اختلق الشيعة حديثاً يقول : « لعن الله من تخلف عن جيش أسامة » (انظر : « المهذب » لابن البراج ج 1 ص 13 و « الإيضاح » لابن شاذان ص 454 « وصول الأخيار » للعاملي ص 68 .) يهدفون من ورائه إلى لعن عمر ـ « رضي الله عنه » ـ ! وفاتهم أنه يلزمهم أمران :
ألف : أن يكون علي لم يتخلف ، وهذا اعتراف منه بإمامة أبي بكر ؛ لأنه رضي أن يكون مأموراً لأمير نَصّبه أبو بكر !
ب : أو يقولوا بأنه تخلف عن الجيش ، فيلحقه ما كذبوه !
بسم الله الرحمن الرحيم
وله الحمد ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين . .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . . وبعد . .
محتويات
معضلة التخلف عن جيش أسامة
الشيعة لم يختلقوا حديثاً
محاولات ترميم فاشلة
الحديث في كتب الشيعة
النبي صلى الله عليه وآله لا يلعن الصحابة
الجوهري رافضي
ومن الذين أخذوا عنه
حديث جيش أسامة
الطعن في الشهرستاني
فإننا نجيب عن هذا السؤال بما يلي :
معضلة التخلف عن جيش أسامة
إنه لما ظهر أن بعض الصحابة تخلف عن جيش أسامة ، وأن رسول الله « صلى الله عليه وآله » قد لعن المتخلفين ، كان لا بد لهم من لملمة الموضوع ، وترقيع الخرق ، ورتق الفتق ، فعملوا على تحقيق ذلك بأسلوبين :
أحدهما : إنكار أصل صدور اللعن من رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، حتى قال الحلبي رداً على ذلك : « لم يرد اللعن في حديث أصلاً » 1 .
وزعموا : أن هذا من مختلقات الروافض 2 .
الثاني : ادِّعاء أن تخلف أبي بكر عن جيش أسامة كان بأمر من رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، لأجل صلاته بالناس 3 .
مع أن قول النبي « صلى الله عليه وآله » : « لعن الله من تخلف عن جيش أسامة » ، قد روي أيضاً في مصادر أهل السنة . كما روي في كتب غيرهم ، فراجع 4 .
وقد رواه أبو بكر الجوهري ، عن أحمد بن إسحاق بن صالح ، عن أحمد بن سيار ، عن سعيد بن كثير الأنصاري ، عن رجاله ، عن عبد الله بن عبد الرحمن 5 .
وذكره الشهرستاني بصورة تدلُّ على أنه كان متداولاً ومقبولاً أيضاً .
فما معنى ادِّعاء : أنه لم يرد في حديث أصلاً . .
أما صلاة أبي بكر بالناس فقد جاءت على سبيل المبادرة منه ، من دون أن يحصل على إذن من النبي « صلى الله عليه وآله » . . فكان أن جاء النبي « صلى الله عليه وآله » يتوكأ على علي « عليه السلام » ، والفضل بن العباس ، وهو في حال المرض الشديد ، فعزل أبا بكر عن الصلاة ، وصلى هو بالناس 6 .
الشيعة لم يختلقوا حديثاً
بالنسبة لقول السائل : إن الشيعة اختلقوا حديثاً يقول : « لعن الله من تخلف عن جيش أسامة » ، وهو كلام غير دقيق ، فقد روى هذا الحديث عدد من علماء أهل السنة أيضاً ، فهل يحكم هذا السائل على علماء أهل السنة أنهم هم الذين اختلقوا هذا الحديث ونذكر من هؤلاء :
أبا الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني في كتابه : الملل والنحل (ط دار المعرفة) ج 1 ص 23 و (بهامش الفصل لابن حزم) ج 1 ص 20 .
أبا بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري البصري في كتابه : السقيفة وفدك ص 76 و 77 .
ابن أبي الحديد المعتزلي الشافعي في كتابه شرح نهج البلاغة ج 6 ص 52 عن السقيفة وفدك للجوهري .
القاضي عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي في كتابه : المواقف (ط دار الجيل سنة 1417هـ) ج 3 ص 650 .
شرح المواقف للقاضي علي بن محمد الجرجاني (مطبعة السعادة ـ مصر سنة 1325هـ) ج 8 ص 376 .
عبد الرحمن بن عبد الرسول في كتابه : مرآة الأسرار بلفظ : « من تخلف عن جيش أسامة ، فهو ملعون » .
أبا الحسن الآمدي في أبكار الأفكار .
تاريخ إبراهيم بن عبد الله الحموي .
وغير ذلك . . فهي كثيرة أيضاً .
ثانياً : يفهم من كلام السائل : أن تجهيز جيش أسامة قد كان بعد وفاة أبي بكر ، ومن خلال أبي بكر . وهذا غير دقيق ، إذ إن تجهيز جيش أسامة ، وأمر النبي « صلى الله عليه وآله » الناس بالالتحاق به ، إنما كان قبل وفاة رسول الله « صلى الله عليه وآله » .
وقد بقي النبي « صلى الله عليه وآله » يصر عليهم بالمسير ، فيتلكأون ويسوِّفون ، بحجة أنهم يرغبون بالاطمئنان على صحة رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، وقد أصر وأكد عليهم بتنفيذ أوامره مرات عديدة ، وطيلة أيام كثيرة 7 .
وأما تجهيز أبي بكر لأسامة بعد وفاة رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، فقد كان بعد فوات الأوان ، وقد جاء لأجل الحفاظ على ماء الوجه ، ولا معنى لمطالبة أبي بكر علياً « عليه السلام » بالالتحاق بذلك الجيش ، إذ لم يكن يجب على علي « عليه السلام » امتثال أوامر أبي بكر بالخروج مع ذلك الجيش ، حتى لو حاول أن يأمره بذلك ، لأنه يرى أن أبا بكر قد أخذ مقاماً ليس له ، وليس له أن يأمر وأن ينهى . . بل الأمر والنهي لعلي « عليه السلام » دونه ، لأنه الإمام المنصوب من الله ورسوله ، والذي له في عنقه بيعة يوم الغدير .
ثالثاً : لو سلمنا : أن مسير أسامة كان امتثالاً لأمر رسول الله « صلى الله عليه وآله » . . فإن أبا بكر لم يكن هو الذي نصب أسامة لإمارة الجيش ، بل نصبه رسول الله « صلى الله عليه وآله » نفسه . . وجعله أميراً على جميع الصحابة بمن فيهم أبو بكر وعمر ، فكان يجب عليهما أن يسيرا معه ، وأن يكونا تحت أمره . . فإن أوامر ووصايا وتدبيرات الرسول الأعظم « صلى الله عليه وآله » ماضية ونافذة في حال حياته وبعد وفاته على حد سواء ، وحصوله على الخلافة ، ليس عذراً له في مخالفة أمر رسول الله « صلى الله عليه وآله » . بل هو مصادرة على المطلوب .
رابعاً : حتى لو فرضنا أنه لم يصح حديث لعن النبي « صلى الله عليه وآله » لمن تخلف عن جيش أسامة ، فإن مما لا شك فيه أن نفس التخلف عن أمر رسول الله « صلى الله عليه وآله » قبيح ومرفوض ، ومعصية ، وهي من الكبائر التي يستحق فاعلها العقوبة ، فكيف إذا كان « صلى الله عليه وآله » قد أصر عليهم بالخروج ، فرفضوا ذلك مرة بعد أخرى ؟! فإن ذلك سيكون من موجبات تأذِّيه منهم ، وغضبه عليهم ، ومن يفعل ذلك لن يجد له مكاناً في ساحة الرحمة والرضا الإلهيين .
خامساً : لا شك في أن علياً « عليه السلام » كان مستثنى من جيش أسامة . . ويدلُّ على ذلك : ما روي من أن الحسن البصري سئل عن علي « عليه السلام » ، فقال : ما أقول في رجل جمع بين الخصال الأربع : ائتمانه على براءة . . إلى أن قال : « وإنه لم يؤمر عليه أمير قط ، وقد أمرت الأمراء على غيره » 8 .
ومما شاع وذاع من فضائله التي يعتد بها ، قولهم : إنه « صلى الله عليه وآله » « لم يؤمر عليه أحداً قط ، ولم يكن في سرية قط إلا كان أميرها . . » 9 . ولم نجد أحداً يعترض أو يسأل عن موضوع جيش أسامة .
سادساً : إن السائل قد خص الكلام حول التخلف عن جيش اسامة بعمر ، موهماً بذلك : أنه هو وحده المتخلف عن جيش أسامة ، مع أن أبا بكر كان من المتخلفين أيضاً ، وكذلك أبو عبيدة وعبد الرحمان بن عوف ، وطلحة والزبير ، وأسيد بن حضير 10 .
محاولات ترميم فاشلة
وقد حاول البعض ترميم الاستدلال على عدم صحة حديث لعن المتخلفين عن جيش أسامة .
فادعى : أنه « لم يعهد أن النبي « صلى الله عليه وآله » لعن حتى المنافقين المتخلفين عن الغزوات ، والآيات واضحة في أنه كان يستغفر لهم الخ . . » 11 .
ونقول :
ألف : لقد تحدَّث الله تعالى عن الذين كانوا يتخلفون عن الغزوات بصورة بالغة القسوة ، وقد قرر لهم ما هو أشد من مجرد الطرد من الرحمة ، التي هي مضمون اللعن . . فإنكار صدور اللعن من النبي « صلى الله عليه وآله » لا يقدم ولا يؤخر ، ولا يدفع ما يريد هؤلاء دفعه عنهم بتمحلاتهم الباردة ، وتبريراتهم الفاسدة . فراجع على سبيل المثال : الآيات التي في سورة التوبة ، وهي الآية 90 و 93 و 95 و 81 ـ 87 و 45 ـ 49 .
والآيات التي في سورة محمد 20 ـ 23 وأعطنا رأيك ، فهل ترى بعد هذا أن هذه الآيات أيضاً مختلقة ومكذوبة ، ومدسوسة من قبل الشيعة في القرآن الكريم ـ والعيا ذ بالله ـ ؟!
ب : روي في كتب الصحاح موارد كثيرة لعن فيها رسول الله « صلى الله عليه وآله » جماعات ، أو أشخاصاً بأعيانهم ، كقوله عن أبي سفيان ومعاوية ويزيد ابني أبي سفيان : لعن الله الراكب والقائد والسائق 12 . ولعن رسول الله « صلى الله عليه وآله » أبا مروان ومروان في صلبه كما قالت عائشة 13 . ولا نعلم إلا أن دعاء رسول الله « صلى الله عليه وآله » مستجاب . .
ولا نعلم أن الله تعالى قد صفح عن أحد منهم وأعاده إلى ساحة رضاه ورحمته ، فهو قد لعن قريشاً . . أو رعلاً وذكواناً . . وأبا سفيان ، والحكم بن أبي العاص ، ولعن من تحلى بصفة بعينها ، سواء أكان مسلماً أو غير مسلم . . كلعن النائحة والمستمعة ، ومن أحدث في المدينة ، وآكل الربا ، أو شارب الخمر ، أو الواشمة والمستوشمة ، وغير ذلك كثير . .
ج : إن عدم اللعن للغزاة ، لا يعني عدم اللعن لمن يمتنع من الغزو ، إذا كان الإمتناع سبباً في تضييع أمر عظيم ، أو كان من موجبات مفسدة عظيمة ، مثل تسهيل التمرد الشامل على أوامر رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، إلى حد يتوقف معه مسير الجيش كله بسبب ذلك . .
فظهر : أن هذا ليس من موارد القياس ، فإن العلل فيه ليست منضبطة ، ليمكن تسريتها من موضوع إلى آخر ، لأنها تتفاوت وتختلف من مورد لآخر ، فلعل المصلحة اقتضت غض النظر والرفق في مورد ، ثم استجدت مصلحة أخرى في مورد آخر اقتضت المنع الجازم والتشدد ، وإظهار الغيظ .
الحديث في كتب الشيعة
ثم ادعى هذا البعض : أن السيد عبد الحسين شرف الدين « رحمه الله » زعم أن الشهرستاني رواه مرسلاً ، وهذا دال على عجزه عن أن يجده في شيء من كتبه 14 .
على أن الحديث الذي يرويه أهل السنة هو الذي يؤثر في الإستدلال عليهم ، على قاعدة : ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم .
تناقض الرافضة :
ثم زعم ذلك البعض : أن الرافضة تستنكر ما ترويه صحاح السنة ، من أن الرسول « صلى الله عليه وآله » قال : « اللهم إنما أنا بشر ، فمن لاعنته أو ساببته ، فاجعلها رحمة له » ، فيقولون : هل يليق أن ترووا عن النبي « صلى الله عليه وآله » أنه كان يلعن ؟!
لكنهم الآن شديدوا الحاجة إلى رواية تثبت لعن الرسول لأصحابه حتى يقرروا مذهبهم المبني على شتم أصحاب الرسول ، فتعلقوا بهذا الحديث 15 .
وفي هذا تدليس ظاهر ، فإن رسول الله « صلى الله عليه وآله » قد جهز جيش أسامة ، وعقد لواءه ، وأمره بالمسير في السادس (الثامن) والعشرين من شهر صفر .
ولكنه بقي يتلكأ مدة خمسة عشر يوماً ، حيث توفي رسول الله « صلى الله عليه وآله » في الثاني عشر من شهر ربيع الأول 16 .
كما أن مراجعة النصوص عند الواقدي وغيره تعطي : أن النبي « صلى الله عليه وآله » لم يزل يكرر مطالبته بمسير جيش أسامة مرة بعد أخرى طيلة تلك الأيام ، ومن دون انقطاع .
النبي صلى الله عليه وآله لا يلعن الصحابة
واستدل ذلك البعض على عدم صحة حديث : لعن النبي « صلى الله عليه وآله » لمن تخلف عن جيش أسامة ، بقوله : « كيف يعقل أن يلعن رسول الله خواص أصحابه أبا بكر وعمر ، اللذين هما أبرز وأعظم المهاجرين ؟! بل كيف يلعن أحداً من المهاجرين والأنصار الذين أثنى الله عليهم في القرآن ؟! الله يثني عليهم والرسول يلعنهم » ؟! 17 .
فلم يكن الشهرستاني بصدد إيراد الرواية بعنوان أنها رواية ليطالب بأسانيدها . . بل هو قد ذكر الحدث الذي كان مروياً ومتداولاً بين الناس ومقبولاً عندهم ، لكي يفسره ويذكر آثاره ونتائجه ، وليبين أنه ثاني خلاف جرى في مرض الرسول « صلى الله عليه وآله » ، وأنه قد ترك آثاره على الأمة بعد ذلك .
وهذا يعطي : أن حدوث هذه الخلافات كان مسلماً ومعروفاً بين الناس ، ويريد أن يبحث في آثاره على عقائد الناس ، وفي الانقسامات التي ظهرت بمرور الزمان .
ثالثاً : إن الشعر الذي استشهد به للتدليل على ضعف الشهرستاني ، وحيرته ، لا يدلُّ على مطلوبه ، لسببين :
أولهما : أنه لم يستشهد بهذا الشعر على حيرة عرضت له في تصحيح الحديث أو تضعيفه ، بل كان يتكلم عن مسائل الفلسفة وعن علم الكلام ، الذي هو موضوع كتابه : « نهاية الإقدام في علم الكلام » .
ثانيهما : أنه كان يقصد بهذا الشعر أناساً آخرين تصدوا للنظر في هذه العلوم ، فعجزوا عنها ، وتحيروا فيها ، وكأنه يريد أن يدعي لنفسه عكس هذه الحالة ، وأنه متمكن مما يقدم على بحثه في كتابه : « نهاية الإقدام في علم الكلام » .
رابعاً : إن ثبوت الأحداث والوقائع لا يتوقف دائماً على صحة أسانيد رواياتها ، وفق أحكام الجرح والتعديل . فقد تثبت لأجل احتفافها بقرائن تفيد القطع أو الظن بحصولها . كما لو كانت قد جاءت على لسان من يحرج منها ، ويهمه إخفاؤها ، وتجاهلها ، أو على لسان محبي ذلك المتضرر منها ، وفي كتبهم ومجاميعهم . فهل نقول لمن يعترف بأمر : لا نقبل قولكم ، ونرد روايتكم لهذا الأمر ، ولا نحتج عليكم به ؟!
فلو أن الشمر بن ذي الجوشن حدثنا عن الفظاعة والقسوة في الطريقة التي مارسها في قتله الإمام الحسين « عليه السلام » ، فهل نقول له : لا نثق بخبرك .
ولو أخبرنا يزيد أنه هو أمر بقتل الإمام الحسين « عليه السلام » ، فهل نرد روايته ، لأنه مجروح ، ومتهم بالكذب ، أو شرب الخمر ، أو بهدم الكعبة ، أو باستباحة المدينة في واقعة الحرة ؟!
وهل رُوِيت لنا حادثة قتل الأتراك التسعة في أسطول الحرية على يد الإسرائيليين ، بأسانيد صحيحة ، ووفق ضوابط الجرح والتعديل . .
وهل رويت جميع وقائع التاريخ الكبرى ، بأسانيد صحيحة ؟!
وإذا كان أكثرها لم يحظ بهذه الأسانيد التي تطلبونها ، فهل يحكم عليها بأنها مكذوبة ومختلقة ؟!
خامساً : ادَّعى : أن هذه المراسيل تعارض الثابت القطعي . . وكأنه يريد أن يقول : إنها تخالف ثناء القرآن على الصحابة . . ولكننا قلنا : إنه ليس ثناءً مطلقاً ، بل مشروطاً بشرطين :
أولهما : صدق الإيمان . . وهذا ما لا يعرفه على حقيقته إلا الله تعالى ، فقد قال تعالى : ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ... المزید ﴾ 18 . فهل أثنى الله تعالى على هؤلاء أيضاً ؟!
الثاني : العمل الصالح ، فعلينا إذا أردنا معرفة من أثنى الله تعالى عليه في كتابه أن نراقب ونحاسب ، فمن وجدنا أنه عمل صالحاً عرفنا : أن الثناء شامل له ، ومن عمل غير صالح عرفنا : أنه غير مشمول بالثناء . .
وقد بينت الآية التي في آخر سورة الفتح ذلك ، حيث قال تعالى :
﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ... ﴾ 19 .
ثم قال : ﴿ ... وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ 19 ـ فقد دلَّت ـ : أن الوصف الذي ذكره الله تعالى أولاً للذين هم مع الرسول ، ليس شاملاً لهم جميعاً ، بل هو خاص ببعضهم ، وهم خصوص من له هذه السمات التي لا توجد في جميعهم . .
وأما آية الرضا عن الذين بايعوا تحت الشجرة ، فقد خصصت هذا الرضا بمن لهم وصف الإيمان ، فقالت : ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ... ﴾ 20 . بعد أن اشترطت عليهم الوفاء وعدم النكث في قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ 21 .
ثم تحدَّث سبحانه عن المخلَّفين ، وأنبهم وقرعهم ، فراجع سورة الفتح .
سادساً : قد اعترف نفس هذا البعض : بأن الشافعي يقبل المراسيل بشروط . فما معنى أن يقيم الدنيا ولا يقعدها على من يفعل ذلك إذا كان من غير أهل السنة ؟!
سابعاً : زعم هذا البعض : أن الشهرستاني لم يذق طعم علم الحديث . . وإنما قضى حياته في علم المنطق والفلسفة .
وهذا كلام يحتاج إلى إثبات ، فإن قائله لم يعش مع هذا الرجل ، ولا أبلغه نبي مرسل ، ولا ملك مقرب عن تفاصيل حياته ، ليصح منه الجزم بأنه قضى حياته في هذا العلم أو ذاك . مع أنهم قد وصفوا الشهرستاني : بأنه « كان إماماً مبرزاً فقيهاً متكلماً ، تفقه على أحمد الخوافي المقدم ذكره ، وعلى أبي نصر القشيري وغيرهما ، وبرع في الفقه ، وقرأ الكلام على أبي القاسم الأنصاري ، وتفرد فيه . .
وصنَّف كتباً ، منها : كتاب نهاية الإقدام على علم الكلام ، وكتاب الملل والنحل ، والمناهج والبينات ، وكتاب المضارعة ، وتلخيص الأقسام لمذاهب الأنام . وكان كثير المحفوظ ، حسن المحاورة ، يعظ الناس . ودخل بغداد سنة عشر وخمسمائة ، وأقام بها ثلاث سنين ، وظهر له قبول كثير عند العوام . وسمع الحديث من علي بن أحمد المديني بنيسابور ومن غيره ، وكتب عنه الحافظ أبو سعد عبد الكريم السمعاني وذكره في كتاب الذيل » 22 .
الجوهري رافضي
وقد ادعى هذا البعض : أن الرافضة حين لم يجدوا الحديث في مصدر من مصادر وكتب أهل الحديث والسنة اضطروا إلى القول : إن الجوهري أخرجه في كتاب السقيفة وهو مؤلف رافضي مجهول الحال عند أصحاب مذهبه . وأبناء جلدته ليسوا حجة علينا .
وهذا الأخير قد اختلق سنداً كله مجاهيل ثم ذكر : أن الجوهري غير معروف لدى الشيعة ، ثم قال : « . .وهنا نذكر بأن كثيراً من السيناريوهات والأكاذيب الملفقة ، والحوارات الطويلة ، والمناظرات بين فاطمة وأبي بكر حول ميراث أرض فدك هي من سلسلة أكاذيب هذا الجوهري . . اختلقها ودونها في كتابه السقيفة .
فالحمد لله الذي وفر علينا الجهد ، فجعل الحكم بجهالته ، وعدم وثاقته من جهة الشيعة أنفسهم .
أما إسناد الجوهري ، فهو ضعيف أيضاً وفيه مجاهيل .
قال الجوهري : حدثنا أحمد بن اسحاق بن صالح ، عن أحمد بن سيار ، عن سعيد بن كثير الأنصاري ، عن رجاله ، عن عبد الله بن عبد الرحمان .
أحمد بن إسحاق بن صالح قال الألباني : « لم أجده » .
رجال : من هم هؤلاء الرجال : لا ندري ، ولعل منهم عبد الله بن سبأ الخ . . » 23 .
ونقول :
أولاً : قلنا فيما تقدم : إن ضعف سند الرواية لا يعني كذب مضمونها ، فكم من الروايات الضعيفة سنداً ، تكون صحيحة مضموناً . . فلا يصح الجزم بكون مضمونها ملفقاً ومكذوباً .
ثانياً : لو سلمنا : أن الروايات التي ذكرها الجوهري في سقيفته مختلقة ، ولكن من أين علم هذا البعض أن الذي اختلقها هو الجوهري نفسه ، فلعله شخص آخر ؟! ثم أخذها الجوهري منه أو عنه بحسن نية ، وسلامة طوية ؟! فإطلاق الكلام بهذه الطريقة يدلُّ على عدم المبالاة ، وعدم الالتزام بالمعايير التي يرضاها أهل الشرع والدين .
ثالثاً : إن هذا البعض يعترف بجهالة الجوهري ، فكيف يحكم على هذا المجهول بأنه يكذب ويلفق ؟! فلعله من أصدق الصادقين . .
رابعاً : إنه ادعى في بداية كلامه : أن السند الذي ذكره الجوهري لحديث : لعن الله من تخلف عن جيش أسامة ، كله مجاهيل . . ثم ناقض نفسه أخيراً ، وحكم : بأن في السند مجاهيل ، ثم عد من المجاهيل موردين فقط ، هما : أحمد بن إسحاق بن صالح ، الذي زعم الألباني أنه لم يجده .
وقوله عن سعيد بن كثير الأنصاري عن رجاله ، فمن هؤلاء الرجال ؟!
ثم ذكر : أن عبد الله بن عبد الرحمان ، هو عبد الرحمان بن أبي عمرة الأنصاري ، وهو مجهول الحال . .
خامساً : إن الذي لم يعرفه ، أو تجاهله الألباني ، هو أبو بكر الوزان : أحمد بن إسحاق ، بن صالح ، بن عطاء البغدادي المتوفى سنة 281 هـ .
قال الدارقطني : صدوق لا بأس به . وقد حدث ببغداد وسر من رأى ومات فيها يوم السبت أول من المحرم .
سادساً : لماذا تشبث هذا البعض بالجوهري ، وأصر على اتهامه بالكذب والاختلاق ، ولم يتهم الشهرستاني بذلك ، هل لأنه اعتقد تشيع الجوهري ، وتسنن الشهرستاني ؟! أم ماذا ؟!
سابعاً : إن ما قاله هذا البعض ، من أن الجوهري رافضي ، لا عبرة به ، بعد تصريح المعتزلي ، وهو سني : بأنه من أهل السنة ومن محدثيهم .
أما تسنن ابن أبي الحديد فواضح ، لأن المعتزلة هم من أهل السنة ، ولكن معتزلة بغداد يفضلون علياً « عليه السلام » على جميع الصحابة ، لكنهم يقرون بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان ، وقد صرح هو بعقيدته ، فقال :
وخـير خلق الله بعد المصطفى *** أعـظمهم يوم الـفـخار شرفا
السـيد المـعظم الوصــي *** بـعل الـبتول المرتضـى عـلي
و ابنـاه ثم حمـزة و جعـفر *** ثم عـتيـق بعدهـم لا يـنـكر
المـخلص الـصديـق ثم عمر*** فاروق دين الله ذاك الـقـسـور
وبعده عـثمان ذو النوريــن *** هذا هـو الحـق بـغيـر مـين 24
وقد شهد هذا المعتزلي السني للجوهري بالتسنن ، وبالوثاقة والورع ، وهو أعرف به من الذين جهلوه ، سواء أكانوا من الشيعة أم من السنة . . فقد قال عنه : إنه « عالم ، محدث ، كثير الأدب ، ثقة ، ورع ، أثنى عليه المحدثون ، ورووا عنه مصنفاته » 25 .
وقال أيضاً عن الجوهري : « وهو من رجال الحديث ، ومن الثقات المأمونين » 26 .
وقال التستري : « أما عامية الجوهري فلا ريب فيها ، وكتابه يشهد بذلك » 27 .
وقال أبو أحمد العسكري عنه وهو تلميذه : « كان ضابطاً صحيح العلم » 28 .
ويدلُّ على تسننه : أن الشيوخ الذين روى عنهم الجوهري كتابه السقيفة وفدك هم من أهل السنة ، وهم :
عمرو بن شبة ، المغيرة بن محمد المهلبي ، حباب بن يزيد ، أحمد بن إسحاق بن صالح ، ابن عفير ، سعيد بن كثير ، يعقوب بن شيبة ، أحمد بن عبد الجبار العطاردي ، وأحمد بن محمد بن يزيد ، عثمان بن محمد بن يزيد ، عثمان بن عمران الفجيعي ، محمد بن عبد الملك أبو جعفر الواسطي ، علي بن سليمان أبو الحسن النوفلي ، عبد الرحمان بن محمد أبو سعيد ، علي بن جرير الطائي ، أبو بكر الباهلي ، المؤمل بن جعفر ، الحسن بن الربيع ، محمد بن زكريا الغلابي ، أحمد بن منصور الرمادي . وليس في هؤلاء من عرف بالتشيع ، كما يعلم بالمراجعة .
ومن الذين أخذوا عنه
أبو الفرج الأصفهاني ، أبو القاسم الطبراني في المعجم الصغير ، أبو أحمد العسكري ، أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني ، وغيرهم .
ثامناً : بالنسبة لرجال سعيد بن كثير الأنصاري نقول :
إن سعيد بن كثير يروي عن : بسطام بن حريث المكي ، ورشدين بن سعد ، وسليمان بن بلال (م س) ، وسهل بن حريز المصري مولى المغيرة بن أبي الليث بن حميد بن عبد الرحمان بن عوف الزهري ، وشداد بن عبد الرحمان بن يعلى بن شداد بن أوس الأنصاري ، وضمرة بن ربيعة ، وعبد الله بن لهيعة ، وعبد الله بن وهب (خ م) ، وعبد الحميد بن كعب بن علقمة التنوخي ، والفضل بن المختار البصري ، والقاسم بن عبد الله بن عمر العمري ، وكهمس بن المنهال البصري ، والليث بن سعد (خ قد س) ، ومالك بن أنس ، وخاله المغيرة بن الحسن بن راشد الهاشمي ، والمنذر بن عبد الله الحزامي والد إبراهيم بن المنذر ، ومؤمل بن عبد الرحمان الثقفي ، ونافع بن يزيد المصري ، ويحيى بن أيوب الغافقي (بخ سي) ، ويحيى بن راشد البراء ، ويحيى بن فليح ، ويعقوب بن الحسن الثقفي ، ويعقوب بن عبد الرحمان الإسكندراني (خ) .
روى عنه : البخاري ، وإبراهيم بن الحسين بن ديزيل الهمذاني ، وأحمد بن حماد بن زغبة ، وأحمد بن داود المكي ، وأحمد بن عاصم البلخي (بخ) ، وأحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين بن سعد ، وأحمد بن يحيى بن الوزير بن سليمان المصري (س) ، وابنه أسد [لعل الصحيح : وأسد] بن سعيد بن كثير بن عفير ، وإسماعيل بن عبد الله العبدي سمويه ، وبكار بن قتيبة البكرواي القاضي ، وجعفر بن مسافر التنيسي ، والحسين بن عبد الغفار الأزدي ، والحسين بن محمد بن بادي ، وحمزة بن نصير العسال المصري ، وأبو الزنباع روح بن الفرج القطان ، و عبد الله بن حماد الآملي ، وعبد الرحمان بن عبد الله بن عبد الحكم (سي) ، وعبد العزيز بن عمران بن مقلاص ، وابنه عبيد الله [لعل الصحيح : وعبيد الله] بن سعيد بن عفير ، وعثمان بن خرزاد الأنطاكي ، وعلي بن عبد الرحمان بن المغيرة ، وعلي بن عمرو بن خالد الحراني ، وعلي بن معبد بن نوح ، ومحمد بن إسحاق الصاغاني (م) ، ومحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم بن البرقي ، ومحمد بن عبد الرحيم بن ثمير الصدفي المصري ، ومحمد بن عمرو بن خالد الحراني ، ومحمد بن مسكين اليمامي ، وأبو الأحوص محمد بن الهيثم بن حماد قاضي عكبرا ، ومحمد بن وزير المصري (قد) ، ومحمد بن يحيى الذهلي ، ويحيى بن عثمان بن صالح السهمي ، ويعقوب بن سفيان الفارسي ، ويونس بن عبد الأعلى الصدفي .
قال أبو حاتم : لم يكن بالثبت ، كان يقرأ من كتب الناس ، وهو صدوق .
وقال أبو أحمد بن عدي : سمعت ابن حماد يقول : قال السعدي : سعيد بن عفير فيه غير لون من البدع ، وكان مخلطاً غير ثقة .
قال أبو أحمد : وهذا الذي قال السعدي لا معنى له ، ولم أسمع أحداً ولا بلغني عن أحد من الناس كلام في سعيد بن كثير بن عفير ، وهو عند الناس صدوق ثقة ، وقد حدث عنه الأئمة من الناس 29 .
تاسعاً : بالنسبة لعبد الله بن عبد الرحمان بن أبي عمرة الأنصاري الذي حكم ذلك البعض بجهالته نقول :
روى عن جده أبي عمرة ، وروى عنه المسعودي سمعت أبي يقول ذلك 30 .
ـ عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري المازني يروى عن عمه ، عن أبي هريرة .
روى عنه : معقل بن عبيد الله ، وعبد الكريم الجزرياني 31 .
يضاف إلى ما تقدم : أننا لم نعرف وجهاً لاستظهاره : أن المقصود بعبد الله بن عبد الرحمان هو خصوص ابن أبي عمرة ، مع أن لدينا حوالي عشرين رجلاً بهذا الاسم ، ذكرهم علماء الرجال ، ونصوا على وثاقتهم وصلاحهم ، وذكروا أحوالهم ، فلماذا لا يكون المقصود أحد هؤلاء ؟! 32 .
والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله . . 33 .