السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قال تعالى (وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ) الأنفال ٣٣
نلاحظ في هذه الآية المباركة أنه سبحانه وتعالى استخدم الفعل المضارع ( يُعَذِّب ) واسم الفاعل ( مُعَذِّب ) في موضعين مخنلفين .
فما هو الفرق بين الاستعمالين ؟
وكذلك (وَأَنتَ فِيهِمۡۚ) هل تشمل جميع الأئمة المعصومين ؟
جزاكم الله خير الجزاء لما تبيننه من المعاني
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
نذكر لكم الفارق بحسب ما ذكره الشيخ الطبرسي في تفسيره لهذه الآية، حيث قال:
(ثم قال سبحانه: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم}.
ذكر سبحانه سبب إمهالهم ومعناه:
وما كان الله يعذب أهل مكة بعذاب الاستئصال، وأنت مقيم بين أظهرهم لفضلك وحرمتك يا محمد، فإن الله تعالى بعثك رحمة للعالمين، فلا يعذبهم إلا بعدأن يفعلوا ما يستحقون به سلب النعمة باخراجك عنهم.
قال ابن عباس: إن الله سبحانه لم يعذب قومه حتى أخرجوه منها {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}،
معناه: وما كان الله يعذبهم وفيهم بقية من المؤمنين بعد خروجك من مكة، وذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما خرج من مكة، بقيت فيها بقية من المؤمنين لم يهاجروا بعذر، وكانوا على عزم الهجرة، فرفع الله العذاب عن مشركي مكة، لحرمة استغفارهم، فلما خرجوا أذن الله في فتح مكة، عن ابن عباس، وعطية، والضحاك، واختاره الجبائي.
وقيل معناه: وما يعذبهم الله بعذاب الاستئصال في الدنيا، وهم يقولون:
غفرانك ربنا، وإنما يعذبهم على شركهم في الآخرة، عن ابن عباس، في رواية أخرى، ويزيد بن رومان، وأبي موسى، ومحمد بن مبشر.
وفي تفسير علي بن إبراهيم: لما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لقريش: إني أقتل جميع ملوك الدنيا، وأجري الملك إليكم، فأجيبوني إلى ما أدعوكم إليه، تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم. فقال أبو جهل: {اللهم إن كان هذا هو الحق} الآية حسدا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم قال: غفرانك اللهم ربنا، فأنزل الله {وما كان الله ليعذبهم} الآية.
ولما هموا بقتل رسول الله، وأخرجوه من مكة، أنزل الله سبحانه: {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام} الآية فعذبهم الله بالسيف يوم بدر، وقتلوا.
وقيل معناه: إنهم لو استغفروا لم يعذبوا، وفي ذلك استدعاء إلى الاستغفار عن ابن عباس في رواية أخرى، والسدي، وقتادة، وابن زيد. قال مجاهد: وفي أصلابهم من يستغفر، وقال عكرمة: وهم يسلمون، فأراد بالاستغفار الاسلام.
وقد روي عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أنه قال: كان في الأرض أمانان من عذاب الله، وقد رفع أحدهما، فدونكم الآخر، فتمسكوا به. وقرأ هذه الآية. وروي ذلك عن قتادة أيضا {وما لهم ألا يعذبهم الله} معناه: ولم لا يعذبهم الله، وأي أمر يوجب ترك تعذيبهم {وهم يصدون عن المسجد الحرام} أي: يمنعون عن المسجد الحرام أولياءه، فحذف لأن ما بعده يدل عليه {وما كانوا أولياءه} أي وما كان المشركون أولياء المسجد الحرام، وإن سعوا في عمارته {إن أولياؤه إلا المتقونولكن أكثرهم لا يعلمون}معناه: وما أولياء المسجد الحرام إلا المتقون، عن الحسن، وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام).
وقيل: معناه وما كانوا أولياء الله إن أولياء الله إلا المتقون الذين يتركون معاصي الله ويجتنبونها. والأول أحسن.
ويسأل فيقال: كيف يجمع بين الآيتين وفي الأولى نفي تعذيبهم، وفي الثانية، إثبات ذلك؟
وجوابه على ثلاثة أوجه:
أحدها: إن المراد بالأول عذاب الاصطلام والاستئصال، كما فعل بالأمم الماضية.
وبالثاني عذاب القتل بالسيف، والأسر، وغير ذلك بعد خروج المؤمنين من بينهم والآخر: إنه أراد: وما لهم أن لا يعذبهم الله في الآخرة، ويريد بالأول عذاب الدنيا، عن الجبائي.
والثالث: إن الأول استدعاء للاستغفار يريد أنه لا يعذبهم دنيا ولا آخرة إذا استغفروا وتابوا، فإذا لم يفعلوا عذبوا).
[تفسير مجمع البيان، الشيخ الطبرسي، ج٤، ص٤٦٠].
ودمتم موفقين.