وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
المُصيبَة بحسب اللغة كنا في المعجم الوسيط: هي كلُّ مَكْروهٍ يَحُلُّ بالاِنساِن.
والجمع: مَصائبُ (على غير قياس) وَقياسُها: مصَاوِبُ.
والقرآن الكريم استخدم كلمة "مصيبة" لوصف الموت في الآية {فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ} لعدة أسباب بلاغية وتفسيرية، أبرزها:
أما من منظور البلاغة:
١- الدلالة على الفقد: الموت في اللغة يعني مجرد انتهاء الحياة، أما "المصيبة" فتعني المكروه الذي يحل بالإنسان ويُسبب له حزناً وألماً.
٢- استخدام كلمة "المصيبة" لا يصف الحدث نفسه (الموت)، بل يصف الأثر النفسي والاجتماعي العظيم الذي يتركه الموت على أهله وأقاربه.
٣- التأكيد على عنصر المفاجأة: السياق في الآية يتحدث عن الموت أثناء السفر {ضربتم في الأرض} وهو غالبًا ما يكون مفاجئًا وغير متوقع.
٤- الموت المفاجئ أعظم في وقعِه من الموت المتوقع، وهو ما يجعل وصفه بـ"المصيبة" أشدّ دقةً وبلاغةً.
٥- التهويل والتفخيم: اختيار كلمة "المصيبة" يضيف إلى المشهد القرآني هيبة ورهبة، فهو يصف الموت بأنه حدث جلل لا يُستهان به، مما يستدعي اتخاذ إجراءات شرعية خاصة، مثل الشهادة على الوصية.
وأما رأي علماء التفسير:
كالعلامة الطباطبائي في تفسير الميزان: يرى أن وصف الموت بالمصيبة يُعبر عن حقيقة الانفصال عن الحياة الدنيا.
فالموت وإن كان انتقالاً إلى عالم آخر، إلا أنه بالنسبة للإنسان يمثل فقداً لكل ما يملكه في هذه الحياة، مما يجعله مصيبة عظيمة تستدعي الصبر والاحتساب.
وقال الشيخ الطبرسي في تفسير مجمع البيان: (يؤكد على أن الآية الكريمة تتحدث عن حالة الوفاة في السفر، والتي تُعد مصيبةً لأنها تحدث بعيدًا عن الأهل والأقارب، مما يجعلها أكثر صعوبة وأشد وقعًا، ولذلك خصها الله تعالى بهذا اللفظ الذي يحمل معنى الحزن والفقد.
الموت كابتلاء إلهي: هو من أعظم الابتلاءات الإلهية التي يختبر بها الله صبر عباده.
ووصفه بالمصيبة يُشير إلى هذا البُعد الابتلائي، ويُذكّر المؤمن بضرورة الاسترجاع عند وقوعه {إنا لله وإنا إليه راجعون} لما يحمله هذا الذكر من معاني التوحيد والعبودية لله.
ودمتم موفقين.