السلام عليكم
قال تعالى : ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ﴾.
هل يُفهم من هذا التعليق الشرطي أنّ إباحة التعدّد جاءت في سياقٍ مخصوص، غايته صيانة اليتيمات من الجور، وأنّ أصل الإباحة مرتبط بالخوف من عدم العدل في حقهنّ، لا بإطلاق الرغبة؟ أم أنّ للآية عند أهل التفسير وجوهًا أعمق، يتقدّم فيها بيان الحكمة الشرعية على ظاهر الشرط اللغوي، بحيث لا يصحّ حصر التعدّد في هذا السياق وحده؟
وبعبارة اخرى : هل جرى عبر الزمن تداول معنى مبتور للآية، حُمل على غير مقصده، أم أنّ التفسير المعتمد عند العلماء يحمل دلالة أوسع وأرسخ مما هو شائع بين الناس اليوم ؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
ذكر الدكتور عادل عباس النصراوي في كتابه (التوجيه الدلالي لآيات الأحكام) صفحة (١١٩) في ما ينفع في بيان ذلك، بغض النظر عن الجواب بإن الروايات بينت ذلك، وأن النبي وأهل بيته (صلوات الله عليهم وسلامه) تزوجوا ولم يتقيدوا باليتامى، بل التعدد بمطلق النساء غير المحرمات، فهذه أجوبه موجودة، ولكن ننقل لكم هذا الكلام لِمَا فيه من بيان لغوي وتاريخي:
(الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا﴾.
الدلالة المركزية والمحورية في هذه الآية المباركة هي العدالة في معاملة الزوجات سواء كنَّ من اليتامى أم من غيرهن، وبيان العدد المسموح للزواج بهنَّ، بعد أن كان العرب يتزوّجون ما شاء لهم، فقد ورد أن غيلان بن أمّية عندما أسلم كان تحته عشر نسوة، فأمره النبي (صلى الله عليه وآله) أن يختار أربعاً منهنّ ويفارق سائرهن، وذُكِر أيضاً أنّ القيس بن الحارث كان عنده ثمان نسوة حرائر فذكر ذلك للنبي (صلی الله علیه و آله) فأمره أن يختار أربعاً منهنّ.
فتعدّد الزوجات نظام شائع عند العرب وغيرهم من الأقوام كالرومان، حتى عجزت عن محوه القوانين الصارمة، وكان هذا نظام اجتماعي عند قبائل الجرمان كذلك، وكان مباحاً عند المصريين، وقد مارسه الاغريق وأباحته التوراة، وكان اليهود يمارسونه في أوربا في القرون الوسطى، وما زالوا يمارسونه في البلاد الإسلامية.
عندما جاء الإسلام أخذ يقنّن هذه المسألة ويضع لها ضوابط تكفل العدالة في ذلك، فناشد المؤمنين بضرورة أن يكونوا هم من يعمل على بسط العدالة والمساواة في الزواج وخاصة عند تعدّد الزوجات.
ربما يعود سبب عدم العدالة إلى أنّ بعض القبائل كانت تنظر للمرأة نظرة بغضٍ لأنّها في نظرهم تجلب العار عند سبيها وأخذها أسيرة، فكان العربي عندما تلد له زوجته بنتاً يئدها لعارها حتى نهت السماء عن ذلك فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ*بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾، وقد يبيت الرجل عند غير أهله بسبب ذلك، وهذا أبو حمزة الضبيّ هجر امرأته وكان يقيل ويبيت عند جيرانٍ له حين ولدت امرأته بنتاً، فمرّ يوماً بخبائها وإذا هي ترقّصها وتقول:
ما لأبي حمزة لا يأتينا يظلُّ في البيت الذي يلينا
غضبان ألاّ نلد البنينا تاللهّ ما ذاك في أيدينا
وإنّما نأخذ ما أعطينا ونحن كالأرض لزارعينا
ننبت ما قد زرعوا فينا
فغدا الشيخ حتى ولج البيت فقبّل رأس امرأته وابنتها.
وقد يرجع نظام تعدّد الزوجات في مثل هذا الحال وشيوعه إلى الحروب والى وقوع النساء في الأسر، فيكون الأولاد منها تابعين لمن يأسرها ويلتحقون به ويأخذون نسبه لأنها تكون ملكاً له، فلذلك عُوملت الزوجة بعد وفاة زوجها معاملة التركة.
ولهذا ولغيره شدّد الإسلام على ضرورة العدل والقسط مع النساء وخاصة اليتيمات منهنّ.
فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ فالخوف في أصل معناه في اللغة الفزع، وأوردها علماء العربية في الأضداد.
قال أبو عبيدة: ومن الأضداد الخوف، يقال: خاف يخافُ خوفاً، من الفزع الذي لا يتيقَّن، وخافَ يخافُ خوفاً إذا أيقن الشيء، وقال جلّ أسمه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا﴾ أي ايقنتم، وقوله: ﴿إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ أي يوقنا بذلك) وإنّما مرجع ذلك إلى كون الفعل "خاف" يتعدى إلى مفعوله مرة بـ (مِنْ) فيكون معناه الفزع الذي لا يتيقّن، ويتعدّى بـ (على) فيكون بمعنى التيقّن في وقوع الفزع، فلما أطلق الفعل في هذه الآية احتمل الأمرين، لذا جعل الله تعالى تقدير ذلك لأولي الأمر بعدما عرفوا حدوده في عدم السطو على أموال اليتامى من النساء والاستحواذ عليها في إجبارهن على النكاح بهم لأجل ذلك.
فاطلاق الخوف بعدم استعمال حرف الجر المناسب قد أوقعَ المعنيَيْن لأجل أخذ الحيطة والحذر والتدبّر في نكاح يتامى النساء، فأرشدهم تعالى في مثل هذه الحالة إلى نكاح ما كانوا هم على يقين من عدم الوقوع في الجور اتجاه النساء ووافق هذا التعدّد في احتمالات الدلالة في (خفتم) إنه تعالى أردفها بـ(ألاّ تقسطوا) والإقساط هو العدل وزيادة في معنى آخر، لأنَّ العدل ضد الجور، والزيادة تتمثل بالقسمة التي يقسها الذي يقدرها أو من اختصّ بها في أمرٍ ما، لأنّ الإقساط هو تمثيل لما يقدّره المقسط، ومصداق ذلك ما نقله ابن منظور إذ يقول: (وفي الحديث: أنّ الله لا ينام ولا ينبغي ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، القسط: الميزان، سمي به من القسط العدل، أراد أن الله يخفض ويرفع ميزان أعمال العباد المرتفعة إليه وأرزاقهم النازلة من عنده كما يرفع الوزّان يده ويخفضها عند الوزن، وهو تمثيل لما يقدّره الله وينزله)، فجعل من المقسط هو الذي يضع الموازين ويقدّرها كما يرفع الوزّان يده ويخفضها عند الوزن ليحكم بالعدل، لذا فأنّ دلالة القسط هي العدل متصّلة بمن يقدّر ذلك العدل، فهي دعوة لأولياء الأمر في اليتامى أن يكونوا عادلين في ولايتهم، وهم الذين يقدرون ذلك لأنهم أعرف بأمر اليتامى من غيرهم فضلاً على كونهم محاسبين أمام الله تعالى يوم القيامة، زيادة في دلالة الخوف فوسّعَه تعالى بعد تقييد فعل الخوف بحرف الجر، فأطلق المعنى لتوسعة معنى الإقساط.
وقد ذهب غير واحد إلى أنّ هذه الجملة القرآنية لا تعنىَ بنكاح اليتامى من نساء المسلمين وإنما تختص بولايتهم والخوف من عدم العدل فيهم، وهذا بعيد بدلالة قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ... المزید ﴾، فضلاً على أن محور حديث الآية النكاح أصلاً، وعليه فانّ تقدير (في نكاح اليتامى) أو (في مهورهن وفي النفقة عليهن) يكون هو الأوْلى ويعضده ما جاء من سبب النزول إذ روي عن عائشة إنّها قالت: نزلت في اليتيمة التي تكون في حجر وليّها فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن ينكحها بدون صداق مثلها فنهوا أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا لها صداق مثلها وأُمِروا أن ينكحوا ما طاب مما سواهن من النساء إلى أربع.
وسقوط غير هذا مما روي عن سبب النزول.
وقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ شرط، وجوابه "فانكحوا"، ويعِضّده ما ذكرناه في سبب النزول، وهو المروي عن عائشة والإمام محمد الباقر (عليه السلام)، ومما يلفت النظر فيه أن فعل الشرط جاء ماضياً، وذهب النحاة إلى أنّ معناه الاستقبال وفي ذلك إنزال غير المتيقّن، وغير الواقع منزلة الواقع، وهذا يدلّل أن الخوف من عدم العدل واقع لا محالة بدلالة الزمن الماضي الذي ورد فيه فعل الخوف وعدم الإقساط، جاء عن ابن جني: (وكذلك قولهم: إن قمتَ قمت، فيجيء بلفظ الماضي والمعنى "معنىَ المضارع"، وذلك انه أراد الاحتياط للمعنى، فجاء بمعنى المضارع المشكوك في وقوعه بلفظ
"الماضي المقطوع"، حتى كأنَّ هذا قد وقع واستقرّ لا أنّه متوقّع مترقّب، وهذا تفسير أبي عليّ عن أبي بكر وما أحسنه).
وهذا يدلّل على وقوع عدم العدل مع الزوجات في كلّ الأحوال، ولذلك نجد تكرار فعل عدم العدل والخوف منه أكثر من مرة في هذه الآية، فذكر (إلا تقسطوا، إلا تعدلوا، إلا تعولوا) والأخيرة جاءت بمعنى "إلا تعدلوا" على أصحّ الأقوال.
وقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾، هو جواب للشرط (وان خفتم)، وقد جاء بصيغة الأمر في (فانكحوا) إلاّ أنّه لا يدلّ على وجوب النكاح في حال بدلالة التخيير بين الحرائر ومِلك اليمين في ذيل الآية المباركة، وقوله تعالى: ﴿ مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ جاء على سبيل الإطلاق في العدد ثمّ قيّد هذا الإطلاق باثنين وثلاثة وأربعة على البدلية، ولو قيل لماذا استعمل (ما) وهي لغير العاقل بدلاّ من (مِن) للعاقل، والجواب أن الموضع هنا موضع إبهام فيليق به استعمال "ما" فلا يقصد فيه التفصيل والتخصيص وإنما قصد الصفات والأجناس فحَسُنَ لذلك استعمالها دون (من)، أي جنس النساء المستطابة من الرجال في الأمور الزوجية وبناء الأسرة السليمة، لذا فأنّ هذا يأخذ بنا إلى القول بعدم إجبار المرأة على الزواج إلاّ بمن ترضىَ به وان لا تكون دون سن البلوغ، ولعلّ لفظة (طاب) توحي بذلك، إذ إنّ دلالتها تعني النضج، فالبنت التي هي في سن دون سن البلوغ لا يمكن أن يأتي ثمارها من حيث مواضع الزوجية والإنجاب وغيرها.
وربما يعني بـ (ما طاب لكم) من الزواج المحلل، وقد حدّد تعالى النساء التي يحرم الزواج بهنّ.
وقد تعدّدت المناكح في العصر الجاهلي واختلط في بعضها النسب بسبب عدم وجود الضوابط التي تحدّدها. فمن المناكح الجاهلية التي حرّمها الإسلام ما يدعى بزواج المقت، وهو أنّ يتزوّج الرجل امرأة أبيه إذا طلقها أو مات عنها، وكان يفعل بالجاهلية وحرّمه الإسلام .
ومنها أيضاً ما يسمى بزواج الضيزن، وهو من مناكح المجوس، فيتزوّج الرجل منهم امرأة أبيه وامرأة ابنه، وقد تناوب ثلاثة من بني قيس بن ثعلبة على امرأة أبيهم فعيّرهم بذلك أوس بن حجر إذ يقول:
والفارسيةُ فيهم غيرُ منكرةٍ فكُلُّهم لأبيه ضَيْزَنٌ سلِفُ
ومن المناكح المحرّمة في الإسلام أيضا وكانت معروفة بالجاهلية زواج الاستبضاع (وكان الرجل منهم يقول لأَمَتِهِ أو امرأته إرسلي إليّ فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها فلا يمسّها حتى يتبيّن حملها من ذلك الرجل، وإنّما يُفعل ذلك رغبة في نجابة الولد).
وغيرها من المناكح المحرّمة من نحو زواج البدل والشغار ونكاح الضعينة في حين حلّل الإسلام الطيب منها لصلاح المجتمع وطهارة المولد.
فباتساع دلالة (طاب) توسّعت معها الدلالة في هذه الآية فلم يشمل الطيب من النساء، بل شمل أيضاً الطيّب من الزواج المؤدّي إلى طهارة الولد لأجل طهارة المجتمع من الرجس، فالاحتمالان ممكنان في هذا النص المبارك.
ثم حدّد عدد الزوجات بالاثنين أو بالثلاثة أو بالأربعة على أنّ اجتماعهن عند زوج واحد يكون بشرط العدالة بينهنَّ من قِبَلِهِ، وإلا فالنكاح بواحدة أو ما ملكت يمين الرجل من الإماء.
وقال تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾، فجاء بها معدولة عن اثنين وثلاثة وأربعة، ولم يأتِ بها على أصلها، ولعلّ ذلك راجع إلى أنّ الاسم المعدول لابدّ وان تكون له زيادة في معنى، غير فائدة الاسم المعدول عنه، وإلاّ يجيء به، فقد تكون الفائدة في حصر العدد على ما قرّر سبحانه باثنين وثلاثة وأربعة على سبيل التخيير بينها، ولو أراد التخير لأستعمل (أو) بدلاً من (الواو) بل على سبيل التحديد والحصر والأذن بها وعدم الزيادة على هذه الأعداد، إذ إنّ دلالة (الواو) هنا ليست للجمع على رأي أكثر المفسرين. ولو أراد بها الجمع لدلَّ على إباحة تسع وهو مخالف لإجماع الأَمَة، بدلالة أمر النبي محمد (صلى الله عليه وآله) لغيلان بن أمية عندما اسلم وتحته عشرة نسوة أن يختار منهنّ أربع حرائر، وقال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «لا يحلّ لماء الرجل أن يجري في أكثر من أربعة أرحام من الحرائر».
قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، أي فان خفتم الجور في
نكاح النساء. وجاء بلفظة (ألا تعدلوا) لأنّه لمطلق عدم العدل في النساء، ولكن عندما خصّص الخوف بعدم العدل في يتامى النساء جاء بلفظة (الا تقسطوا) لزيادة في معنى كما بيّنا ذلك. وجملة (وإن خفتم إلا تعدلوا) جملة فعل الشرط، وجوابها (فواحدة أو ما ملكت أيمانكم)، والفاء فيها رابطة، وتقدير فعل الشرط (فانكحوا واحدة أو... ) وفي قراءة الأعرج جاءت (واحدة) بالرفع على تقدير (فواحدة تقنع) فهو ابتداء محذوف الخبر، أو يكون خبر لمبتدأ محذوف وتقديره فهي واحدة.
والأول هو الأوْلى لأنّ مدار حديث الآية على النكاح، ولأنّه متعلّق بقوله سبحانه: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ.... ﴾الآية، فالمسوّغ أن يكون فعل النكاح هو الأقرب لذلك، ثم أنّ تقدير فعل أفضل من تقدير الاسم في هذا المقام، وذلك أنّ الجملة الفعليّة جملة دالة على التغيرّ، والجملة الاسمية دالة على الثبات، وهذا التغيّر ألصق بالمعنى العام للآية، وذلك أن حال الرجل قد يختلف في المستقبل عمّا هو عليه اليوم من القدرة على الزواج من ثانية أو ثالثة ومن العَدْل بين نسائه، فيكون تقدير الفعل أفضل من تقدير الاسم.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا﴾ أي ذلك أقرب إلى أن لا تجوروا وتميلوا عن الحق، لأنّ أصل العول في اللغة (الخروج عن الحد والمجاوزة للقدر)، فالجور هو خروج عن حد العدل، وهو رأي أكثر العلماء، وذهب الشافعي إلى أنّ معناه ألا يكثر مَنْ
تعولون ، وخالفه الشريف الرضي فقال: (هذا خطأ بيِّن لأنّ الأمر لو كان على ما ظنّه لكان وجه الكلام "إلا تعدلوا" أي تكثِروا عيالكم مثل، أمشى الرجلُ، إذا كثُرت ماشيته، وأثرى إذا كَثُر ماله فصار كالثرىَ كثرة، وكذلك يقال: أعال الرجلُ إعالة، إذا كثر عياله، ويقال: علتُ من الفقر عيلةً. فإذا كان أراد هذا الوجه أيضاً فهو خطأ، لأنّه كان يجب أن يقول: "ذلك أدنى إلا تعولوا") . ويؤيّد ما ذهب إليه الشريف الرضي أن "تعولوا" بمعنى"تميلوا" هي لغة لجرهم [۳]، فقد نقل السيوطي (ت۹۱۱هـ) عن ابن عباس في سؤالات نافع بن الأزرق انه (قال: إخبرني عن قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا﴾ قال: أجدر ألاّ تميلوا. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أمّا سمعتَ قول الشاعر:
إنّا تبعنا رسول الله واطّرحوا قول النبيّ وعالوا في الموازين).
ونقل الفخر الرازي أنّ (هذا هو المختار عند أكثر المفسّرين ولأنشد لأبي طالب:
بميزانِ قسطٍ لا يغلّ شعيرة ووزان صدقٍ وزنه غير عائل).
ووافق الشافعيَ أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي (ت١٨٥هـ) وأبو عمر الدوري وابن الأعرابي وذكر الثعلبي أنها لغة لحمير.
ولعل عدم العدل هو الأوْلى لأنّ الدلالة المركزية للآية تدور حول الخوف من عدم
العدل في حال تعدّد الزوجات، ثمّ أن تقدير (ذلك أدنىَ ألاّ يكثر عيالهم) غير مستساغة في اللغة إذ لا يتناسب الدنو والقرب مع كثرة العيال، في حين هو ألصق بدلالة قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعْدلُوا﴾.
ونستنتج من ذلك أن عدم العدل في معاملة الزوجة الواحدة أو الزوجات المتعددات لدى الرجل واقعة لا محالة، والظاهر أن ذلك سجيّة في نفس الرجل في الجور ولو بدرجات متفاوتة اتجاهَهُنَّ سواء في حالة التعدّد أم في حالة الإفراد، وهذا مما يوحي إلى أنّ تعدّد الزوجات صعب الوقوع مع اشتراط العدل، لأنّ الزواج من الواحدة يقع فيه عدم العدل بدلالة قوله تعالى: ﴿أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا﴾ أي ذلك أقرب إلى عدم الجور، ويعني أن الجور واقع حتى مع الواحدة، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾، فجاء بـ (لن) الدلالة على تأييد عدم الاستطاعة في العدل بينهم.
إذن الأولى ترك التعدّد في الزوجات، بيد أنّه شرّع ذلك لأسباب هي قائمة إلى يومنا هذا، ولدفع ما هو أشرّ، والقبول بما هو أقل ضرراً منه لأن فيه ضرورة من ضرورات الحياة، يقول عباس محمود والعقاد: (فليس النص على إباحة تعدّد الزوجات لأنه واجب على الرجل، أو مستحسن أو مطلوب، وإنّما النص فيه لاحتمال ضرورته في حالة من الحالات، فيكفي أن تدعو إليه الضرورة في حالة بين ألف حالة لتقضي الشريعة بما يتبع في هذه الحالة ولا تتركها غفلاً من النصّ الصريح)، لأن شريعة الله في الناس إنّما بُنيت على حاجات الناس وتدبير أمورهم وصلاح شأنهم في الحياة).
ودمتم سالمين.