أختي الأم.. أخي الأب، يؤكد التربويون أن من أهم عوامل نمو الطفل هو اللعب الذي ينمي حواسه وجسده وعقله، كونه نشاطاً ينغمس فيه الأطفال بحماسة بالغة من تلقاء أنفسهم، ويمضون ساعات طويلة في ممارسته، ومن خلال اللعب تتم عملية التنشئة الإجتماعية، وتكوين الهوية بإيصال المفاهيم الثقافية والمعلومات وتطوير المهارات، ومع أن التربويين وعلماء النفس يختلفون في تفسيراتهم لدوافع اللعب عند الطفل، إلا أنهم يتفقون على ضرورة حرص الآباء بمختلاف أعمارهم وطبقاتهم وأوضاعهم الإقتصادية والإجتماعية والثقافية على تخصيص أوقات يومية للعب مع أطفالهم؛ لذا المربون يتسائلون عن كمية الوقت الذي يمضيه الأب للعب مع أبنائه؟ وإذا كان بعض الآباء يتذكر عدد الحكايات التي رواها لابنه؟ وكم عدد المرات التي فتح فيها الأب الأبواب أمام مخيلة أطفاله نحو عالم الفنون كالرسم والنحت وغيرها باعتبار الطفل متذوقاً صعباً ومشاهداً مهماً؛ لأنه ينتظر على الدوام من يشبع رغباته وحاجاته واستعداداته للارتقاء، وكم اتخذ من المبادرات العملية في المشاركة بألعاب مستوحاة من واقع المجتمع، بعيدة عن ما تفرضه الألعاب الإستهلاكية الأجنبية المستوردة التي تستوعب فقط الوسائل والتقنيات الإلكترونية.
كلنا نعرف الواقع اليوم أن لعب الآباء مع أبنائهم تكاد تكون معدومة في جميع مجتمعات العالم، مع أنها تعد واحدة من أهم الوسائل التربوية التي على الأهل القيام بها كواجب يساهم في تطوير مهارات الأطفال وتنمية خيالهم ومعارفهم، واستيعاب مفاهيم مجتمعهم وإدراك العناصر المكونة له، ففي الماضي كان الأب هو المصدر الأساس للتربية، إذ كان يشكل مع الأم العنصر الوحيد في تنشئة الطفل الإجتماعية، إلا أن هذا بدأ يضيق شيئاً فشيئاً داخل واقع إجتماعي يتحرك ويتغير بسرعة مذهلة، الأمر الذي جعله يلجأ بنفسه إلى وسائل الإتصال الجماهيري وبخاصة البرامج التلفزيونية المتخصصة، وذلك من أجل العثور على الوسائل الكفيلة في التعامل التربوي مع الأطفال،. تلك المكانة التي كان يحتلها الأب لم تعد ما كانت عليه في السابق، لم يعد المصدر الوحيد في التربية، فالإنتشار الكمي والنوعي لوسائل الإتصال وللتلفزيون على وجه الخصوص سمح لسلطات تربوية جديدة بإدخال كل أشكال المعرفة التربوية بإيجابياتها وسلبياتها إلى داخل البيت لتساهم بالقيادة التربوية.
أختي المربية أخي المربي، بسبب التغيرات في مجتمعاتنا يتحتم على الأب أن يكون له حضور فعال في حياة أبنائه، وهذا الحضور يتمثل في وصايا المربين الذين اعتبروا أن التربية التي يمارسها الأب مقرونة باللعب، نشاطاً يعيشه الطفل من خلال وسائل ومواد تعليمية (ألعاب) تشمل ثلاثة مجالات: الحياة العملية، والإدراك الحسي، والتنمية الأكاديمية، إذ تتطور الألعاب من البسيط إلى الأكثر تعقيداً، والأهم من هذا من البيئة المباشرة للطفل لتصل إلى التجريد، لذا على الآباء اليوم إدراك الدور الذي تتعدى مهمة الإنجاب، فعالم اليوم البشري يشكل ظاهرة مركبة تخضع لكثير من الإعتبارات غير البيلوجية التي تحمل في طياتها مسؤوليات تكميلية يعتمد على إنجازها البقاء العضوي للمجتمع واستمراريته الحضارية، وهذه المسؤوليات تعدت أيضاً التربية الجسدية المرتكزة على توفير الغذاء والراحة والحماية إلى مهمة التربية الإجتماعية والنفسية بكل ما تحويه من قيم ومعارف ومواقف ومهارات وغيرها من مقومات الشخصية. وهكذا فإن عملية التغيير الكبيرة التي يمر بها مجتمعنا هي تغيرات غير عادية انبثقت منها انتقالات حضارية والتي أدت إلى ظهور أنماط جديدة في الحياة، ترتبت عليها نتائج ومهمات إجتماعية عميقة، فالأب عليه أن يدرك أن التغيرات المتزايدة هي نتيجة إهتمام الإنسان بإخضاع جميع وجوه حياته إلى عقلانية العلم والتكنولوجيا المتقدمة، فوسائل الإتصال الجماهيري بدءاً بالصحافة وإنتهاءاً بالتلفزيون والكمبيوتر رسمت منعطفات أساسية في تاريخ الإنسانية، وفتحت مراحل تاريخية جديدة في تطور المجتمعات، وخلقت نمطاً جديداً من الإنسان فأصبح للأب حضور تحتمه القيم والأعراف الجديدة، حتى في أول لحظات الولادة في صالات الإنجاب، وهو يشارك في تهيئة المستلزمات الأساسية للطفل الوليد كإعداد الحليب والتناوب بالسهر.. الخ.
قد أكدت آخر استطلاعات الرأي أن الأطفال يعانون من قلة حضور الآباء في حياتهم اليومية، إذ أن 15 بالمئة من الآباء يقضون معدل 30 دقيقة يومياً مع أولادهم، وأكثر الألعاب التي يؤديها الأب عادة مع الطفل لا ترتقي إلى المستويات المطلوبة، لأن الآباء لا يحملون أي قناعة أو رغبة في ممارستهم هذه؛ ولهذا السبب فإن الأطفال يفضلون الأجداد والجدات، كونهم قادرين على المرونة والتعاطف المطلوبين من الطفل.
ويقول أطباء الأطفال أن "التحالف ما بين الأب وأبنائه داخل العائلة له وجود حقيقي في العديد من العوائل في مختلف أنحاء العالم، فالأب الجيد يجب أن يدرك أن عليه احترام الآخرين وأن يكون في الوقت نفسه في موقع احترام الآخرين الذين حوله، وأن يعرف كيف يحب من دون إنتظار المقابل، وأن يكون مقتدراً على الإحتفاظ بقراراته و وعوده مع أطفاله، ومن شأن المشاركة الدائمة في اللعب مع الأطفال أن تقوي مثل هذا الدور.
وحول عملية اللعب مع أطفاله يقول الأطباء وعلماء النفس: إن أدوات اللعب تطورت على مر العصور من الدمية إلى وسائل المواصلات كالسيارة والقطار والطائرة إلى الكمبيوتر والألكترونيات وأدوات الفضاء.. الخ، والطفل يتعامل معها ويكتشفها بلذة كبيرة، فيستوعبها ويدخل ضمن أنظمتها الداخلية، فتصبح جزءاً من شخصيته لتكون هويته الثقافية. إن عملية اللعب سهلة للغاية، إلا أنها في الوقت نفسه مهمة للغاية من الأم والأب على حد سواء، إذ اللعب هو أداة إيجابية في تقويم عقلية الطفل وشخصيته ونموهما، ولهذا السبب فإن الألعاب التي تعتمد على السرعة، ينصح بالإبتعاد عن ممارستها؛ لأنها تسبب عكس متطلباتها التربوية المرجوة. ويقولوا كذلك ((علاقة الطفل مع البالغ أساسية في عملية التربية منذ بدايات الأشهر الأولى في حياة الطفل، وإبتداء من عمر 3 سنوات وما فوق، فإن عامل نوعية اللغة المستخدمة يكون ضرورياً))، لنفترض مثلاً وجود اثنين من الآباء داخل حافلة نقل ومعهما أطفالهما، عندما تتوقف الحافلة بصورة مفاجئة، فإن الأبوين يحذران طفليهما بأن يمسكا بقوة الكرسي أو الأعمدة الحديدية داخل الحافلة، وعندما يسأل الأول أباه عن السبب يجيبه بنعم، أما الأب الثاني فيقول لابنه أنه خلاف ذلك سيسقط، فالطفل الثاني هنا يتعلم كيفية تكوين حوار، أما الطفل الأول فلا يتعلم ذلك، والعملية نفسها تنطبق على برامج الأطفال والعابهم فإذا كانت الألعاب مقتصرة على الأجهزة التكنولوجية والتي تستخدم لغة سهلة للغاية لأجل عملية تشغيلها أمام الطفل، فتلك التي تكتفي بإجابات قاطعة لا تقدم للطفل إلا القليل في تعلم الحوار وإرادته، أما تلك التي تسهب بالإيضاح فتكون قادرة على إثراء عقله. وكما يوحي التربويون فإن الطفل لا يحتاج إلى من يوقظ فيه الإحساس؛ لأنه متذوق لكل الفنون بفطرته وكل ما يحتاجه هو من يغذي هذا الإحساس بالمثيرات من خلال الألعاب بشكل مبدع ودؤوب، والأب قادر على ممارسة هذا الدور السهل أياً كان عمره ومستوى ثقافته، شرط توافر الرغبة، وعليه إيجاد حال من التوازن بين الألعاب الفولكلورية والألعاب الجديدة التي تعتمد على التكنولوجيا، كما يجب توافر المكان، حتى في المساحات الضيقة داخل البيت وعليه التنويع بهذه الألعاب، وأن يساهم بها جسدياً كالألعاب الرياضية بمختلف أنواعها وتلك المتصلة بالفولكلور والتراث والألعاب الفنية التركيبية، والخشبية، والعاب الكلمات والمكعبات وألعاب الدمى والخ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: برنامج همسة أبوية - الحلقة العاشرة -الدورة البرامجية 32