logo-img
السیاسات و الشروط
majid ( 56 سنة ) - العراق
منذ 8 أشهر

تفسير الآيات عن الميزان

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. في الايات القرأنية الكريمة الثلاث من سورة الرحمن الله سبحانه يتحدث عن الميزان وهي ( والسماء رفعها ووضع الميزان . الا تطغوا في الميزان . واقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ) فما معنى الميزان او المقصود به في كل اية ؟ وشكرا جزيلا


وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ذكر الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره لهذه الآية، حيث قال: (‏«الميزان» كلّ وسيلة تستعمل للقياس، سواء كان قياس الحقّ من الباطل، أو العدل من الظلم و الجور، أو قياس القيم وقياس حقوق الإنسان في المراحل الاجتماعية المختلفة. ‏و(الميزان) يشمل كذلك كلّ نظام تكويني ودستور اجتماعي، لأنّه وسيلة لقياس جميع الأشياء. ‏و«الميزان» لغة: (المقياس) وهو وسيلة لوزن الأجسام الماديّة المختلفة، إلّا أنّ المقصود في هذه الآية،- والذي ذكر بعد خلق السماء- أنّ لها مفهوما واسعا يشمل كلّ وسيلة للقياس بما في ذلك القوانين التشريعيّة والتكوينية، وليس وسيلة منحصرة بقياس الأوزان الماديّة فقط. ‏ومن هنا فلا يمكن أن تكون الأنظمة الدقيقة لهذا العالم، والتي تحكم ملايين الأجرام السماوية بدون ميزان وقوانين محسوبة. ‏وعند ما نری في بعض العبارات أنّ المقصود بالميزان هو «القرآن الكريم»، أو «العدل»، أو «الشريعة»، أو «المقياس». ففي الحقيقة إنّ كلّ واحدة من هذه المعاني مصداق لهذا المفهوم الواسع الشامل. ‏ونستنتج من الآية اللاحقة استنتاجا رائعا حول هذا الموضوع حيث يضيف بقوله تعالی: {أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ‌}. ‏حيث يوجّه الخطاب لبني الإنسان الذين يشكّلون جزءا من هذا العالم العظيم ويلفت انتباههم إلی أنّهم لا يستطيعون العيش بشكل طبيعي في هذا العالم إلّا إذا كان له نظم وموازين، ولذلك فلا بدّ أن تكون للبشر نظم وموازين أيضا حتی يتلاءموا في العيش مع هذا الوجود الكبير الذي تحكمه النواميس والقوانين الإلهيّة، خاصّة أنّ هذا العالم لو زالت عنه القوانين التي تسيّره فإنّه سوف يفنی، ولذا فإنّ حياتكم إذا فقدت النظم والموازين فإنّكم ستتجهون إلی طريق الفناء لا محالة. ‏يا له من تعبير رائع حيث يعتبر القوانين الحاكمة في هذا العالم الكبير منسجمة مع القوانين الحاكمة علی حياة الإنسان (العالم الصغير)، وبالتالي ينقلنا إلی حقيقة التوحيد، حيث مصدر جميع القوانين والموازين الحاكمة علی العالم هي واحدة في جميع المفردات و في كلّ مكان. ‏ويؤكّد مرّة اخری علی مسألة العدالة و الوزن حيث يقول سبحانه: {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ‌}. ‏والنقطة الجديرة بالذكر هنا أنّ كلمة «الميزان» ذكرت ثلاث مرّات في هذه الآيات، وكان بالإمكان الاستفادة من الضمير في المرحلة الثانية والثالثة، وهذا ما يدلّل، علی أنّ كلمة (الميزان) هنا قد جاءت بمعان متعدّدة في الآيات الثلاث السابقة، لذا فإنّ الاستفادة من الضمير لا تفي بالغرض المطلوب، وضرورة التناسب للآيات يوجب تكرار كلمة «الميزان» ثلاث مرّات، لأنّ الحديث في المرحلة الاولی، كان عن الموازين والمعايير والقوانين التي وضعها اللّه تعالی لكلّ‌ عالم الوجود. ‏وفي المرحلة الثانية يتحدّث سبحانه عن ضرورة عدم طغيان البشر في كلّ موازين الحياة، سواء كانت الفردية أو الاجتماعية. ‏وفي المرحلة الثالثة يؤكّد علی مسألة الوزن بمعناها الخاصّ، ويأمر البشر أنّ يدقّقوا في قياس ووزن الأشياء في التعامل، وهذه أضيق الدوائر. ‏وبهذا الترتيب نلاحظ الروعة العظيمة للانسجام في الآيات المباركة، حيث تسلسل المراتب وحسب الأهمية في مسألة الميزان والمقياس، والانتقال بها من الدائرة الأوسع إلی الأقل فالأقل‌ ‏إنّ أهميّة الميزان في أي معنی كان عظيمة في حياة الإنسان بحيث إنّنا إذا حذفنا حتّی مصداق الميزان المحدود والصغير و الذي يعني (المقياس) فإنّ الفوضی والارتباك سوف تسود المجتمع البشري، فكيف بنا إذا ألغينا المفهوم الأوسع لهذه الكلمة، حيث ممّا لا شكّ فيه أنّ الاضطراب والفوضی ستكون بصورة أوسع وأشمل. ‏ويستفاد من بعض الرّوايات أنّ (الميزان): قد فسّر بوجود (الإمام)، وذلك لكون الوجود المبارك للإمام المعصوم هو وسيلة لقياس الحقّ من الباطل، ومعيار لتشخيص الحقائق وعامل مؤثّر في الهداية وهكذا في تفسير «الميزان» بالقرآن الكريم ناظر إلی هذا المعنی. ‏ونظرا إلی أنّ هذه الآيات تتحدّث عن النعم الإلهية، فإنّ وجود الميزان سواء في نظم العالم أجمع أو المجتمع الإنساني أو الروابط الاجتماعية أو مجال العمل‌ التجاري ... المزید فإنّها جميعا نعم من قبل اللّه سبحانه.). (الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل،(الشيخ ناصر مكارم الشيرازي)،ج ١٧ ص٣٧٣).