١- معنى البرزخ : البَرْزَخ في اللغة : الحاجز بين شيئين (۱)، وهو العالم المتوسط بين الموت والقيامة، يُنعّم فيه الميّت أو يعذّب حتّى تقوم الساعة (۲)، قال تعالى : {وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (المؤمنون :١٠٠)، والآية ظاهرة الدلالة على أنّ هناك حياة متوسطة بين حياتهم الدنيويّة وحياتهم بعد البعث.
وقال الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسيرها: "اَلْبَرْزَخُ اَلْقَبْرُ وَ فِيهِ اَلثَّوَابُ وَ اَلْعِقَابُ بَيْنَ اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةِ" (٣)
٢- أمّا العذاب والنعيم في القبر فالأدلة عليه من القرآن والسنة أكثر من أن تحصى، وهذه بعض الأدلة القرآنية كما طلبت :
أ- يقول تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ} (غافر: 46).
فالآية صريحة وهي تتحدث عن عذابين: عذاب قبل يوم القيامة وعذاب في يوم القيامة، والعذاب الذي قبل يوم القيامة هو الذي يصطلح عليه بعذاب القبر أو عذاب البرزخ.
ب- يتحدث سبحانه عن أصحاب الأخدود فيقول: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَ لَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ}(البروج: 10 )
وهنا الآية صريحة أيضاً في الحديث عن عذابين : عذاب جهنم، وعذاب الحريق، ومن المعلوم أن عذاب جهنم هو عذاب الآخرة، ويبقى عذاب الحريق هو عذاب البرزخ أو ما يسمى بعذاب القبر.
ج- ويقول سبحانه وتعالى عن الشهداء: {وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّـهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ} (آل عمران : ١٦٩-١٧٠. )
فهذه الآيات صريحة في نعيم البرزخ؛ لأنها تتحدث عن مرحلة لا يمكن أن يكون المراد بها يوم القيامة؛ لأنه في يوم القيامة لا يوجد هناك من ننتظره للحضور، فالكل سيحشر وينتقل إلى الدار الآخرة ولا يوجد من يبقى وراءنا حتى ننتظره ونتمنى لحوقه بنا، فالآية صريحة في الدلالة على عالم البرزخ.
٣- أمّا سؤال منكر ونكير ففي عالم البرزخ يُنزِل الله سبحانه على الميّت وهو في قبره ملكين، وهما منكر ونكير، فيقعدانه ويسألانه عن ربّه الذي كان يعبده، ودينه الذي كان يدين به، ونبيّه الذي أُرسل إليه، وكتابه الذي كان يتلوه، وإمامه الذي كان يتولّاه، وعمره فيما أفناه، وماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، فإن أجاب بالحقّ استقبلته الملائكة بالروح والريحان، وبشرته بالجنّة والرضوان، وفسحت له في قبره مدّ البصر، وإن تلجلج لسانه وعييّ عن الجواب، أو أجاب بغير الحقّ، أو لم يدرِ ما يقول، استقبلته الملائكة بنُزلٍ من حميم وتصلية جحيم، وبشّرته بالنار.
وقد تظافرت بذلك الأخبار الصحيحة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام) واتّفق عليه المسلمون (٤)، فهو ممّا يجري مجرى الضرورة من الدين.
قال الإمام الصادق عليه السلام : "من أنكر ثلاثة أشياء ، فليس من شيعتنا : المعراج ، والمُساءلة في القبر ، والشفاعة" (٥)
وأخيراً أبين لكم شيئاً وهو: أن عذاب القبر ونعيمه ليس يشمل الجميع، بل يمكن تقسيمهم على ثلاث طوائف:
الأولى: مقبورون يُلهى عنهم،
الثانية: ينعمون، وهم من محض الإيمان محضاً،
الثالثة: يعذبون، وهم من محض الكفر محضاً، فقد ورد في بعض مصادرنا أن طائفة من الناس يلهى عنهم، فقد ورد عن أبي عَبْدِ اَللَّهِ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ): "لاَ يُسْأَلُ فِي اَلْقَبْرِ إِلاَّ مَنْ مَحَضَ اَلْإِيمَانَ مَحْضاً أَوْ مَحَضَ اَلْكُفْرَ مَحْضاً وَ اَلْآخَرُونَ يُلْهَوْنَ عَنْهُمْ"(الکافي ج ٣، ص ٢٣٥).
قال الشيخ المفيد في المسائل السروية
المسألة الخامسة:
قد ورد عن أئمة الهدى عليهم السلام أنهم قالوا : " ليس يعذب في القبر كل ميت، وإنما يعذب من جملتهم من محض الكفر، ولا ينعم كل ماض لسبيله، وإنما ينعم منهم من محض الإيمان محضا، فأما سوى هذين الصنفين فإنه يلهى عنهم ".
وكذلك روي أنه لا يسأل في قبره إلا هذان الصنفان خاصة.
فعلى ما جاء به الأثر من ذلك يكون الحكم (5) ما ذكرناه.
وأما كيفية عذاب الكافر في. قبره، ونعيم المؤمن فيه، فإن الأثر أيضا قد ورد بأن الله تعالى يجعل روح المؤمن في قالب مثل قالبه في الدنيا، في جنة من جنانه، ينعمه فيها إلى يوم الساعة، فإذا نفخ في الصور أنشأ جسده الذي بلي في التراب وتمزق، ثم أعاده إليه وحشره إلى الموقف، وأمر به إلى جنة الخلد، فلا يزال منعما ببقاء الله عز وجل.
غير أن جسده الذي يعاد فيه لا يكون على تركيبه في الدنيا، بل يعدل طباعه ويحسن صورته فلا يهرم مع تعديل الطباع، ولا يمسه نصب في الجنة ولا لغوب.
والكافر يجعل في قالب كقالبه في الدنيا، في محل عذاب يعاقب به، ونار يعذب بها حتى الساعة، ثم ينشأ جسده الذي فارقه في القبر، ويعاد إليه، ثم يعذب به في الآخرة عذاب الأبد، ويركب أيضا جسده تركيبا لا يفنى معه.
ـــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
١- لسان العرب / ابن منظور ـ برزخ ـ ٣ : ٨.
٢- تفسير الميزان / الطباطبائي ١ : ٣٤٩.
٣- تفسير القمي ١ : ١٩، بحار الأنوار / المجلسي ٦ : ٢١٨ / ١٢.
٤- راجع : الكافي / الكليني ٣ : ٢٣٢ / ١ و ٢٣٦ / ٧ و ٢٣٨ / ١٠ و ١١ و ٢٣٩ / ١٢ ، الاعتقادات / الصدوق : ٥٨ ، تصحيح الاعتقاد / المفيد : ٩٩ ـ ١٠٠ ، شرح المواقف / الجرجاني ٨ : ٣١٧ ـ ٣٢٠.
٥- أمالي الصدوق : ص٣٧٠ / ح٤٦٤.