في سورة الروم تنبُأ بفوز الروم على الفرس و هذا التنبأ بالتأكيد يعتبر معجزة ليس من فعل البشر ، ولكن مالدليل على ان سورة الروم نزلت قبل المعركة ، يعني ربما بعد المعركة نزلت سورة الروم وبهذا فأن لا تنبأ فيها ؟
جاء في تفسير الأمثل في ج١٢ص٤٦٦إلى ص٤٧٦:
يتفق المفسرون الكبار على أن الآيات الأولى من هذه السورة نزلت في أعقاب الحرب التي دارت بين الروم والفرس، وانتصر الفرس على الروم، وكان النبي حينئذ في مكة، والمؤمنون يمثلون الأقلية.
فاعتبر المشركون هذا الانتصار للفرس فألا حسنا، وعدوه دليلا على حقانية المشركين و " الشرك "، وقالوا: إن الفرس مجوس مشركون، وأما الروم فهم مسيحيون " نصارى " ومن أهل الكتاب.. فكما أن الفرس غلبوا " الروم " فإن الغلبة النهائية للشرك أيضا، وستنطوي صفحة الإسلام بسرعة ويكون النصر حليفنا.
وبالرغم من أن مثل هذا الاستنتاج عار من أي أساس، إلا أنه لم يكن خاليا من التأثير في ذلك الجو والمحيط للتبليغ بين الناس الجهلة، لذلك كان هذا الأمر عسيرا على المسلمين.
فنزلت الآيات الآنفة وقالت بشكل قاطع: لئن غلب الفرس الروم ليأتين النصر والغلبة للروم خلال فترة قصيرة. وقد حددت الفترة لانتصار الروم على الفرس في بضع سنين.
وهذا الكلام السابق لأوانه، هو من جهة دليل على إعجاز القرآن، هذا الكتاب السماوي الذي يستند علمه إلى الخالق غير المحدود، ومن جهة أخرى كان فألا حسنا للمسلمين في مقابل فأل المشركين، حتى أن بعض المسلمين عقدوا مع المشركين رهانا على هذه المسألة المهمة، ولم يكن في ذلك الحين قد نزل الحكم بتحريم مثل هذا الشرط .
إعجاز القرآن من جهة " علم الغيب " إن واحدا من طرق إثبات إعجاز القرآن، هو الإخبار بالمغيبات، ومثله الواضح في هذه الآيات - محل البحث - ففي عدة آيات يخبر بأنواع التأكيدات عن انتصار كبير لجيش منهزم بعد بضع سنين.. ويعد ذلك وعدا إلهيا غير مكذوب ولا يتخلف أبدا.
فمن جهة يتحدث مخبرا عن أصل الانتصار والغلب وهم من بعد غلبهم سيغلبون.
ومن جهة يتحدث عن خبر لانتصار آخر للمسلمين على الكفار مقترنا لزمان الانتصار الذي يتحقق للروم ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
ومن جهة ثالثة يصرح أن هذا الأمر سيقع خلال عدة سنوات في بضع سنين.
ومن جهة رابعة يسجل قطعية هذا الوعد الإلهي بتأكيدين بالوعد وعد الله لا يخلف الله وعده.
ويحدثنا التأريخ أنه لم تمض تسع سنوات حتى تحققت هاتان الحادثتان ... المزید
فقد انتصر الروم في حربهم الجديدة على الفرس، واقترن زمان هذا الانتصار ب " صلح الحديبية " وطبقا لرواية أخرى أنه كان مقارنا لمعركة بدر، إذ حقق المسلمون انتصارا ملحوظا على الكفار.
المطابقة التاريخية لكي نعرف المقطع التاريخي الذي حدثت فيه المعارك بين الروم والفرس، يكفي أن نعرف في ذلك التاريخ أن حربا طويلة حدثت في عهد " خسرو پرويز " ملك الفرس مع الروم استمرت زهاء أربع وعشرين سنة، حيث دامت من سنة " 604 ميلادية إلى سنة 628 ".
وفي حدود سنة 616 ميلادية هجم قائدان عسكريان في الجيش الفارسي هما: (شهربراز " و (شاهين) على الحدود الشرقية للروم، فهزما الروم هزيمة نكراء، وسيطرا على منطقة الشامات ومصر وآسيا الصغرى، فواجهت الروم الشرقية بسبب هذه الهزيمة حالة الانقراض تقريبا، واستولى الفرس على جميع ما كان تحت يد الروم من آسيا ومصر.
وكان ذلك في حدود السنة السابعة للبعثة!
غير أن ملك الروم " هرقل " بدأ هجومه على بلاد فارس سنة 622 ميلادية وألحق هزائم متتابعة بالجيش الفارسي، واستمرت هذه المعارك حتى سنة 628 لصالح الروم، وغلب خسرو پرويز، وانكسر انكسارا مريرا، فخلعه الفرس عن السلطنة وأجلسوا مكانه ابنه " شيرويه ".
وبملاحظة أن مولد النبي (صلى الله عليه وآله) كان سنة 571 ميلادية وكانت بعثته سنة 610 ميلادية، فإن هزيمة الروم وقعت في السنة السابعة للبعثة، وكان انتصارهم بين سنتي خمس وست للهجرة النبوية، ومن المعلوم أن السنة الخامسة حدثت فيها معركة الخندق، وتم في السنة السادسة صلح الحديبية، وبطبيعة الحال فإن تنقل الأخبار عن حرب فارس والروم إلى منطقة الحجاز ومكة كانت تستوعب عادة فترة من الزمان، وبهذا ينطبق هذا الخبر القرآني على هذه الفترة التاريخية بوضوح " فلاحظوا بدقة ".