( 18 سنة ) - العراق
منذ سنتين

تسبيح الزهراء

ماهي فلسفة تسبيح الزهراء عليها السلام؟


من الشعائر ا لإسلامية التي أكد عليها القرآن الكريم هي شعيرة التسبيح ، تلكم الشعيرة التي تزيد في إيمان الإنسان وتضيف عليه هالة من النورانية عبر أداء هذه الركيزة الإسلامية التي أكد عليها القرآن الكريم في كثير من آياته المباركة فقد جاء في قوله تعالى ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) ليؤكد على هذه الحقيقة الخالدة التي أثبتها الله تبارك وتعالى لجميع الأشياء ، فالكون يسبح والنجوم تسبح في مداراتها الغارقة في أعماق الفضاء والشجر والنباتات والحيوانات بكل صنوفها تشترك في هذا الموكب الرهيب الذي يثير الدهشة ويجتذب القلوب ، وفي ذلك يقول القرآن الكريم : ( والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه ) (1) . وأيضاً قوله تعالى : ( فسبح باسم ربك العظيم ) .. أي نزّه الله سبحانه عن السوء ، والشرك وعظمه بحسن الثناء عليه ، ومعناه أيضاً نزه اسمه عما لا يليق به ... فلا تضف إليه صفة نقص أو عملاً قبيحاً .. ومعناه أيضاً قولوا سبحان ربي العظيم .. والعظيم في صفة الله تعالى معناه كل شيء سواه يقصر عنه فإنه القادر العالم الغني الذي لا يساويه شيء ولا يخفى عليه شيء جلت آلاؤه وتقدست أسماؤه . وورد في التفسير المروي في هذه الآية المباركة : أي فبرئ الله تعالى مما يقولون في وصفه ، ونزهه عما لا يليق بصفاته ، وقيل معناه قل سبحان ( لله ) ربي العظيم ، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لما نزلت هذه الآية قال « اجعلوها في ركوعكم » وراجع في ذلك تفسير مجمع البيان ليتضح لك الحال والبيان . ولقد ورد في القرآن الكريم عدة ألفاظ للتسبيح فتارة يأتي على نحو صيغة الأمر تسبح وتارة أخرى بصيغة الماضي أو الحاضر .. يسبح .. تسبّح .. وسبحان الله .. وهذا يعني أن التسبيح له صفة الإستمرارية في كل شيء وكما قلنا فالكون يسبح .. الخ . وإذا تفحصنا القرآن الكريم نجد زخماً كبير من الآيات المباركة تصل العشرات تؤكد على مسألة التسبيح ومنها : ( سبّح لله ما في السموات والأرض ) (1) . ( يسبح له ما في السموات وما في الأرض ) (2) . ( وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ) (3) . ( سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى ) (4) . إذن رحلة التسبيح في القرآن الكريم عظيمة وكبيرة جداً كل ذلك ليكون إيمان الإنسان عبر التسبيح في القرآن الكريم عظيمة وكبيرة جداً كل ذلك ليكون إيمان الإنسان عبر التسبيح أعظم وأفضل ما يكون عليه الإيمان ، وقد ذكرنا هذه المقدمة لتكون لنا عوناً على استيعاب الموضوع الذي نحن فيه ـ تسبيح الزهراء عليها السلام ـ ومن الطبيعي جداً نرجع إلى المصدر الأول للمسلمين الذي هو القرآن الكريم لنرى كيف أكد على هذا التسبيح ، وبعد ننطلق ونسبح في فضاء تسيبح الصديقة الطاهرة فاطمة عليها السلام . فالقرآن الكريم قال ان الكل يسبح ولكن لا نعرف نحن القاصرون عن إدراك الكثير من الحقائق التي تخصنا نحن كبشر في حياتنا ، وإلا فالكل يسبح ولكن نحن لا نعرف لغة هذا التسبيح الذي يخص الكائنات الأخرى سواء النباتية أو الحيوانية وأو الجمادية أو الأفلاك المتحركة ، فإن لهذه الوجودات لغات خارجة عن تصوراتنا وعن حدود معرفتنا ، وليس لنا القابلية في معرفة هوية هذا التسبيح الخاص بها ، إلا من وفقه الله تعالى في مجاهدة نفسه ووصل إلى مرحلة الكشف والشهود لكثير من الحقائق الكونية .. وهذا ما نجده متحقق في كثير من الأنبياء عليهم السلام كما في قصة سليمان عليه السلام الذي أعطاه الله تبارك وتعالى معرفة لغة الحيوانات ( وعلمنا منطق الطير ) ويقول الله تعالى في ذلك : ( قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون فتبسم ضاحكاً من قولها ) فسليمان يعرف لغة الغير من الحيوانات كالنمل والطير وإلا لو كان لا يعرف لغة النمل لما تبسم ضاحكاً من قولها ، وعلى هذا الأساس فإن لكل شيء في هذا الكون لغة ومنطق ولكننا لا نفقه لغته ولا نعرف منطقه ولا ندرك ذلك إلا لمن أعطاه الله تبارك وتعالى نور البصيرة في كل شيء ( ومن لم يجعل الله له نور فما له من نور ) . إذن فكل شيء له لغة وله منطق غير أننا لا نفقه تلك اللغات اللهم إلا أن يكون الإنسان نبياً أو وصي نبي أو أحد الأئمة الهداة الذين علمهم الله منطق كل شيء وكما ورد ذلك في كتاب مدينة المعاجز الذي يعطيك عشرات الشواهد على ذلك .. أما نحن فلاحظّ لنا من ذلك على الإطلاق ، وفي حديث أن الحصى كانت تسبح في كف النبي والصحيح هو أن النبي كان يسمع صوت الحصى حينما تسبح الله وتقدسه ... وإلا فالحصى هي مسبحة لله تعالى في يد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي يد غيره من البشر غاية ما في الأمر أن الأنبياء لهم القدرة على سماع هذا التسبيح بشكل واضح وملموس . وبعد أن وقفنا بعض الشيء مع معالم التسبيح في القرآن الكريم نأتي الآن إلى نورانية تسبيح فاطمة عليها السلام الذي يعبتر من الشعائر الدينية لدى الشيعة والسنّة والذي يعتزون به كأفضل الأعمال عقيب الصلاة المفروضة . ولقد جاء الحث عليه من قبل الأئمة عليهم السلام في كثير من الأحاديث التي وصلت إلينا عبر الرواة والمحدثين ومنها ما جاء عن لسان أبي جعفر عليه السلام قال : « ما عبدالله بشيء من التمجيد أفضل من تسبيح فاطمة عليها السلام ، ولو كان شيء أفضل منه لنحله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام » (1) . وعنه عليه السلام قال : « من سبّح تسبيح الزهراء عليها السلام ثم استغفر غفر له وهي مائة باللسان ، وألف في الميزان ، وتطرد الشيطان ، وترضي الرحمان » (2) . وجاء عن هارون المكفوف ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : « يا أبا هارون ! إنا نأمر صبياننا بتسبيح فاطمة عليها السلام كما نأمرهم بالصلاة فالزمه ، فإنه لم يلزمه عبد فشقي » وأيضاً عن الصادق عليه السلام قال : « من سبح تسبيح فاطمة عليها السلام قبل أن يثني رجله بعد انصرافه من صلاة الغداة غفر له ويبدأ بالتكبير » ثم قال أبو عبدالله عليه السلام لحمزة بن حمران : « حسبك بها يا حمزة » تشريع التسبيح من منّا لا يعرف كفاح فاطمة عليها السلام وكيف كانت حياتها تجري في بيت زوجها علي أمير المؤمنين ـ عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام ـ فالتاريخ يحدثنا أنها كانت قليلة الهجوع في لليل ، وكانت تستغفر الله في الأسحار ، فتقف في محرابها للصلاة حتى تورمت قدماها من كثرة العبادة والدعاء ... وكانت تذوب رقة وخشوعاً في صلاتها وعند دعائها ، ولدى قراءتها القرآن الكريم ... فإذا مرت بآية فيها وعد أو وعيد رددتها في بكاء وحزن ودموع ... هذا كان بعض شأنها في الليل ... أما في النهار ، فقد كانت فاطمة تطحن بالرحى حتى أثّرت الرحى بيدها ، واستقت بالقربة حتى أثرت القربة بنحرها ، وكنست البيت حتى اغبرّت ثيابها ، وأو قدت تحت القدر حتى طبع الدخان أثره على ملابسها وترك لونه على ثيابها وقت العمل بالطبع (2) وبلغ بها الحال أن دخل عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات صباح ، وهي تطحن بالرحى وعليها كساء من وبر الإبل ، وطفلها يبكى إلى جانبها ، فبكي النبي ، وقال « تجرعي يا فاطمة مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة » (3) . وذات مرة ، وقفت فاطمة الزهراء عليها السلام بين يدي أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنظر اليها ، وقد بدت آثار التعب على وجهها ، من شدة الجوع والكفاح ، فوضع يده الكريمة على صدرها ، ورمق السماء بطرفه ، وراح يدعو لها ، والدموع تترقرق في عينيه ، وهو يقول : « يا فاطمة تجرعي مرارة الدنيا ، لحلاوة الآخرة » . وقد تكرر هذا الموقف من رسول الله لفاطمة ، وفي كل مرة يكرر عليها هذه العبارة : يا فاطمة تجرعي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة ... وفي ذلك درس عظيم لكل فتاة تبحث عن النجاح في الحياة .. فيه درس عظيم لكل امرأة تفتش عن السمو .. تفتش عن التكامل في الإسلام . يقول جابر بن عبدالله الأنصاري رحمه الله : رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابنته فاطمة ، وعليها كساء من أجلة الإبل ، وهي تطحن بيدها ، وترضع ولدها ، فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : يا بنتاه تجرعي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة ، فقالت : الحمد لله على نعمائه ، والشكر لله على آلائه (1) . إن فاطمة الزهراء من خلال سيرتها الذاتية هذه تعطي الفتاة المسلمة أعظم درس في الحياة ، يؤدي بها إلى سلوك الصراط المستقيم لتعيش في ظلال رحمة الله سبحانه . أجل .. إن فاطمة تعلم المرأة كيف تصبح فتاةً مسؤولية ... ، تتحمل مسؤولية الأسرة ، والمجتمع في ثقة وشجاعة . ونعلم من سيرة الزهراء أنها لما أرهق بدنها الكدح والنضال ، وأتعبها الطحن بالرحي ، جاءت أباها تمشي على استحياء ، تطلب منه خادمةً تساعدها على تخفيف أعباء المنزل ، وثقل الحياة العائلية التي كانت تكابدها ليلاً نهاراً ، علّها تخفّف عنها بعض همومها . وقفت بين يدي أبيها رسول الله ، مطرقةّ برأسها حياة بعد أن سلمت عليه ، فرد عليها السلام ، وكان من عادته أنه إذا أقبلت عليه فاطمة ، كان يقوم إجلالاً لها ويقبل يدها ثم يجلسها في مجلسه ، فجلست وهي مطرقة برأسها إلى الأرض ، وما كادت تجلس في مكانها ، حتى سألها الرسول الأعظم قائلاً : ما جاء بك ... وما حاجتك أي بنية ؟ فغلبها الحياء ولم تتمكن من سؤال النبي ، فقالت : جئت لأسلم عليك .. وبعد لحظات قامت فودعها النبي ، ورجعت إلى دارها دون أن تحقق هدفها الرامي إلى طلب فتاة لخدمة المنزل . وبعد هذا اللقاء بأيام وجدت فاطمة نفسها لا تستطيع مواصلة العمل دون وجود فتاة إلى جانبها في البيت ، فقررت أن تشكو حالها إلى أبيها الحبيب المصطفى لعله هذه المرة يلبي نداءها ، ويستجيب لدعوتها ، خصوصاً وقد انتصر المسلمون في معارك الجهاد ، فاحرزوا غنائم كثيرة وأموالاً عظيمة .. فقامت فاطمة الزهراء عليها السلام من ساعتها ، وأتت أباها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وطلبت منه خادمة ، فقال لها : يا فاطمة أعطيك ما هو خير لك من خادم ومن الدنيا وما فيها . قالت : وما ذلك يا رسول الله ؟ قال : « تكبّرين الله بعد كل صلاة أربعاً وثلاثين تكبيرة ، وتحمدين الله ثلاثاً وثلاثين تحميدة ، وتسبحين الله ثلاثاً وثلاثين تسبيحة ، ثم تختمين ذلك بلا إله إلاّ الله ، وذلك خير لك من الذي أردت ومن الدنيا وما فيها » (1) . وإليك قضيته كما نقله كتاب من لا يحضره الفقيه : روي أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال لرجل من بني سعدٍ : ألا أحدّثك عنّي وعن فاطمة الزهراء ( سلام الله عليها ) ؟ إنّها كانت عندي فاستقت بالقربة حتّى أثّر في صدرها ، وطحنت بالرحى حتّى مجلت يداها (2) ، وكسحت البيت حتى اغبرّت ثيابها ، وأو قدت تحت القدر حتى دكنت ثيابها (3) فأصابها من ذلك ضرّ شديد ، فقلت لها : لو أتيت أباك فسألته خادماً يكفيك حرّ ما أنت فيه من هذا العمل . فأتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوجدت عنده حداثاً ، فاستحيت فانصرفت ، فعلم صلى الله عليه وآله وسلم أنها قد جاءت لحاجة ، فغدا علينا ونحن في لحافنا ، فقال : السلام عليكم ، فسكتنا واستحيينا لمكاننا ، ثم قال : السلام عليكم ، فسكتنا ، ثمّ قال : السلام عليكم ، فخشينا إن لم نردّ عليه أن ينصرف ـ وقد كان يفعل ذلك فيسلّم ثلاثاً ، فإن اذن له وإلا انصرف ـ فقلنا : وعليك السلام يا رسول الله ادخل ، فدخل وجلس عند رؤؤسنا ، ثمّ قال : يا فاطمة ما كانت حاجتك أمس عند محمّد ؟ فخشيت إن لم نجبه أن يقوم ، فأخرجت رأسي فقلت : أنا والله اخبرك يا رسول الله ، إنّها استقت بالقربة حتى أثّر في صدرها ، وجرّت بالرحى حتى مجلت يداها ، وكسحت البيت حتى اغبرّت ثيابها ، وأوقدت تحت القدر حتى دكنت ثيابها ، فقلت لها : لو أتيت أباك فسألته خادماً يكفيك حرّما أنت فيه من هذا العمل . قال : أفلا اعلّمكما ما هو خير لكما من الخادم ؟ إذا أخذتما منامكما فكبّرا أربعاً وثلاثين تكبيرة ، وسبّحا ثلاثاً وثلاثين تسبيحة ، واحمدا ثلاثاً وثلاثين تحميدةً . فأخرجت فاطمة رأسها وقالت : رضيت عن الله وعن رسوله ، رضيت عن الله وعن رسوله (1) . وعادت فاطمة إلى دارها تحمل معها أعظم هدية ربّانية ، وأكبر عطاء تربوي فكري . تلكم كانت قصة حديث تسبيح فاطمة الذي أطلقوا عليه اسم تسبيح الزهراء ، وشاع صيته في الآفاق وأصبح المسلمون يرددونه في أعماق كل صلاة في خشوع ودموع . ولكن هل انتهت قصة هذا التسبيح العظيم ـ تسبيح الزهراء ـ ؟ كلا .. بالطبع إن تسبيح الزهراء ـ سلام الله عليها يعتبر شعيرة عظيمة ، من شعائر الله التي هي من تقوى القلوب . ونحن نعرف أن فاطمة لها أسلوب خاص ، وسيرة ذاتية تتعامل بها مع شعائر الله .. إن مفهوم الشعائر عند فاطمة يختلف عن مفهوم الآخرين للشعائر .. ولكي تأتي الصورة ـ صورة البحث ـ أكثر وضوحاً ، فإنه لا بد من الدخول في الموضوع من أبوابه العريضة ، ولكن باختصار شديد مع الوضوح الكاملي في الفكرة والتعبير . إن الصفة الملازمة لفاطمة الزهراء ـ هي أنها تستطيع أن تصور الإسلام في كل خطوة تخطوها ، وفي كل شيء تلمسه بيدها الطاهرة وهي ـ أي هذه الصفة ـ وإن كانت موجودة في كل أهل البيت ـ عليهم السلام ـ إلا أنها تتألق في شخص الصديقة فاطمة الزهراء ، بشكل يشد القلوب ، ويبهر الألباب . إن فاطمة تصوّر الإسلام بكل أبعاده حيث تجلس إلى الرحى تطحن فيها القمح والشعير ـ لتسد أود أبنائها وبعلها ومن يلوذ بها في ظل أهل البيت . وإن فاطمة تصور الإسلام بكل أبعاده ، حين تخرج مع أبيها رسول الله في ساحات القتال والجهاد ، تضمّد جراحه وجراح بعلها الوصي ، وتمسح عنهما الآلام والأحزان ، كانت تصور الإسلام ، عندما تستقبل بطل الإسلام علياً أمير المؤمنين ، وهو عائد من الحرب ، فيدفع السيف لها قائلاً : أفاطم هاك السيف غير ذمـيم * فــلست بـرعديدٍ ولا بـملميم أجل .. إنها تصور الإسلام عندما ما تخلع ثوبها ليلة الزفاف وتدفعه لفتاة فقيرة تبدو عليها رقة الحال ، ويسألها أبوها عن ثوبها الجديد ، فتجيبه بقولها : أبتاه يا رسول الله لقد طرقت عليّ الباب فتاة فقيرة تطلب ثوباً فأخذت ثوبي القديم القديم لأدفعه لها .. ولكنني تذكرت قوله تعالى : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) (1) . وأنا أحب الثوب الجديد فآثرتها به على نفسي فخلعت ثوبي الجديد وأعطيته لها ! أية عظمة هذه ، وأية نفس كبيرة تطالعنا بها حياة فاطمة ، وسيرتها العذبة التي تتضوع عطر الجنة ؟! إن فاطمة تخطوها .. وبكل كلمة تقولها .. إن ذلك يظهر بوضوح في خطبتها المشهورة المليئة بالفكر ، والعطاء ، والمبادرة ، ان شعائر الإسلام تتحول إلى سلوك عندها فإذا أنت أمام شعائر تفور بالحركة ، والعطاء ، وتتفجر بالصور الساخنة ، والمعاني الحية وتتحول في النهاية إلى واقع معيوش أساسه الإيمان وركائزه الفضائل وهياكله التسامح والرحمة . ليس عند فاطمة شعائر جامدة ، ولا عبادة راكدة ، ولا طقوس فارغة من المحتوى ، بل الشعيرة الدينية عند فاطمة متدفقة بالعطاء ، مليئة بالمبادرة والانطلاق الصائب نحو الهدف والغاية إن الشعيرة الدينية ـ أية شعيرة ـ من دون فاطمة ، تغدو شعيرة جامدة باهتة ، تجري في رتابة مملّة ، فإذا لمستها فاطمة الزهراء ، لمسة واحدة ، اهتزت ، وربت وأعطت ثمارها ، ان لمسة واحدة من فاطمة للشعائر ، تكفي لتحويله إلى سلوك عملي يمشي في الناس مشية لنور .. وذلك أن فاطمة لا تتامل مع الشعارات الفارغة ، ولا تتعاطى مع الأوهام .. وإنما هي تؤمن بالحق ولا تتعامل إلاّ مع الحق والحقيقة . إن فاطمة الزهراء ـ سلام الله عليها ـ لتضرب آباط الإبل بحثاً عن الحق ورواده .. علماً بأن الحق لا يتمثل إلاّ بها ولكن مع هذه كله ، ففاطمة البتول ، تفتش أبداً عن أهل الحق ، ولا تمشي إلا في طريق الحق ، كوان قلّ سالكوه ، إنها لا تستوحش من طريق الحق لقلة سالكيه .. فإذا كان هناك واحد يمشي معها في هذا الطريق ، فإن ذلك يدخل السرور في قلبها ، ويجعلها تأنس برفيق الإيمان ولهذا كانت إذا نظرت إلى وجه الإمام علي ، تدفقت السعادة في وجهها وإذا نظر علي اليها أشرق وجهه بالبشرى ، حتى كان يقول : إذا رأيت فاطمة انجلت عني الهموم والأحزان ، فهي حين علمها أبوها النبي ، التسبيح المعروف بتسبيح الزهراء ، أخذته بقوة لتحوله ـ رأساً ـ إلى منهج عملي ، وسلوك يتحرك بنوره في الناس .. فهي بدل أن تذهب إلى بيتها نراها ذهبت إلى قبر الحمزة بن عبد المطلب لتصنع من تراب القبر حبات لمسبحتها التي ستدير تسبيح الزهراء فيها ! (1) . ومن هذا القصة والقضية التي حصلت للصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام شرّع هذا التسبيح المنسوب إليها . كيفية التسبيح قد وقع الخلاف بين العامة والخاصة في كيفية تسبيحها عليها السلام ، ومنشاً هذا الإختلاف ناشئ من الأخبار المختلفة في الباب من كلا الفريقين على أن كلاهما يقول عند البدء به بالتكبير ووقوع الإختلاف إنما كان في تقديم التحميد على التسبيح أو العكس ، واختلف أصحابنا والمخالفون في ذلك ، مع اتفاقهم جميعاً على استحبابه . وإليك الأقوال المختلفة في الأخبار عند العامة ثم نقدم بعد ذلك أخبار وأقوال الخاصة من الشيعة الإمامية لكي يتضح لنا بعد ما هو الصحيح . * عن مسند فاطمة للسيوطي : عن ابن شهاب (2) . سمعت أبا هريرة يقول : سمعت (1) للاطلاع اكثر راجع كتاب اعلموا أني فاطمة : 2 | 661 ـ 672 . النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : كلّ أمّتي معافى إلا الجاهرين ، فان من الإجهار أن يعمل العبد بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره ربّه فيقول : يا فلان ، عملت البارحة كذا وكذا ، وقد بات يستره ربّه فيبيت يستره ويكشف ستر الله عنه ... وكان يأمر عند الرقاد ، وخلف الصلاة بأربع وثلاثين تكبيرة ، وثلاث وثلاثين تسبيحة وثلاث وثلاثين تحميدة ، فتلك مائة و .. ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك لابنته فاطمة عليها السلام (1) . * وعن الذريّة الطاهرة المطهرة : ( بإسناده ) عن أبي هريرة ، عن فاطمة ابنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إنها انطلقت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسأله خادماً ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : ألا أدلك على ما هو خير لك من ذلك ؟ إذا أويت إلى فراشك فسبحي ثلاثاً وثلاثين ، واحمدي ثلاثاً وثلاثين ، وكبّري أربعاً وثلاثين ، فهو خير لك من ذلك ، أرضيت يا بنيّة ! قالت : قدر رضيت (2) . * وعن شرح السنّة : ( بإسناده ) عن أبي هريرة قال : جاءت فاطمة عليها السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسأله خادماً ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ألا أدلّك ما هو خير من خادم ؟ تسبّحين الله ثلاثاً وثلاثين ، وتحمدين الله ثلاثاً وثلاثين ، وتكبّرين الله أربعاً وثلاثين عند كلّ صلاة ، وعند منامك . ( هذا حديث صحيح ، أخرجه مسلم بن اميّة بسطام ، ولم يذكر الصلاة ) (3) . * وعن مسند أحمد بن حنبل : ( بإسناده ) عن شهر ، قال : سمعت أمّ سلمة تحدّث ، زعمت أنّ فاطمة عليها السلام جاءت إلي نبيّ الله صلى الله عليه وآله وسلم تشتكي إليه الخدمة : فقالت : يا رسول الله ! لقد مجلت يدي من الوحي ، أطحن مرّة ، وأعجن مرّة ؛ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن يرزقك الله شيئاً يأتك ، وسأدلّك على خير من ذلك . إذا الزمت مضجعك فسبحي الله ثلاثاً وثلاثين ، وكبّري ثلاثاً وثلاثين ، واحمدي أربعاً وثلاثين ، فذلك مائة ، فهو خير لك من الخادم ... (1) . أقول : يظهر من هذه الأخبار التي روتها العامة ان الإختلاف وقع بينهم في قضية تقديم التكبير على التسبيح وبالعكس فالخبر الأول يقدم التكبير والخبر الثاني يقدم التسبيح ومنه يظهر التعارض بين أخبارهم على أنه هناك الكثير من الأخبار التي تنقل لنا هذا الإختلاف فيما بينهم ولا يسعنا المقام لنقل أخبارهم كله فنكتفي بهذه . وأما ما ورد عن الخاصة : * فعن جامع الأحاديث : عن القاسم مولى معاوية : أنّه سمع عليّ بن أبي طالب عليه السلام فذكر أنّه أمر فاطمة عليها السلام تستخدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقالت : يا رسول الله ، انّه قد شقّ عليّ الرحى ـ وأرته أثراً في يديها من أثر الرحى ـ فسألته أن يخدمها خادماً ، فقال : أولا اعلمّك خيراً من ذلك ـ أو قال : خيراً من الدنيا وما فيها ؟ ـ إذا أويت إلى فاشك : فكبّري أربعاً وثلاثين تكبيرة ، وثلاثاً وثلاثين تحميدة ، وثلاثاً وثلاثين تسبيحة ، فذلك خير لك من الدنيا وما فيها (2) . * وع مشكاة الأنوار : قال : دخل رجل على أبي عبدالله عليه السلام وكلّمة فلم يسمع كلام أبي عبدالله عليه السلام وشكى إليه ثقلاً في أذنيه ، فقال له : ما ينعك ؟ وأين أنت من تسبيح فاطمة عليها السلام ؟ قال : جعلت فداك ، وما تسبيح فاطمة عليها السلام ؟ فقال : تكبّر الله أربعاً وثلاثين ، وتحمد الله ثلاثاً وثلاثين ، وتسبّح الله ثلاثاً وثلاثين تمام المائة . قال : فما فعلت ذلك إلا يسيراً ، حتّى أذهب عنّي ما كنت أجده (3) . وعن المحاسن : عن يحيى بن محمد ؛ وعمرو بن عثمان ، عن محمد بن عذافر ، قال : دخلت مع أبي على أبي عبدالله عليه السلام فسأله أبي عن تسبيح فاطمة عليها السلام ؟ فقال : الله أكبر حتّى أحصاها أربعة وثلاثين ، ثم قال : الحمد الله حتى بلغ سبعاً وستّين ، ثم قال : سبحان الله حتى بلغ مائة ، يحصيها بيده جملة واحدة . أقول : هذه الأخبار ظاهرة في تقديم التكبير أولاً ثم يعقبها بالتحميد وبعد ذلك التسبيح .. أما الطائفة من الأخبار التي رواها أصحابنا فهي ظاهرة في أن التسبيح مقدم على التحميد وإليك بعضها : * عن فقه الرضا عليه السلام قال : إذا فرغت من صلاتك فارفع يديك ـ وأنت جالس ـ فكبّر ثلاثاً وقل : لا إله إلا الله وحده وحده [ لا شريك له ] ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، وأعزّ جنده وحده ، فله الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ، وييت ويحيي ، بيده الخير وهو على كلّ شيء قدير . وتسبّح بتسبيح فاطمة عليها السلام : وهو أربع وثلاثون تكبيرة ، وثلاث وثلاثون تسبيحة وثلاث وثلاثون تحميدة ؛ ثمّ قل : اللهم أنت السلام ، ومنك السلام ، ولك السلام ، وإليك يعود السلام ، سبحان ربّك ربّ العزّة عما يصفون ، وسلام على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين . * وتقول : السلام عليك أيّها النبّي ورحمة الله وبركاته ، السلام على الأئمة الراشدين المهديّين من آل طه ويس ... (1) . * وعن الإحتجاج : وسأل عن تسبيح فاطمة عليها السلام ، من سهى فجاز التكبير أكثر من أربع وثلاثين ، هل يرجع إلى أربع وثلاثين أو يستأنف ؟ وإذا سبّح تما سبعة وستين هل يرجع إلى ستّة وستّين أو يستأنف ، وماالذي يجب في ذلك ؟ فأجاب عليه السلام : إذا سهى في التكبير حتّى تجاوز أربعاً وثلاثين ، عاد إلى ثلاث وثلاثين ، ويبني عليها ، واذا سهى في التسبيح فتجاوز سبعاً وستّين تسبيحة عاد إلى ستّ وستّين ، وبنى عليها ، فإذا جاوز التحميد فلا شيء عليه (2) . * وعن التهذيب : عليّ بن حاتم ، عن محمد بن جعفر بن أحمد بن بطّة القمّي ، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب ، عن محمد بن سنان ، وأبو محمد هارون بن موسى ، قال : حدّثنا محمد بن علي بن معمّر ، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن محمد بن سنان عن المفضّل بن عمر ، عن أبي عبد عليه السلام ـ في حديث نافلة شهر رمضان ـ قال : سبّح تسبيح فاطمة عليها السلام ، وهو « الله أكبر » أربعاً وثلاثين مرّة ، و « سبحان الله » ثلاثاً وثلاثين مرّة ، و« الحمد لله » ثلاثاً وثلاثين مرّة ؛ ـ فوالله ـ لو كان شيء أفضل منه لعلّمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إياها (1) . اقول : يظهر من هذه الأخبار اختلافها عن المتقدمة من جهة الحيثية التي استظهرناها ، ومن هنا كان لابد لنا من معالجة الأخبار لكي نخرج هذا الاختلاف عن ظاهرة وتوجيهه التوجيه الصحيح بحيث لا يبقى أي اختلاف وتعارض قال في المختلف : المشهور تقديم التكبير ، ثم التحميد ، ثم التسبيح ذكره الشيخ في النهاية والمبسوط والمفيد في المقنعة وسلار وابن الصلاح وابن ادريس . وقال علي بن بابويه ، يسبح تسبيح الزهراء ، وهو أربع وثلاثون تكبيرة ، وثلاث وثلاثون تسبيحة ، وثلاث وثلاثون تحميدة ، وهو يشعر بتقديم التسبيح على التحميد وكذا قال ابنه أبو جعفر وابن جنيد ، والشيخ في الاقتصاد واحتجوا برواية فاطمة عليها السلام . والجواب : انه ليس فيها تصريح بتقديم التسبيح ، اقصى ما في الباب ان قدمه في الذكر ، وذلك لا يدل على الترتيب ، والعطف بالواو لا يدل عليه ، انتهى . وقال الشيخ البهائي رحمة الله في مفتاح الفلاح : أعلم ان المشهور استحباب تسبيح الزهراء عليها السلام في وقتين : أحدهما بعد الصلاة ، والآخر عند النوم ، وظاهر الرواية الواردة في تسبيح الزهراء عليها السلام على الاطلاق يقتضي تاخيره عنه . والمشهور الذي عليه العلماء في التعقيبات : تقديم التحميد على التسبيح ، وظاهر الروايات المعتبرة الصحيحة ذلك وهي شاملة بأطلاقها لما يفعل بعد الصلاة وما يفعل عند النوم ، وما احتج به بعضهم في كون تقديم التسبيح على التحميد انما يكون عند النوم مردود بكون الرواية التي استدلوها بها غير صريحة في تقديم التسبيح على التحميد فان الواو لا تفيد الترتيب وانما هي لمطلق الجمع على الاصح كما مبين في محله من الاصول ، إلاّ اللهم ان يقال ان ظاهر اللفظ يقتضي ذلك . على انه لم يوجد قائلا بالفرق بين التسبيح عند النوم وبعد الصلاة بل يظهر من خلال تتبع اقوال الفريقين القائلين بتقديم التحميد بتقديم التحميد على التسبيح مطلقا سواء وقع بعد الصلاة كتعقيب او قبل النوم وهذا هو الصحيح ، واما من ذهب بالتفصيل فقوله احداث لقول اخر في مقابل الاجماع الذي عليه الشيعة وهو مخاف كما ترى . التسبيح من شعائر الدين (1) فالتسبيح شعار ، او قل : شعيرة من شعائر الدين ومحتواه الفداء والتضحية والفداء لا يكون إلاّ اذا سبقته تربية ، وهو بعد ذلك كل يحتاج إلى رمز يدل عليه ، وهنا نستطيع بقليل من التركيز والانتباه ان نلمس هذين الشرطين في تسبيح الزهراء ... الشرط الأوّل ، هو الشرط التربوي .. ونلمسه في تركيبة هذا التسبيح الذي علمه النبي ـ صلى الله علي وآله وسلم ـ لا بنته فاطمة الزهراء والتسبيح يتكون من أربع وثلاثين مرة الله اكبر ... وثلاث وثلاثين مرة الحمد لله ، وثلاث وثلاثين مرة سبحان الله ... وفي نظرة واعية نلقيها على هذا الترتيب المتقدم نجد ان التسبيح يبدأ باسم الله وينتهي باسم الله ، فهو لم يبدأ بالحمد الله ، ولابدأ بسبحان الله ، وانما بدأ بالله اكبر . وختم بسبحان الله حتى تكون اول كلمة في التسبيح هي كلمة الله ، واخر كلمة في التسبيح هي كلمة الله . ( الله اكبر .. سبحان الله .. الحمد لله ) . انظروا إلى الكلمتين اللتين احاطتا بالتسبيح كما يحيط الهلال بحفة النجوم في صدره ، هذا هو الشرط الأوّل ، الشرط التربوي .. حيث ظهرت فيه الاشارة واضحة إلى المبدأ والمعاد .. فنحن من الله وسنرجع إليه ... انا لله ، وانا إليه راجعون ، وهذا معناه ان القراءة والدعاء ، والتسبيح وكل حركة في الحياة يجب ان تكون باسم الله ... كما كانت اول كلمة في القرآن : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الاكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان مالم يعلم ) فجعل القراءة منصبة في قالب أدبي تربوي .. ( اقرأ باسم ربك ) أي ان القراءة يجب ان تنصب في اطار تربوي أدبي ، لأنّ التربية مشتقة من الرب ، او كلمة الرب مشتقة من التربية وهو الاصح في اللغة . هذا هو الشرط الأوّل ، اما الشرط الثاني والذي يعني ان هناك رمزاً نتخذ منه قدوة ، واسوة حسنة في تطبيق مضمون التسبيح ، فهو الفداء ، والتضحية ... وهنا تجد فاطمة الزهراء عليها السلام حين اخذت درس هذا التسبيح من أبيها الرسول الاعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم اقول : حين اخذته من أبيها ، هذا الدرس انطلقت به إلى قبر سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب عليه السلام وحين وصلت إلى القبر ، جلست تصنع جبات لمسبحتها من تراب قبر الشهيد ، اجل .. فاطمة تصنع مسبحة من تراب قبر الحمزة من اجل ان تعبق حبات هذه المسبحة برائحة الشهادة ، وتتضوع بعطر الشهيد الذي أقدم الفداء والتضحية ، من اجل الحق ، من أجل ان يحيا الإنسان في أمن وطمأنينة ، من اجل ان يعبد الناس رب العالمين في حرية ودون اكراه .. من اجل اعطاء الناس حرية وحقا وعدالة اجتماعية .. من اجل ان يندحر الظالمون ، وينهزم المستكبرون ويذل الطغاة في الأرض . وفاطمة الزهراء ، هنا تعطي الصلاة بعدا جهاديا تربويا ، انها تعطي العبادات ابعادا توعوية تزيد في رشد الأمة ، وتنقص من غبائها وبلادتها ، نعم انها مسبحة للصلاة ، ولكنها ليست مسبحة جامدة فيها حبات من الطين ... كلا .. انما هي مسبحة مصنوعة من تراب ممزوج بدم الشهادة ونور الولاية .. وهذا هو الذي يجعل للصلاة معنى وقيمة ووزنا . ومن هنا جاءت فكرة السجود على تربة الحسين عليه السلام في الصلاة وذلك حتى نتذكر دائما ان الصلاة لا تقوم في الأرض إلاّ بدماء الشهداء حيث : لا يسلم الشـرف الـرفيع مـن الاذى * حــتى يــراق عـلى جـوانـبه الدم من كل ذلك نخرج بحصيلة نافعة مفادها : ان الشعائر الفارغة لا تؤدي دورا نافعا في الحياة ... بخلاف الشعائر المليئة بالمضمون ، والمحتوى فانها تبني الحياة وتسعد القلوب ، وتربي النفوس ، وهي بعد ذلك قائمة على التقوى ، وملاكها طهارة القلوب وصفاء النفوس . ولهذا نجد الزهراء ، حولت الشعائر الاسلامية إلى سلوك يتحرك في اعماق الإنسان ، وبين يديه ومن خلفه .. ان فاطمة حركت الشعائر في القلوب واعطتها قوة دفع كبيرة يوم استطاعت ان تحرك العواطف ، وكثيراً من المشاعر ، وتغذي العقول بفصاحتها وبلاغتها وقوة بيانها . فهي لم تحرك مشاعر الذين عاصروها ، بل وأيضاً استطاعت ان تؤثر في كل الاجيال ، وفي الشعوب كافة بحيث اصبح اسمها رمزا للفداء والتضحية والبطولة والعظمة . نعم ، عندما يكون للشعار مضمون ، فهذه كانت نظرة الزهراء الثاقبة في التسبيح . الزهراء تعلمت التسبيح من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي تسبيح الزهراء ، نجد ان الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام قد حاولت هذا الشعار إلى سلوك يومي ، وذلك عندما علمها أبوها النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا التسبيح ، ذهبت إلى قبر الحمزة بن عبد المطلب .. وأخذت تصنع من تراب قبره حبات لمسبحتها لتدير بها هذا التسبيح . ومعنى ذلك انها اعطت الشعار محتوى ومضمونا ، ومعنىّ ، أي انها جعلته شعارا حيا ، وليس مجرد كلمات تتحرك بها الشفاه واللسان ، دون ادراك ولا اسيتعاب . ان التسبيح هو تنزيه الله عن البعث ، انه تسبيح يؤكد الحكمة التي اقامهاالله عزوجل عليها الكون والحياة والإنسان .. والشهادة هي قمة هذه الحكمة .. أي ان الشهيد قد بلغ حداً من الحكمة والكمال ليس بعده حد .. وهذه هي الفلسفة ،والرشد ، الذي تريده الزهراء ، انه امتزاج بين التسبيح وبين دماء الشهداء . ان الصلاة من دون دم الشهيد لا تساوي شيئا . او قل ؛ لولا الشهداء لما قام لهذا الدين عمود ، وحمزة هو سيد الشهداء ، طبعا قبل واقعة الط ، وقبل مجيء يوم عاشوراء ، فلما جاء يوم عاشوراء ، يوم الحسين ، اصبح الحسين عليه السلام هو سيد الشهداء ، كما انه سيد شباب أهل الجنة ، وسيد الاحرار في العالم ، انه احتكاك فكري ، وحضاري بين التسبيح وبين دماء الشهداء ، وهذا هو الفارق الذي تنفرد به الحضارة الاسلامية عن غيرها من حضارات خاوية فارغة ، ونحن حينما نصلي على تربة الحسين ، فاننا نقيم هذا المعنى في القلوب ، وهو : ان الصلاة لا تقوم إلاّ بالشهادة ، وذلك نخاطب الحسين في الزيارة ؛ اشهد انك قد أقمت الصلاة » أي اشهد انك بشهادتك قد أقمت الصلاة ، وحفظتها من الضياع ، وانت قد أقمت الصلاة بأهدافها ومبادئها قبل مصرعك ، وقبل يوم شهادتك . على ان السجود هو على التربة الحسينية ، وليس للتربة ، وهماك فرق بين السجود على الشيء والسجود للشيء ، فالسجود للأشياء قطعا حرام . كأن يسجد احد الناس صنعم أي يسجد له لا عليه . في حين ان السجود على التربة انما هو سجود لله وليس للتربة . فالتربة ليست اكثر من انها تحقق مصداق السجود على الأرض لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول : جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا ، ونحن نعرف ان المسلمين كانوا يصلون على تراب المسجد في ايام رسول الله . ثم ان التسبيح جاء في اطار التربية ، فهو يبدأ بالله ، وينتهي بالله ، وانه ليلخص مسيرة الحضارة الاسلامية ، من منطلقها وإلى هدفها .. من الله وإلى الله فهو يبدأ بالله اكبر ... وينتهي بسبحان الله ، فيكون قد بدأ بالله واختتم بالله ، في حتى ان هذا المعنى لم يكن ليحصل لو كان البدأ بالحمد لله مثلاً . اذن : فالتسبيح ـ تسبيح الزهراء ـ قد جاء في اطار تربوي لانه يستقي نوره من القرآن الكريم ، والقرآ، قد جاء للتربية ، واول آية ، وسورة نزلت في القرآن ، نجدها نزلت في اطار تربوي ، فأول كلمة فيه هي : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) . ولم يقل : اقرأ باسم الله مثلاً ، وانما قال : اقرأ باسم ربك وكلمة الرب مأخوذة من التربية ، بمعنى ان القراءة يجب ان تأتي في اطار تربوي . ونفس الشيء في تسبيح فاطمة الزهراء عليها السلام ، وروي في كتاب مزار المفيد عن الإمام الصادق عليه السلام انه قال : ان فاطمة كانت مسبحتها من خيط صوف مفتل معقود عليه عدد التكبيرات ، فكانت عليها السلام بيدها تديرها تكبر وتسبح إلى ان مفتل معقود عليه عدد التكبيرات ، فكانت عليها السلام بيدها تديرها تكبر وتسبح إلى ان قتل حمزة بن عبد المطلب عليه السلام فاستعملت تربته وعملت التسابيح فاستعملها الناس .. (1) . وهنا اود ان اتوقف معكم لحظات نتأمل من خلالها هذا الحديث العظيم اذ لا شك ان ذهابها إلى قبر سيد الشهداء الحمزة بن عبد المطلب الذي هدّ مصرعه قلب النبي فقال في تأبينه : ما وقفت موقفا أغيظ علي من هذا الموقف حيث كانت هند زوجة ابي سفيان قد قامت بأبشع جريمة يمكن ان تقوم بها امرأة في مثل وضع هند آكلة الاكباد ، اذ شقت صدر الحمزة واخرجت كبده وارادت ان تمضغها فحولها الله إلى حجر في فمها فلفظتها ، ثم فلفظتها ، ثم جدعت انفه ، واذنه ، وقطعت اعضاءه وشوهت صورته النورانية بوحشية وحقد يظهران نكسة الشر في طبعها ، والدناءة والخباثة القابعة في داخلها ، والمعروف ان الحمزة بن عبد المطلب ، ويوم شهادته في احد ، كان صائما فأفطر في الجنة مع الشهداء والصديقين والزاكيات الطيبات فيما تغتدي وتروح على روحه الطاهرة ، فهو يومذاك كان يمثل قمة الشهادة ، وسيد الشهداء ، لانه قتل يوم احد ، وأحد قبل يوم كربلاء بقرابة خمسين عاما من الزمن ، ومعنى ذلك الحمزة كان سيد الشهداء بحق ودون منازع ، فماذا يعني بالنسبة لنا ذهاب فاطمة إلى قبر الحمزة سيد الشهداء احد ؟ ... ان فاطمة عندما تذهب إلى قبر الحمزة ، وتصنع مسبحة من التراب الممزوج بدم الشهادة ، فانها تعطينا درساً بليغا في ان اشعار وحده لا يبني مجتمعا ، ويقيم امة ، وانما لابد للشعار من محتوى عملي ، ومنهج تطبيقي ، وبكلمة .. لابد للشعار من ممارسة فعلية وذلك ان الشعار لابد له من هدف يتجه نحوه ، ومن دون هدف ، يغدو تافها لا يثير دهشة احد ، ولا يشد انتباه احد ، ولايربط على قلب احد . واقبح ما يكون ان يرفع الإنسان شعارا يخالفة ، ويعمل ضده ، يقول القرآن الكريم في هذا المضمار : ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون انفسكم ) (2) ولذلك كان ولايزال ملاك الشعائر وتطبيقها .. واصبح تعظيمها يعني العمل بها .. ولا يطبقها إلاّ من امتحن الله قلبه للتقوى ( ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب )(3) . وللفائدة أقول : إنه لا فرق بين الشعار والشعيرة في هذا الموضوع بالذات .. فالشعار جمعه شعارات والشعيرة جمعه شعائر ، وكلها تصب في نهر واحد ، لأنّ الغاية من ذكرها هنا تحقيق غاية سامية ، وهدف شريف رباني واذا كان الشعار وحده لا يبني مجتمعا خاصة ، اذا كان خاليا من محتوى ، فان اهداف الشهادة هي المضمون الجيد للشعار ، وهي المحتوى الراقي لشعائر الله والتسبيح معناه التنزية لله من كل عبث في الكون والحياة والإنسان ، واذا كان التسبيح معناه التنزيه ومعناه معرفة الله ، فمن ـ يا ترى ـ ينزه الله ، ويعرف اكثر من الشهداء ؟ ان الشهيد يشكل قمة حضارية عالية في معرفة الحق سبحانه وتعالى ، ولذلك صنعت فاطمة حبات المسبحة من تراب اقدس شهيد هوى إلى الأرض بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويكفي ان الزهراء حين تصلي وتسبح الله في صلاتها ، تتمثل صورة الشهادة في انصع اشكالها ، واروع معانيها امام عينيها وكفى بذلك فخراً وتربية وارتفاعا في سماء الجد ، وآفاق السماحة والشجاعة ، والفصاحة والمحبة في قلوب المؤمنين ، من هنا جاءت فكرة السجود على تراب كربلاء ، لأن ّ تراب كربلاء تضمن جسد الحسين عليه السلام .. ومن هو الحسين ؟ الحسين بن رسول الله ... الحسين ابن فاطمة .. الحسين الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « حسين مني وأنا من حسين احب الله من احب حسينا » علما بان الرسول قال : « جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا » . فالسجود على الأرض وترابها سنة شريفة متبعة في سيرة النبي الاكرم .. ونحن عندما نسجد على قطعة من تراب كربلاء ونحتفظ بها في جيوبنا فان ذلك يرمز إلى شيئين : الأوّل : اننا نطبق سنة شريفة جارية ، وهي السجود على الأرض وفقا لتعاليم الحبيب المصطفى . والثاني : اننا نتذكر الحسين دائما الذي كان اقرب الناس إلى قلب جده رسول الله ، والذي كان يوم عاشوراء يلبس جبة النبي ، وعمامته .. والقرآن الكريم يقول : ( ما أتاكم الرسول فخذوه ، ومانهاكم عنه فانتهوا ) (1) . وقد أتانا النبي بالحسين وأهل بيته ، فقال : « حسين مني وانا من حسين احب الله من احب حسينا » . فكما ان الزهراء ، تريد ان تجعل اهداف الشهداء نصب عينيها حين تصنع سبحة لها من تراب قبر الشهيد ، كذلك نحن نريد ان نتذكر اهداف الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ حين نصلي على قطعة من تراب ارض كربلاء المقدسة . اذن ففاطمة الزهراء بذهابها إلى قبر الحمزة ، اعطت شعيرة للتسبيح هذه دفقا معنويا ، وحياة ، وعطاء تربويا ، لا حدود له ، هذا بالاضافة إلى انها علمتنا كيف نتعامل مع شعائر الله ، وكيف نحول الشعار إلى سلوك عملي نمشي به في الناس ، على ان تسبيح الزهراء ، قد صبه النبي في اطار تربوي عميق حين جعله يبدأ وينتهي بالله عزووجل . ان نظرة فاحصة نلقيها على هيكل التسبح المذكور ، ترينا بوضوح ، ان التسبيح مؤلف من اربع وثلاثين تكبيرة وثلاث وثلاثين تحميدة ... وثلاث وثلاثين تسبيحة وهذا يعني انه بدأ بالله اكبر . فأول كلمة في التسبيح كلمة الله اذ انه لو بدأ مثلا في التحميد لكانت اول كلمة فيه كلمة الحمد وليس كلمة الله ، وهكذا اراد النبي لهذا التسبيح ان يصب في قالب تربوي كما هو شأن كل الشعائر الاسلامية .. فجعله يبدأ بالله اكبر .. وينتهي بسبحان الله انه بدأ بالله وختم بالله .. وهذا هو المراد من الاطار التربوي في منهج التسبيح .. وهو موافق لسلسلة الفكر الاسلامي في القرآن الكريم ... فنحن نعرف ان اول كلمة نزلت في القرآن هي : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق .. ) والرب كلمة مشتقة من التربية ، بمعنى ان القراءة المطلوبة يجب ان تكون في اطار التربية الربانية .. وإلاّ لكان يقول : اقرأ باسم الله الذي خلق ... ولكنه لم يقل باسم الله الذي خلق ، في هذه السورة بالذات ، وانما قال : ( اقرا باسم ربك الذي خلق .. ) هذا بالاضافة إلى ان القراءة معناها تغذية العقل ، لأنّ العقل يتغذى بالعلم ، ومن دون علم تموت العقول ، وحين يقول الحق سبحانه : اقرا باسم ربك .. فان ذلك يعني غذ عقلك بالتربية العلمية ، حتى يصل عقلك إلى مرحلة الرشد الفكري ، ان لفاطمة الزهراء ـ سلام الله عليها ـ قدرة عجيبة ، ومدهشة على تصوير المعاني الجافة واعطائها صورا حية ، ثم منحها ريشا رقيقا فيه المعاني في ارفع درجات الفهم ، والاسيتعاب وان قدرتها كما قلت آنفا ـ على تصوير قضايا الاسلام تصويرا دقيقا ، لمدهشة جدا ، فما من كلمة تقولها فاطمة ، وما من دمعة تسكبها من عينها ، ومامن خطوة تخطوها فاطمة إلاّ صورت الاسلام بكل ابعاده تصويرا حقيقيا وواضحا ، يبهر الالباب ويأخذ بمجامع القلوب ، وهذه ميزة في أهل البيت لايشاركهم فيها احد من العالمين ... بخلاف غيرهم من الناس ، او بتعبير اكثر دقة بخلاف الآخرين .. فالاسلام الذي يعرضه الاخرون يبدو اسلاما مزيفا مرقعا مهلهلا يضرب بعضه بعضا في حين ان الاسلام يعرضه أهل البيت عليهم السلام يبدوا اسلاما يشد بعضه بعضا ، وله نور وعليه حلاوة وجمال رشيق ، له قوة جذب شديدة ،وبكلمة : الحديث الذي يأتينا من النبي وأهل بيته ، وهم فاطمة وعلي والحسن والحسين ، والتسعة المعصومون ، من ذرية الحسين عليهم السلام . أقول : الحديث الذي أتينا من أهل البيت الذي اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، يأتي حديثا لهم نور هو من نور القرآن ، بل اننا نجد حديثهم يتعانق مع القرآن عناقا طويلا ، في مودة واخلاص .. فليس هناك حديث عن أهل البيت يخالف القرآن ابداً .. ومن هنا جاء حديث الثقلين الشهير الذي تذكره كل كتب الصحاح والحديث بدءا من صحيح البخاري ومسلم ، مرورا بصحيح الترمذي والنسائي وابن ماجه وابي داود ، وانتهاء بمسند بن حنبل والصواعق المحرقة لابن حجر العسقلاني ... كل هذه الكتب قد اجمعت واتفقت على كلمة واحدة وهي : ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي ، وقد نبأني اللطيف الخبير انهما ، أي الكتاب والعترة لن يفترتا حتى يردا على الحوض » . والآن وبعد هذه الجولة السريعة في رحاب التسبيح ، وبعد هذه السباحة في شاطيء تسبيح الصديقة فاطمة الزهراء ـ صلوات الله وسلامه عليها ـ فانه يجدر بنا ان نرجع إلى معالم هذا التسبيح الذي اصبح شعاراً يرفعه المناضلون ، والمجاهدون في وجوه الطغاة والجلادين .. بل ان هذا التسبيح ـ أعني تسبيح الزهراء ـ قد جمع كل مناهج الإنسان المؤمن في ، الحياة فهو يبدأ بالله اكبر .. ثم الحمد لله وينتهي بسبحان الله . وهذه هي مناهج المؤمن ومعالم الإيمان في الأرض . ان تبدأ بسم الله .. وتعتقد ان الله اكبر من كل شيء في هذا الوجود ، انه اكبر من المال ، واكبر من السلطان ، واكبر من لاهل ، والنفس ، والحياة ، واذا كان اكبر من كل هذه الاشياء ، فمعنى ذلك انك تكون على اهبة الإستعداد لأن تضحي بنفسك واهلك ، ومالك وكل غال ونفيس في سبيل كلمة « الله اكبر » .. ومن هنا ندرك السر المكنون الذي جعل الصديقة الزهراء تذهب إلى قبر الحمزة سيد الشهداء وتصنع من تراب قبره حبات لمسبحتها ، وكأنها بهذا العمل تلقنا درسا لاننساه ابدا ، وهو ان كلمة الله اكبر التي جاءت في أول تسبيح الزهراء ، هذه الكلمة لا يحفظها إلاّ الشهداء ، ولا يحصنها من غائلة العوادي إلاّ دماء الشهداء ... ان كلمة الله اكبر .. تعني الصدق والوفاء والاخلاص ، والشجاعة والعفة والزهد ، والشرف الرفيع ، وهذه لاتسلم ابدا من ايدي العابثين إلاّ بسفك المهج واراقة الدماء . وصدق الشاعر حين قال : لا يسلم الشرف الرفيع من الاذى * حتى يــراق عــلى جـوانـبه الدم ويقول أبو القاسم الشابي إذا الشعــب يــوما اراد الحـياة * فــــلابد ان يســــتجيب القـدر ولابــــد للــيل ان يــنجلي * ولابــد للــقيد ان يــنكســــر اجل ... ان فاطمة الزهراء عليها السلام لتدرك جيداً ان هذا الشعار الذي اخذته من النبي لايمكن حفظه إلاّ بالتضحية ، والشهادة ولذلك قامت بخطوة تكريمية للشهداء ، وهي انها جعلت من تراب قبر الشهيد حبات لمسبحتها ، لتدير عليها هذا المنهج الملائكي النوراني الذي سمي : تسبيح الزهراء . ونفس الشيء يقال بالنسبة للحمد ، فالحمد هو اعلى قمة يمكن ان يصل اليها الإنسان ، ومن هنا كانت سورة الحمد ام الكتاب ، لانها جمعت التعبير كله ولخصت مسيرة الأنبياء جميعا في مضمونها ، وكما في التكبير والتحميد كذلك في التسبيح ، وهو سبحان الله وكما قلت سابقا ان هذا التسبيح جاء مصبوبا في قالب ادبي واخلاقي وتربوي ، وذلك انه بدأ بـ « اسم الله » وانتهى بـ « باسم الله » فهو يبدأ بـ « الحمد الله » مثلا لما حصل هذا المعنى وهذا الاطار التربوي الجميل ، وهو مشتق ونابع من قول الله تعالى : ( انا الله وانا إليه راجعون ) اذن تسبيح فاطمة الزهراء ـ سلام الله عليها ـ انما جاء ليزرع في أعماقنا شتائل النور ، ويبادر الحب والعطاء .. لقد جاء هذا التسبيح الجامعي العظيم ، ليشعل في قلوبنا قناديل الامل والرجاء ويمنحنا الطمأنينة والسلام ، ولكي نتذوق حلاوة التسبيح ، فانه لابد لنا من المواظبة على قراءته في أعقاب كل صلاة نصليها وذلك لانه يدفع البلاء عنا ، ويجلب الرزق ويعمنا بسحاب البركة والخير الكثير والله ولي التوفيق (1) . وختاما للموضوع نذكر اهم فوائد وآثار هذا التسبيح المبارك الذي منه رسول الله علينا من لسان ابنته فاطمة علما بان هذه الاثار والفوائد انما اخذناها واستفدناها من خلال عد كبير من الاحاديث المأثورة عن لسان أهل البيت عليهم السلام . 1 ـ ان تسبيح فاطمة عليها السلام من الخير الكثير للمؤمن (1) . 2 ـ من قرأ هذا التسبيح عند النوم بات وله الف حسنة وعند قيامه من نومه ـ الذي قرأ فيه التسبيح ـ له الف حسنة (2) . 3 ـ ان هذا التسبيح مائة باللسان وألف في الميزان وذلك قوله تعالى « من جاء بالحسنة فله عشر امثالها » إلى مائة الف (3) . 4 ـ انه ما عبدالله تعالى بشيء من التمجيد افضل من تسبيح فاطمة

5