لماذا قال الله في محكم كتابه:
( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)
فلماذا خص قتل المؤمن فقط بهذا العذاب فهل يعني ذلك ان المسلم العادي او الناس التي ليست مؤمنه تكون عادي تنقتل او عذابها اهون؟
لماذا لم يقل ومن يقتل نفسا بلغة التعميم دون التخصيص.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تدل هذه الآيةُ الكريمة على أنّ قتلَ المؤمن من أعظم الكبائر وأشدّها عذابًا، حتى خُصَّ القاتلُ له بهذا الوعيد الشديد، من جهنّم، والخلود، والغضب، واللعن، والعذاب العظيم، وهو ما لم يُجمع في غيرها من الذنوب.
وذكر العلماء أنّ الله تعالى خصَّ المؤمن هنا، لا لأنّ قتلَ غير المؤمن جائزٌ أو هيّنٌ، بل لأنّ قتلَ المؤمن يجمع جنايتين:
١. جناية القتل للنفس المحترمة.
٢. وجناية الاعتداء على الإيمان وأولياء الله.
فقد قال الطبرسي (قدّس سرّه) في مجمع البيان:
(خصّ المؤمن؛ لأنّ قتله أعظم من قتل الكافر؛ إذ فيه إبطال الإيمان، وقتلُ وليٍّ لله، ومعاداةُ أوليائه)(١).
وقال الفيض الكاشاني في تفسير الصافي:
(إنّما شدّد الله الوعيد في قاتل المؤمن، لأنّ المؤمن عند الله أعظم حرمةً من الكعبة)(٢).
وقال العلّامة الطباطبائي في كتابه الميزان في تفسير القرآن:
(الآية بيانٌ لِغَضَبٍ خاصٍّ مترتّبٍ على جنايةٍ خاصّة، هي قتلُ المؤمن عن عمدٍ وعداوةٍ للإيمان، وأمّا أصلُ تحريم القتل مطلقًا فقد بُيّن في قوله تعالى: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا})(٣).
وعليه: فكلّ نفسٍ محترمةٍ – سواء مؤمنة أم غير مؤمنة – لا يجوز الاعتداء عليها إلّا بحقٍّ مشروع، كما قال تعالى: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} (سورة المائدة آية ٣٢).
فقد قال العلّامة الطباطبائي في موضعٍ آخر من الميزان: (الخطاب في آية المائدة متوجّه إلى عموم البشر، بيانًا لحرمة الدم الإنساني، لا خصوص المؤمنين)(٤).
فإذن، التخصيص في آية النساء ليس لرفع الحكم عن غير المؤمن، بل لبيان عِظَم جرم قتل المؤمن؛ لأنه يجمع بين القتل والمعاداة لله ورسوله.
والسبب انه لم يقل الله تعالى: (ومن يقتل نفسًا متعمدًا)؛ لأن المقصود في الآية هو التحذير من أخطر صور القتل، وهي قتلُ المؤمن عن عمدٍ وعداوةٍ، لا بيان حكم القتل مطلقًا، فجاءت الآية بصيغة التخصيص، لتُظهر عِظَم الجريمة ومضاعفة العقوبة.
وما جاء في روايات أهل البيت (عليهم السلام):
١- ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ»(٥).
٢- وفي روايةٍ أخرى عنه (عليه السلام): «إذا قُتِلَ المؤمنُ متعمِّدًا غضِبَ اللهُ (عزّ وجلّ)، ولَعَنَ القاتلَ، وأعدَّ له جهنّم خالِدًا فيها»(٦).
وهذا نصٌّ صريحٌ في أنّ غضب الله ولعنته وعذابه إنما شُدِّدت على قاتل المؤمن لعِظَم منزلته عند الله تعالى.
ودمتم موفقين.
_________________________________
(١) مجمع البيان، ج٣، ص٦٥.
(٢) تفسير الصافي، ج١، ص٤٢٦.
(٣) الميزان، ج٤، ص٣٥٣.
(٤) الميزان، ج٥، ص٢٥٥.
(٥) الكافي، للكليني، ج٢، ص٣٤٩، ح٤.
(٦) تفسير القمي، ج١، ص١٤٤.