السلام عليكم
في قوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم
(يد الله فوق ايديم ) صدق الله العلي العظيم تعني هنا اليد بالقوة وأشير اليها بصيغة المفرد
اما قوله تعالى (يداه مبسوطتان ) تعني رزقه مبسوط للعباد ولكن السؤال هنا لماذا يشار الى الاولى بالمفرد والى الثانيه بالمثنى
مع فائق الاحترام والتقدير
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته ، مرحبًا بك أيها السائل الكريم ، نشكر تواصلك معنا
نُجيب عن سؤالكم بعدة نقاط:
النقطة الأولى: أن كلمة (اليد) تطلق في اللغة العربية على معان كثيرة ومنها (اليد العضوية) كما أن معانيها (النعمة) و (القدرة) و (السلطة) و (الحكم)، وبديهي أن المعنى الشائع لها هو اليد العضوية.
ولما كان الإنسان ينجز أغلب أعماله المهمة بيده، فقد أطلقت من باب الكناية على معان أخرى.
النقطة الثانية :
إنّ معنى كلمة يد في قوله تعالى( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم) فقيل: إنه من الاستعارة التخييلية والاستعارة بالكناية جئ به لتأكيد ما تقدمه وتقرير أن مبايعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كمبايعة الله من غير تفاوت فخيل أنه سبحانه كأحد المبايعين من الناس فأثبتت له يد تقع فوق أيدي المبايعين للرسول صلى الله عليه وآله وسلم مكان يد الرسول وفيه أنه غير مناسب لساحة قدسه تعالى أن يخيل على وجه هو منزه عنه.
وقيل: المراد باليد القوة والنصرة أي قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم أي ثق بنصرة الله لا بنصرتهم.
وفيه أن المقام مقام إعظام بيعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأن مبايعتهم له مبايعة لله، والوثوق بالله ونصرته وإن كان حسنا في كل حال لكنه أجنبي عن المقام.
وقيل: المراد باليد العطية والنعمة أي نعمة الله عليهم بالثواب أو بتوفيقهم لمبايعتك فوق نعمتهم عليك بالمبايعة، وقيل: نعمته عليهم بالهداية أعظم من نعمتهم عليك بالطاعة إلى غير ذلك من الوجوه التي أوردوها ولا طائل تحتها.
مع النبي. ومن هنا سميت مبايعة المسلمين نبيهم تحت الشجرة بيعة الرضوان حيث وردت الإشارة إليها في الآية (18) من السورة ذاتها: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة.
وعلى كل حال فإن القرآن يتحدث عن مبايعة المسلمين في الآية محل البحث فيقول: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم!
و " البيعة " معناها المعاهدة على اتباع الشخص وطاعته، وكان المرسوم أو الشائع بين الناس أن الذي يعاهد الآخر ويبايعه يمد يده إليه ويظهر وفاءه ومعاهدته عن هذا الطريق لذلك الشخص أو لذلك " القائد " المبايع!.
وحيث أن الناس يمدون أيديهم " بعضهم إلى بعض " عند البيع وما شاكله من المعاملات ويعقدون المعاملة بمد الأيدي و " المصافحة " فقد أطلقت كلمة " البيعة " على هذه العقود والعهود أيضا. وخاصة أنهم عند " البيعة " كأنما يقدمون أرواحهم لدى العقد مع الشخص الذي يظهرون وفاءهم له.
وعلى هذا يتضح معنى يد الله فوق أيديهم.. إذ إن هذا التعبير كناية عن أن بيعة النبي هي بيعة الله، فكأن الله قد جعل يده على أيديهم فهم لا يبايعون النبي فحسب بل يبايعون الله، وأمثال هذه الكناية كثيرة في اللغة العربية!.
النقطة الثالثة :
كان البعض من اليهود حين يتذكرون سلطتهم القوية السابقة، كانوا يقولون استهزاء وسخرية - إن يد الله أصبحت مقيدة بالسلاسل (والعياذ بالله) وأنه لم يعد يعطف على اليهود! ويقال: أن المتفوه بهذا الكلام كان الفخاس بن عازوراء رئيس قبيلة بني القينقاع، أو النباش بن قيس كما ذكر بعض المفسرين.
وبما أن سائر أبناء الطائفة اليهودية أظهروا الرضى عن أقوال كبار قومهم هؤلاء، لذلك جاء القرآن لينسب هذه الأقوال إلى جميعهم، كما تقول الآية:
قالت اليهود يد الله مغلولة ... المزید.
وتفيدنا الكثير من الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) أن هذه الآية تشير إلى ما كان اليهود يعتقدون به حول القضاء والقدر والمصير والإرادة، حيث كانوا يذهبون إلى أن الله قد عين كل شئ منذ بدء الخليقة، وأن كل ما يجب أن يحصل قد حصل، وأن الله لا يستطيع من الناحية العملية ايجاد تغيير في ذلك (1).
وبديهي أن تتمة الآية التي تتضمن عبارة بل يداه مبسوطتان تؤيد المعنى الأول، كما يمكن أن يقترن المعنى الثاني بالمعنى الأول في مسير واحد، لأن اليهود حين أفل نجم سلطانهم، كانوا يعتقدون أن هذا الأفول هو مصيرهم المقدر، وأن يد الله مقيدة لا تستطيع فعل شئ أمام هذا المصير.
والله تعالى يرد على هؤلاء توبيخا وذما لهم ولمعتقدهم هذا بقوله: غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا... ثم لكي يبطل هذه العقيدة الفاسدة يقول سبحانه وتعالى بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء... فلا إجبار في عمل الله كما أنه ليس محكوما بالجبر الطبيعي ولا الجبر التأريخي، بل أن إرادته فوق كل شئ وتعمل في كل شئ.
والملفت للنظر هنا أن اليهود ذكروا اليد بصيغة المفرد كما جاء في الآية موضوع البحث، لكن الله تعالى من خلال رده عليهم قد ثنى كلمة اليد فقال: بل يداه مبسوطتان وهذا بالإضافة إلى كونه تأكيدا للموضوع، هو كناية لطيفة تظهر عظمة جود الله وعفوه، وذلك لأن الكرماء جدا يهبون ما يشاؤون للغير بيدين مبسوطتين، أضف إلى ذلك أن ذكر اليدين كناية عن القدرة الكاملة، أو ربما يكون إشارة إلى النعم المادية والمعنوية، أو الدنيوية والأخروية.
دمتم في رعاية الله