تقديم وتأخير الكلمات في الآيات القرآنية وتأثيرها على المعنى
السلام عليكم
قال تعالى (وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةً) البقرة ٣٠
(يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ) ص٢٦
نلاحظ في آية سورة البقرة قدم كلمة (الأرض) على كلمة (خليفة)
أما في آية سورة ص قدم كلمة (خليفة) على كلمة (الأرض)
فلماذا هذا التقديم والتأخير وهل يختلف المعنى بعدم تغيير مواقع الكلمات.
يرجى التوضيح جزاكم الله خيرا"
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
بما أن القرآن الكريم كتاب الله، وهو المعجزة الخالدة للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلّم )، فلابد من حكمة وغاية في كل كلمة. وبما أن القرآن الكريم فيه اعجاز بلاغي ولغوي فلابد من النظر من هذا الجانب، فنقول:
أما التحليل البلاغي واللغوي:
١-فمرة بسبب اختلاف المقام والسياق في الآيتين:
ففي سورة البقرة: المقام بيان إنشاء الخلافة في أصلها، أي أن الله سيجعل في الأرض نوعًا جديدًا من المخلوقات يتولى عمارتها واستخلافها. فـ"الأرض" هي محلّ الجعل وميدان الاستخلاف، والمقصود بيان البيئة أو الموضع الذي سيكون فيه الخليفة.
ولهذا قُدِّمت (في الأرض) لأن التركيز على مكان الخلافة قبل الحديث عن الخليفة نفسه.
وفي سورة (ص):
الخطاب موجه لشخص معين هو داود (عليه السلام)، والخلافة هنا متحققة ومخصوصة وليست مجرد نوع من الخلق.
فالمقصود إبراز منزلة داود وكرامته بكونه هو الخليفة. لذلك قُدِّمت كلمة (خليفة) لتدل على شرف المنصب ومقام الاستخلاف.
2. ومرة للإهتمام:
ففي سورة البقرة التقديم لـ(في الأرض)؛ لأن الاهتمام بالمكان (الأرض) التي ستكون موطن الخلافة، وفي سورة (ص) التقديم لـ(خليفة)؛ لأن الاهتمام بالذات المستخلف وهو داود (عليه السلام).
فالنكتة البلاغية، هي:
تقديم ما يُناسب المقام: مقام الإنشاء الأول في سورة البقرة: التركيز على الأرض. ومقام التكريم والتخصيص في سورة (ص) : التركيز على الخليفة.
وأما المعنى فلا يتغير:
فالمعنى العام (الاستخلاف الإلهي في الأرض) لا يختلّ، لكن الترتيب البلاغي يتغير: ففي الأولى يُصبح الخطاب عن المكان والسنّة الإلهية العامة، وفي الثانية عن المنصب والشخص المكرَّم. فالاختلاف بلاغي دقيق ولا يتغير الحكم أو العقيدة.
ومن كلام المفسرين في ذلك:
١-الطبرسي في (مجمع البيان):
(قوله: {إني جاعل في الأرض خليفة}، أي في الأرض التي جعلها دار التكليف والابتلاء، فقدم الظرف؛ لأن المقصود بيان الموضع الذي يكون فيه الجعل ... المزید وأما قوله لداود:{إنا جعلناك خليفة في الأرض} فالمقصود إظهار شرف داود بالخلافة فقدمها لذلك).١.
٢-العلامة الطباطبائي في (الميزان):
الآية الأولى: {إني جاعل في الأرض خليفة}، تشير إلى جعل نوع الإنسان خليفةً في الأرض، فالمقام مقام بيان سنة التكوين، فناسب تقديم الأرض لأنها محل الخلافة. وأما قوله في داود: {إنا جعلناك خليفة في الأرض}، فهو في مقام الإكرام والاصطفاء، فقدم (خليفة) لبيان شرف المنزلة).٢.
_________
١-مجمع البيان في تفسير القرآن، ج1، ص172.
٢-الميزان في تفسير القرآن، ج17، ص161.