هل الأخلاق ثابتة ام متغيرة ام كلاهما ؟
إن كانت كذلك، فهل التشريع الإلهي يكون قائم على الأخلاقيات الثابتة فقط ام يعتبر المتغير منها (نسبة الى البيئة والمجتمع والمستوى الاخلاقي له)؟
والأخلاقيات غالبا قائمة على "ما يضر فهو سيء وما ينفع فهو جيد" لكن مع التطور العلمي اتضح للبشر أن بعض ما كانوا يعتبروه نافع ومقبول ضار في الحقيقة. سواء من ناحية طبية او نفسية.
وما كان مقبولا ومباحا في المجتمعات الماضية "كالعبودية وملك اليمين" ويعتبر شيء قبيح في عصرنا مع التطور الاخلاقي للانسان، أيعتبر من الاخلاقيات الثابتة اي انه مقبول في جميع الاحوال؟ ام انه تنازل اخلاقي نظرا لوعي المجتمع والظروف المحيطة به؟
إن كان ثابتًا، فأين كرامة الإنسان من هذا؟
وإن كان تنازلاً، فهل يدل هذا على وجود أخلاقيات متغيرة ؟
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ابنتي الكريمة تتسم الأخلاق في جوهرها بالثبات فهي مستمدة من فطرة الإنسان وقيم العدل والإحسان التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان.
وهذا الثبات يشكل الأساس المتين للأخلاق ومبادئها الأصيلة.
وفي المقابل تتجلى بعض التطبيقات والمظاهر الأخلاقية في صورة متغيرة تتأثر بالظروف الاجتماعية والثقافية والوعي البشري المتجدد. وهذا التغير لا يعني الإخلال بالثوابت بل هو تكييف ذكي للمبادئ الأساسية مع المستجدات بما يخدم المصلحة الإنسانية وكرامة الإنسان.
والتشريع الإلهي يقوم على الأخلاقيات الثابتة التي تمثل المبادئ العليا كتحريم الظلم والأمر بالعدل وهذه لا تتبدل، ولكنه في الوقت نفسه يتسع ليشمل جوانب متغيرة تستوعب تطور المجتمعات والوعي الإنساني، وهذا التكييف يظهر في قواعد مثل "لا ضرر ولا ضرار" التي تمنح مرونة لتحديد ما هو نافع أو ضار بناءً على المعرفة المتوفرة في كل عصر.
كما أن تطور العلم يكشف لنا باستمرار عن جوانب جديدة لما هو مفيد أو مضر لذلك يتطور فهمنا وتطبيقاتنا الأخلاقية دون المساس بالجوهر.
وبخصوص قضايا مثل العبودية وملك اليمين فهي من المسائل التي تتطلب فهما عميقا للسياق التاريخي والتشريعي.
والإسلام وضع أسسا واضحة لتحرير العبيد ونهى عن استعباد الأحرار وعامل العبودية الموجودة حينذاك كواقع اجتماعي تدريجيا للوصول إلى إلغائها مع التأكيد على كرامة الإنسان وتفضيله لقوله تعالى في سورة الإسراء الآية (٧٠): {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً}.
هذا التعامل الحكيم كان يهدف إلى تغيير تدريجي للمجتمعات نحو الفضيلة والعدل.
والكرامة الإنسانية مبدأ ثابت وأصيل في الإسلام فالله سبحانه وتعالى كرم الإنسان وهذا التكريم ليس مرتبطا بظروف الزمان والمكان بل هو حق أصيل لكل إنسان.
والتشريعات التي قد تبدو لنا في عصر سابق مقبولة ينبغي فهمها ضمن سياقها التاريخي كخطوات تدريجية نحو تحقيق كمال كرامة الإنسان، والتطور الأخلاقي للمجتمعات هو دليل على قدرة الإنسان على فهم أعمق للعدل والإحسان وهو ما يسعى إليه التشريع الإلهي، والله تعالى من كمال حكمته وتقديره لم يلزم المجتمعات بما لم تكن مستعدة له في حينه ولكنه وضع لها الأسس والمرتكزات التي تدفعها نحو الكمال.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا لفهم ديننا وإصلاح دنيانا.