الأمانات عند النبي صلى الله عليه وآله حين استشهاده
بسم الله الرحمن الرحيم سماحة العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي . .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . .
نود أن نعلم إن كان عند النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أمانات ( مالية وغيرها ) قبيل استشهاده ، ومن الذي أداها عنه إن كانت موجودة ؟
والسلام عليكم . .
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . . وبعد . .
فإننا نلاحظ ما يلي :
1 - قال ابن شهرآشوب : ‹ وقد ولاه في رد الودائع لما هاجر إلى
المدينة ، واستخلف علياً في أهله وماله ، فأمره أن يؤدي عنه كل دين ، وكل وديعة ، وأوصى إليه بقضاء ديونه › [1] .
ولكن هذه العبارة ليس لها ظهور في وجود ودائع عند رسول الله ‹ صلى الله عليه وآله › حين وفاته ، وأنه أمر علياً ‹ عليه السلام › بردها إلى أصحابها .
2 - هناك روايات كثيرة حول أن الإمام علياً ‹ عليه السلام › هو الذي يقضي دين رسول الله صلى الله عليه وآله ، وينجز عداته ، ويبرئ ذمته . . [2] ، فقد يستفاد من كلمة يبرئ ذمته : أنه يرد الودائع إلى أهلها .
غير أنني أشك في صحة هذا الاستنتاج ، وأرجح أن تكون هذه العبارة تفسيرية لما قبلها ، وذلك لأنه صلى الله عليه وآله ، لما نزلت عليه سورة : * ( إِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ . . ) * في أواسط أيام التشريق في حجة الوداع ، عرف أنه الوداع ، فركب راحلته العضباء ، وخطب الناس خطبته المعروفة ، وفيها :
‹ أيها الناس ، من كانت عنده وديعة ، فليؤدها إلى من ائتمنه عليها › [3] .
فإذا كان صلى الله عليه وآله يأمر الناس برد الودائع ، فالمتوقع أن يبادر هو صلى الله عليه وآله إلى ذلك حين علم بقرب أجله .
إلا أن يقال : إنه إذا كان مطمئناً إلى وجود من يوصل الودائع بعده إلى أهلها ، فلا غضاضة في أن يوكل الأمر إليه .
3 - غير أن ثمة شاهداً آخر قد يقال : إنه يشير إلى ما نرمي إليه ، وهو : أن الروايات قد صرحت بأن النبي صلى الله عليه وآله حينما دنا أجله ، كانت لديه سبعة أو ستة دنانير ، فخاف أن يقبضه الله ، وهي عنده ، فأمر أهله بالتصدق بها . . ثم تصدق بها [1] .
وهذا يشير إلى أنه لا بد أن يهتم بأمانات الناس ، وبإيصالها إلى أهلها قبل أن يقبضه الله تعالى ، وأن لا يكل ذلك إلى وصيه من بعده . .
ولعلك تقول : إن هذه الاستفادة لا تلائم ما هو معروف عنه صلى الله عليه وآله من أنه قد خرج من مكة حين هاجر ، دون أن يرجع الأمانات إلى أصحابها ، بل هو قد وكَّل الإمام علياً عليه السلام بالقيام بهذه المهمة ، ثم هاجر .
وقد روى الواقدي ، وإسحاق الطبري : ‹ أن عمير بن وائل الثقفي أمره حنظلة بن أبي سفيان : أن يدّعي على علي عليه السلام ثمانين مثقالاً من الذهب وديعة عند محمد صلى الله عليه وآله ، وأنه هرب من مكة وأنت وكيله ، فإن طلب بينة الشهود ، فنحن معشر قريش نشهد عليه . وأعطوه على ذلك مائة مثقال من الذهب ، منها قلادة -
عشرة مثاقيل - لهند . .
فجاء ، وادعى على علي عليه السلام ، فاعتبر الودائع كلها ، ورأى عليها أسامي أصحابها ، ولم يكن لما ذكره عمير خبر ، فنصح له نصحاً كثيراً ، الخ . . › [1] .
فهو إذن لم يرجع الودائع إلى أصحابها ، واكتفى بتوكيل من يقوم بذلك بعده . .
فيجاب بأن : ثمة فرقاً بين الهجرة وبين الوفاة ، فإنه صلى الله عليه وآله لو أرجع الودائع لأصحابها حين الهجرة ، فسوف يثير ذلك الكثير من التساؤلات ، ولربما يفتضح أمر هجرته ، ويزيد الأمر تعقيداً ، ولربما يغيِّر ذلك من مسار الأحداث إلى ما هو أضرّ وأمرّ . .
ولم يكن هذا المحذور قائماً حين وفاته صلى الله عليه وآله . . ولأجل ذلك فإن المتوقع هو أن يأتي تصرفه حين الوفاة موافقاً لما هو المطلوب منه في الحالات الطبيعية . .
والله هو العالم بالحقائق . .
والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله الطاهرين . .