بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
اهلا بكم في تطبيقكم المجيب
((ان حضورهم (عليهم السلام) ليس حضورا ب نيا حتى ياتي الاشكال وانما هو حضور روحي وإمّا في قالب أو قوالب مثالية لأِجسادهم الطاهرة لا بأجسادهم نفسها فحينئذٍ ينحل الإشكال، لأن الأرواح لها قابلية التنقل في الشرق والغرب في الدنيا والآخرة، هذا من جهة
ومن جهةٍ أخرى يمكن أن يكون المراد – والله أعلم – ان صورهم المثالية لهياكلهم المقدسة تتجلى – طبق الأصل تماماً – لكل محتضرٍ مؤمنٍ وكافر، محب ومبغض كما تتجلّى صورة الشيء في المرآة ولكن مع أرواحهم الشريفة، وما أكثر الدلائل الفعلية والوجدانية التي يستدل بها على ذلك ووقوعها بالفعل ومنها ما اخترعه المخترعون من أهل الشرق والغرب من الأقمار الاصطناعية وآلاتها المنوعة، وآلات التلفاز والفيديو وغيرها التي – بواسطة الكهرباء، وما أودع الله في هذا الفضاء من قابلية – تصوّر لمتقنيها والحاضرين عندها صورة الأشياء وصورة المذيع أو المذيعة وتسمعهم صوته، وتريهم حركاته وسكناته طبق الأصل في سائر أنحاء العالم، بل بواسطة الأقمار الاصطناعية وآلاتها يصورون لأهل الأرض ما في السماء وما في السماء لأهل الأرض.
هذا ما اخترعه المخترعون من غربيين وشرقيين وأين مزاياهم من مزايا المبدع المكون، وفي الحقيقة لم يتوصل المخترعون لهذهِ المخترعات وأمثالها التي كانت غاية في الإبداع والدقة – إلاّ من فيض واجب الوجود الذي صرّح في كتابه الكريم:(عَلَّمَ الإِْنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) [العلق/6]، أفترى أنّ الله الذي خلق كل شيءٍ وهو على كل شيءٍ قدير يعجزه ان يُري المحتضر مثالاً كاملاً لرسوله وأهل بيته مع أرواحهم الشريفة؟ لِيرى محبهم جزاء محبته للهِ ولرسوله وأهل بيته؟ ويرى مبغضهم أيضاً جزاء بغضه لهم، كما قد وردت نصوص عديدة تصرح بأن المحتضر يمثل له النبي(صلى الله عليه و آله) والأئمة الأطهار، ومن تلك النصوص ما رواه جلّ علمائنا المحدِثّين كالكليني والصدوق، وابن شعبة، وغيرهم بأسانيدهم عن سدير الصيرفي قال: لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك يا بن رسول الله هل يكره المؤمن على قبض روحه؟ قال: لا والله انه إذا أتاه ملك الموت لقبض روحه جزع عند ذلك، فيقول ملك الموت: يا وليّ الله لا تجزع فوالذي بعث محمداً(صلى الله عليه و آله) نبياً لأنا أبرّ بك وأشفق عليك من والدٍ رحيم لو حضرك، افتح عينيك فانظر قال: ويمثّل له رسول الله(صلى الله عليه و آله) وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذريتهم، فيقال له: هذا رسول الله وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة رفقاؤك، قال: فيفتح عينيه فينظر وينادي روحه منادٍ من قبل ربّ العزة فيقول له:(يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) إلى محمد ووصيّه وأهل بيته،(ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيةً) بالولاية(مَرْضِيَّةً) بالثواب،(فَادْخُلِي فِي عِبَادِي) يعني محمداً وأهل بيته،(وَادْخُلِي جَنَّتِي) فما من شيءٍ أحب إليه من استدلال روحه واللحوق بالمنادي(١).
ومن النصوص التي تصرح بأن المحتضر يُمثل له النبي(صلى الله عليه و آله) وسائر أصحابه إلى الله أخياراً كانوا أو أشراراً ما رواه الكليني في (أصول الكافي) بسنده عن علي أمير المؤمنين(عليه السلام) انه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه و آله): انظروا مَن تحادثون فإنه ليس من أحد ينزل به الموت إلاّ مُثّل له أصحابه إلى الله، وفي نص: مثّلت له أصحابه في الله ان كانوا أخياراً فخيارا، وان كانوا أشراراً فشراراً، وليس أحد يموت إلاّ تمثلّتُ له عند موته(٢).
ومن جهة ثالثة يمكن أن يكشف الله الحجب ويزيل الأغطية عن أبصار المحتضرين ويريهم النبي(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته بأجسادهم الطاهرة الأصلية، وأرواحهم المقدسة، ويسمعهم أيضاً كلامهم ويريهم سائر حركاتهم وسكناتهم(عليهم السلام) في جناتهم ومقامهم السامي عند ربهم.
ونستدل على هذا المعنى من عظيم قدرة الله عَزّ وجَلّ الباهرة بما قصّه الله لنا في القرآن المجـيد من إنه تبارك وتعالى يُـطلع أهل الجنة – وهم في الجنة – على أهل النار، كما يطلع أهل النار – وهم في النار – على أهل الجنة، ويخاطب بعضهم بعضاً، ويسمع بعضهم خطاب بعض، بالرغم ممّا بينهم من بعد المسافات وكثرة الحجب التي لا يعلمها إلاّ الله.
وهذا المعنى قد استعرضه الله سبحانه بآيات عديدة من القرآن المجيد منها قوله تعالى في سورة الأعراف:(وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) إلى قوله تعالى:(وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنْ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) [الأعراف/45-51].
ومن الآيات التي تصرح بتساؤل أهل النار قوله تعالى في سورة المدثر:(فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ(40)عَنْ الْمُجْرِمِينَ(41)مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42)قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) [المدثر/41-44]، ومنها في سورة الصافات ممّا يجري فيما بين أهل الجنة من التساؤل:(فأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ(50) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ(51)يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ(52)أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ(53)قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ(54)فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ(55)قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِي(56)وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنْ الْمُحْضَرِينَ) [الصافات/51-58].))(منقول بتصرف)
ــــــــــــــــــــ
١- (فروع الكافي) ج3 ص127 ط طهران، و(تحف العقول) ج1 ص35، و(فضائل الشيعة) للصدوق كما في (علي والشيعة) ص152 ط الآداب النجف، والمجلسي في (البحار) ج6 ص196 نقلاً عن (الكافي) و(تحف العقول).
٢- (الشافي في شرح أصول الكافي) ج7 ص233.
تحياتي لكم
ودمتم بحفظ الله ورعايته