السلام عليكم
(ليس الزهد ان لا تملك شيء،ولكن الزهد الا يملكك شيء)
عرفنا عن الزهد المذموم بالطريقة التي اتخذها عاصم بن زياد ونهاه عنها أمير المؤمنين، وما فهمته منها انها (التقشف المتعمد)
لكن لماذا تنسب هذه الطريقة التي نهى عنها امير المؤمنين لكثير من علمائنا الاعلام مدحا لهم؟
فينسب لهم في سيرتهم التقشف وان طعامهم بسيط الى ابعد الحدود وعدم ملكية البيت الذي يعيشون فيه، بل هو مؤجر وغير ذلك مع قدرة بعضهم على حياة افضل؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
ابنتي الكريمة، إن فهم الزهد يتطلب تدقيقًا وتمييزًا بين أنواعه ومقاصده.
والمقولة التي ذكرتها: "ليس الزهد أن لا تملك شيئًا، ولكن الزهد ألا يملكك شيء" هي من أبلغ التعاريف للزهد المحمود في الإسلام.
والزهد الذي نهى عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) عاصم بن زياد لم يكن في أصل التقشف، بل كان في المبالغة فيه إلى حد الإضرار بالنفس أو إهمال الحقوق الاجتماعية أو الظهور بمظهر يخالف ما أمر الله به من التوسط والاعتدال.
والتقشف المذموم هو الذي يتحول إلى غاية في ذاته، أو يؤدي إلى العزلة عن المجتمع، أو يمنع الإنسان من أداء واجباته، أو يجعله يظهر بمظهر يثير الشفقة أو الرياء.
وأما ما يُنسب لكثير من علمائنا الأعلام من تقشف وبساطة في العيش، فهو في الغالب ليس من باب الزهد المذموم، بل هو تعبير عن الزهد المحمود الذي يعني عدم تعلق القلب بالدنيا وزينتها، وتقديم الآخرة على الأولى، واستخدام ما يملكونه في سبيل الله وخدمة الدين والمؤمنين.
هؤلاء العلماء، وإن كانوا يملكون القدرة على عيش حياة أكثر رفاهية، إلا أنهم اختاروا البساطة طواعيةً لعدة أسباب:
أولًا: ليكونوا قدوة حسنة لأتباعهم في عدم الانغماس في الدنيا وزخارفها، وليعلموا الناس أن قيمة الإنسان ليست بما يملك من مال أو متاع، بل بما يحمل من علم وتقوى وعمل صالح، فقد جاء عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): «إِنَّمَا الْعَالِمُ مَنْ دَعَاهُ عِلْمُهُ إِلَى الْوَرَعِ وَالتُّقَى وَالزُّهْدِ فِي عَالَمِ الْفَنَاءِ وَالتَّوَلُّهِ بِجَنَّةِ الْمَأْوَى» (غرر الحكم ودرر الكلم).
ثانيًا: ليتفرغوا للعلم والعبادة وخدمة الناس، فإن الانشغال بجمع المال وتدبير أمور الدنيا قد يصرف الإنسان عن هذه الأهداف السامية، فقد ورد عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): «كَسْبُ الْعِلْمِ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا» (غرر الحكم ودرر الكلم).
ثالثًا: ليعبروا عن حقيقة أن الدنيا دار ممر وليست دار قرار، وأن المؤمن يجب أن يكون فيها كعابر سبيل، لا يتعلق قلبه بها، فقد ورد عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): «إِنَّ الدُّنْيَا لَا يُسْلَمُ مِنْهَا إِلَّا بِالزُّهْدِ فِيهَا ابْتُلِيَ النَّاسُ بِهَا فِتْنَةً، فَمَا أَخَذُوا مِنْهَا لَهَا أُخْرِجُوا مِنْهُ وَحُوسِبُوا عَلَيْهِ، مَا أَخَذُوا مِنْهَا لِغَيْرِهَا قَدِمُوا عَلَيْهِ وَأَقَامُوا فِيهِ، وَإِنَّهَا عِنْدَ ذَوِي الْعُقُولِ كَالظِّلِّ بَيْنَا تَرَاهُ سَائِغاً حَتَّى قَلَصَ وَزَائِداً حَتَّى نَقَصَ، وَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ إِلَيْكُمْ فِي النَّهْيِ عَنْهَا وَأَنْذَرَكُمْ وَحَذَّرَكُمْ مِنْهَا فَأَبْلَغَ» (غرر الحكم ودرر الكلم).
رابعًا: قد يكون ذلك من باب الورع والاحتياط، خشية أن يكون في أموالهم شبهة أو أن يقعوا في محرم أو مكروه بسبب التوسع في المباحات، كما ورد عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «مَنْ أَحَبَّ السَّلَامَةَ فَلْيُؤْثِرِ الْفَقْرَ وَمَنْ أَحَبَّ الرَّاحَةَ فَلْيُؤْثِرِ الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا» (غرر الحكم ودرر الكلم).
فالفرق الجوهري بين الزهد المذموم والزهد المحمود يكمن في النية والغاية والأثر.
والزهد المذموم هو الذي ينبع من سوء فهم للدين، أو يؤدي إلى الإضرار بالنفس أو الغير، أو يكون وسيلة للرياء.
وأما الزهد المحمود فهو الذي ينبع من إيمان عميق، ويؤدي إلى تزكية النفس، وخدمة الدين، ويكون قدوة حسنة للآخرين، مع عدم الإضرار بالنفس أو إهمال الحقوق.
إنهم لم يتركوا الدنيا لأنهم لا يملكونها، بل لأنها لم تملك قلوبهم.
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الفهم الصحيح لدينه والعمل بما يرضيه.