي انتهت بقتله ؟! .
وكيف عرف سائر الصحابة : أن الله قد غفر له ذنوبه ثم يعاملونه هذه المعاملة بحجة أنه قد خالف أحكام الله ، وتعدى حدوده ؟!
وكيف يقتلون رجلاً وعده الله ورسوله بالجنة ، وحكم بغفران كل ذنوبه ، التي سوف يرتكبها . . أو صرح بعدم إضرار أي من ذنوبه به عند الله ؟! . .
رابعاً : قد ذكرنا في كتابنا : « الصحيح من سيرة الرسول الأعظم » أن شراء عثمان لبئر رومة بماله ، ووقفه لها على المسلمين ، حديث باطل لأسباب كثيرة ، كما أن حديث مناشدته لطلحة والزبير ، أو لهما بالإضافة إلى علي عليه السلام ، المتضمن لذكر هذا الأمر ، ولأمور باطلة أخرى ، ولتناقضات لا دواء لها ، لا يمكن أن يصح أيضاً ، فراجع 23 .
خامساً : إنه لم يكن لدى الصحابة تلكم المبالغ الهائلة ، التي يدَّعى أن عثمان قدم أرقاماً منها في جيش العسرة ، لا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولا في عهد أبي بكر .
فقد روي أن أنس بن مالك ، جاء بمال إلى عمر ، بعد موت أبي بكر ، فبايع عمر ، ثم أخبره بأنه قد جاء بأربعة آلاف ، فأعطاه إياها . قال أنس : فكنت أكثر أهل المدينة مالاً 24 .
سادساً : إذا كان لعثمان هذا السخاء ، وهذا الاندفاع للعطاء في سبيل الله ، فلماذا لم يعمل بآية النجوى ، التي لم يعمل بها سوى الإمام علي عليه السلام ؟! 25 .
وقد كان يكفيه أن يتصدق بدرهم ، لتنزل فيه آية قرآنية مثل آية النجوى ، فمن يبخل بدرهم كيف يعطي هذه الألوف المؤلفة ، ثم يجهز جيشاً بأكمله ؟! إننا نتوقع أن تنزل فيه سورة أكبر من سورة البقرة ، فضلاً عن آية أو آيات . .
كما أن الإمام علياً عليه السلام حين تصدق بأربعة دراهم سراً وجهراً وليلاً ونهاراً ، نزلت فيه آية قرآنية أيضاً 26 .
ويُطعم ثلاثة أقراص شعير ليتيم ومسكين وأسير ، فتنزل فيه سورة كاملة ، وهي سورة « هل أتى » 27 . .
ويتصدق بخاتم في الصلاة فتنزل فيه آية الولاية : ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ 28 29 .
فلماذا أهمل الله نفقات عثمان ، وهي هائلة ، واهتم بذكر نفقات الإمام علي ( عليه السلام ) ، وهي بضعة دراهم ، أو بضعة أقراص من شعير ؟!
سابعاً : لماذا لا يعدون عثمان من أجواد قريش ، بل من أجواد العرب ، إن لم نقل : إنه من أجواد الدنيا ؟!
إلا أن يقال : إن عثمان كان سخياً في سبيل الله ، بخيلاً على الناس ، والجواد إنما يقال له : جواد ، إذا كان يجود بماله على الناس .
ثامناً : من أين وكيف حصل عثمان على هذه الأموال الطائلة والهائلة ، وهو قد جاء إلى المدينة صفر اليدين ؟!
فإن كان ذلك من مال التجارة . . فنحن لم نسمع ولم نقرأ شيئاً عن هذه التجارة التي تدرُّ هذه الأرباح العظيمة . .
ولماذا لم يشتغل غير عثمان بهذه التجارات ، ويحصل على تلك الأرباح ؟!
أم يعقل أن يكونوا قد اشتغلوا ، وعلى المال حصلوا ، ثم هم بها قد بخلوا ؟! . .
وإن كان قد حصل عليها من الغنائم . . فإن غيره لا بد أن يكون قد نال منها مثل ما نال هو . . فلماذا تكون العسرة يا ترى ؟! بل لماذا ينال هذه الأموال الهائلة من الغنائم ، ونحن لم نجد له أي مقام محمود أو مشهود في حروب الإسلام ؟! . .
وأين هي الغنائم التي حصل عليها الإمام علي عليه السلام ، فارس الإسلام الأعظم ، ونصيره الأكبر ، أم يعقل أن يكون الإمام علي عليه السلام قد بخل بماله . . وجاد به عثمان!! .
وإن كان عثمان قد حصل على ذلك من سهم المؤلفة قلوبهم فلماذا لا يصرحون لنا بذلك . وهل من يُحصِّل المال عن هذا الطريق ، ويسخو به في سبيل الله ، يستحق غفران ذنوبه ، ثم يدخله الله الجنة ، ويبقى الناس خالصو الإيمان يكافحون من أجلها ويتوسلون بشفاعة الشفعاء ، لغفران ذنوبهم وستر عيوبهم ؟!
تاسعاً : إذا كانت عند عثمان هذه الأموال الهائلة ، فلماذا لا ينفقها على المسلمين أنفسهم ، إذا كانوا في عسرة حقيقية ؟! ولماذا يتركهم يواجهون تلك الشدائد ؟! . .
عاشراً : لقد زعموا : أن قوله تعالى : ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى ... المزید ﴾ 30 . قد نزل في عثمان لإنفاقه في جيش العسرة 31 .
ونقول :
ألف : إن هذه الآية في سورة البقرة ، وهي أول سورة نزلت في المدينة في أول الهجرة 32 .
وجيش العسرة قد كان في سنة تسع من الهجرة في شهر رجب . .
ب : إذا صح أن أبا بكر قد قدم ماله كله في جيش العسرة ، فإن المناسب هو أن تنزل هذه الآية في حقه ، لا أن تنزل في حق عثمان . .
ج : إن هذه الآية قد صرحت بالقول : بأن المنفقين لا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذى . فهل هي بصدد التعريض بأبي بكر الذي يقول عنه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ما من أحد أمنّ عليَّ في صحبته وذات يده من أبي بكر 33 .
حادي عشر : إن حديث : ما يبالي عثمان ما فعل بعد اليوم ، أو نحو ذلك ، فيه إغراء للناس بالمعاصي ، ما دام أنه قد تأكد لدى من قيلت في حقه : أنه غير معاقب على شيء . .
ولا ندري لو أن عثمان زنى بعد هذا العطاء ، أو سرق ، أو قتل ، فهل كان يقام عليه الحد ، أو يقتص منه ، أو لا يفعل به شيء من ذلك ؟! . .
ثاني عشر : إننا لا نعرف السبب في هذه العسرة التي ألمت بالمسلمين فجأة في سنة تسع ، مع أن التاريخ لم يحدثنا عنها إلا في مناسبة نفقات عثمان ، وإعطاء الأوسمة له!!
ثالث عشر : إن ظاهر كلمات عمر بن الخطاب أن العسرة قد بقيت ولم ترتفع بما بذله عثمان ، وغيره ، فقد قال الديار بكري :
وكان العشرة يتعقبون على بعير واحد ، وربما يمص التمرة الواحدة جماعة ، يتناوبونها ، وكانوا يعصرون الفرث ويشربونه من شدة العطش .
وعن عمر بن الخطاب قال : نزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش ، حتى إن الرجل لينحر بعيراً ، فيعصر فرثه ، ويشربه ، ويجعل ما بقي على كبده . كذا في معالم التنزيل . .
وفي تفسير عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن عقيل ، قال : فخرجوا في قلة من الظهر في حر شديد ، حتى إنهم كانوا ينحرون البعير ، ويشربون ما في كرشه من الماء . فكان ذلك الوقت عسرة في الماء والظهر ، والنفقة ، فسميت غزوة العسرة 34 . .
كلمتنا الاخيرة
وآخر كلمة نقولها هنا : إن التاريخ قد سجل لنا أرقاماً هائلة جداً عن عطايا عثمان من بيت مال المسلمين في أيام خلافته ، وكان ذلك من أهم أسباب ثورة الصحابة والمسلمين عليه حتى قتلوه . .
فلعل الذين وضعوا هذه الأفيكة قد أرادوا الإيحاء بأن هذه العطايا إنما كانت من أمواله الشخصية ، لا من بيت المال . .
وعن حجم عطايا عثمان غير المعقولة ، ولا المقبولة ، نقول : لقد ذكر العلامة الأميني قائمة ببعض عطاياه من الدراهم والدنانير ولبضعة أشخاص فقط ، مع أنها لا تكاد تذكر إلى جانب اقطاعاته ، وعطاياه من الأمور العينية ، وكيف لو أضيفت إلى ذلك عطاياه الأخرى طيلة سنوات حكمه ؟! . .
والقائمة هي التالية :
لقد أعطى عثمان لسبعة أشخاص فقط هو أحدهم :
مبلغ : أربعة ملايين وثلاث مئة ، وعشرة آلاف دينار .
وأعطى مئة وستة وعشرين مليوناً وسبع مئة وسبعين ألف درهم ، لأحد عشر شخصاً فقط وكان هو في جملة من أخذ ؛ فكيف بعطاياه طيلة سنوات حكمه ؟!
وفي الغدير ج8 نصوص تصرح بامتلاكه وامتلاك أتباعه أرقاماً هائلة تكاد لا تصدق . . فيمكن الرجوع إلى ذلك الكتاب للاطلاع عليها . .
وفي الختام نقول :
هذا ما أفصحت عنه كتب حرص مؤلفوها على حفظ ماء وجه عثمان ، بعد أن افتضح أمره بإصرار الصحابة والمسلمين على قتله ، وبعد أن كان لا بد لهم من مراعاة الحال في مجتمع يرى الزهد فضيلة ، ويعيش أبناؤه حالات قاسية من الحاجة والفقر . .
فكيف لو أرادوا أن يطلقوا لأقلامهم العنان في بيان الحقائق ، فإن الخطب جلل ، والمصاب أليم ، وإلى الله المشتكى ، وعليه المعول في الشدة والرخاء . .
والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله الطاهرين 35 . .