أهلاً وسهلاً بكم في تطبيقكم المجيب
ولدي العزيز، ورد في كتاب "الكافي" للشيخ الكليني، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «الإيمان عشر درجات بمنزلة السلم، يصعد منه مرقاة بعد مرقاة، ولا يقولن صاحب الاثنين لصاحب الواحد: لست على شيء، حتى ينتهي إلى العاشر. فلا تسقط من هو دونك فيسقطك من هو فوقك، وإذا رأيت من هو أسفل منك بدرجة فارفعه إليك برفق، ولا تحملن عليه ما لا يطيق فتكسره، فإن من كسر مؤمناً فعليه جبره».
يدلّ الحديث على أنّ الإيمان يتكوّن من مراتب، وأنّ الترقي فيها تدريجي، لا يقفز الإنسان من أول درجة إلى أعلاها مباشرة، وأنّ أساس الترقي مبنيّ على التواضع والرفق في التعامل مع النفس والناس.
الترقي في درجات الإيمان عند أهل البيت (عليهم السلام) له أربعة محاور رئيسية:
١. المعرفة واليقين:
الإيمان يبدأ من المعرفة الصحيحة بالله تعالى، وأسمائه وصفاته، ومعرفة الأنبياء والأئمة، والإحاطة بأصول الدين كالتوحيد والنبوة والإمامة والمعاد.
وكلما تعمّقت المعرفة، ازداد اليقين، واليقين من أعلى مراتب الإيمان.
ويتم ذلك بالتفكر والتدبر، وطلب العلم من مصادره الموثوقة، ومصاحبة العلماء الربانيين.
٢. العمل والتقوى:
الإيمان ليس مجرد تصديق قلبي، بل لابد من عمل.
وأول ذلك أداء الفرائض بإخلاص وخشوع، ثم ترك المحرمات، ثم الورع عن الشبهات، ثم الزهد عن فضول المباحات التي لا تنفع في الآخرة. فالعمل الصالح يحفظ نور الإيمان ويزيده قوة.
٣. تهذيب الأخلاق:
ويجري على مرحلتين:
أ- التخلية: إزالة الصفات المدمرة للنفس مثل الرياء، العجب، الغرور، الحسد، حب الظهور، التكبر، التعلق بالدنيا.
ب- التحلية: تزيين النفس بصفات التواضع، الحلم، الصبر، الرضا، الشكر، الرحمة، الإيثار. وفي الحديث نفسه تنبيه إلى خطر التكبر على المؤمنين أو تحقير من هم دونك في الإيمان.
٤.الولاية والتسليم:
الدرجات العليا لا تُنال إلا بالتسليم لله تعالى ولأوليائه حقاً.
وهو أن يقبل الإنسان حكم الله بقلبه قبل لسانه، دون اعتراض باطني أو قلب متقلب.
هذا هو الذي بلغ به سلمان وأبو ذر والمقداد مراتب عالية.
ويضاف إلى ما سبق عامل مهم أشار إليه أهل المعرفة، وهو الابتلاء. فإنّ الله تعالى يرفع عباده بالامتحان، فقد جاء عن النبي (صلى الله عليه وآله): «أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل».
فكلما ارتفع إيمان العبد، اشتدّ بلاؤه، ليظهر صدقه وصبره.
وقد يبتلى الإنسان بالفقر أو الغنى، أو بالمنصب أو العزلة، أو بالصحة أو المرض. فإن صبر وثبت، ارتقت درجته، وإن ضعف وتساقط، نزلت درجته.
مع ذلك، مهما بلغ العبد من الكمال، فإنّ العصمة ليست مكتسبة، وإنما هي اختيار إلهي لبعض عباده خاصة.
النتيجة: الترقي في درجات الإيمان بناء متدرج يبدأ من العلم، ويتقوّى بالعمل، ويصفو بتهذيب النفس، ويثبت بالتسليم والولاية، ويشتدّ ويتماسك عبر الابتلاء.
والوصية الأساسية في كل ذلك: الرفق والتواضع وعدم النظر إلى الناس نظرة استصغار، فإنّ الإنسان يسقط من هذه النقطة قبل غيرها.
وختاماً، هذه الطريق لا تُختزل في يوم ولا شهر، بل هي مجاهدة عمر، ولكن ثمارها تظهر في سكينة القلب، ونور البصيرة، وثبات الموقف عند الشدائد.
دعائنا لكم بالتوفيق والسداد ودمتم سالمين.