تحليل دعوى ابن تيمية حول موقف معاوية من قتل عمار بن ياسر
السلام عليكم، هل صح في مصادر أهل الخلاف دعوى ابن تيمية أن معاوية ( لعنه الله ) كان منكرا لقتل عمار بن ياسر ( رضوان الله عليه ) رافضا له، بل كل النّاس كذلك أي عامة جيش أهل الشام، وأن المراد بالحديث جهة مخصوصة كانت راضية بقتل عمار ( رضوان الله عليه ) دون بقية جيش أهل الشام؟
«ثم (إنَّ عمَّارا تقتله الفئة الباغية) ليس نصاً في أن هذا اللفظ لمعاوية وأصحابه، بل يمكن أنه أُريد به تلك العصابة التي حملت عليه حتى قتلته، وهي طائفة من العسكر، ومن رضي بقتل عمار كان حكمه حكمها. ومن المعلوم أنه كان في العسكر من لم يرض بقتل عمَّار: كعبد الله بن عمرو بن العاص، وغيره؛ بل كل الناس كانوا منكرين لقتل عمَّار، حتى معاوية، وعمرو»
مجموع الفتاوى (٣٥/ ٧٦ - ٧٧)
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أهلاً وسهلاً بكم في تطبيق المجيب
ولدي العزيز، إن هذا التبرير غير قائم على أساس علمي مطلقاً؛ فإن الواقع التاريخي يعطينا أن هناك طائفتان اقتتلوا فيما بينهما، فلابد أن تكون إحدى الفئتين باغية والأخرى ليست باغية، كما جاء في قوله تعالى: {وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّـهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَ أَقْسِطُوا إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الحجرات: ٩) ونحن نريد أن نستكشف من هي التي بغت، فإذا رأينا "عمار بن ياسر" قد قتلته إحدى هاتين الطائفتين فإن الطائفة التي قتلت عماراً هي الباغية، هذا هو السياق الصحيح لفهم الآية، وفهم الواقع التاريخي، وحديث النبي حديث مبين للقرآن الكريم، فهو (صلى الله عليه وآله) يريد في كلامه التوضيح للأمة بأن عماراً سيكون ميزاناً واضحاً لتعرفوا الفئة الباغية في القتال الذي سيحصل بين طائفتين من المسلمين، وهذا من اعجاز الإخبار بالغيب للنبي الأكرم، إذ لم يقتل عمار في معركة مع الروم أو الفرس أو المرتدين، ولم يمت على فراشه رغم كبر سنه، لكنه قتلته الفئة الباغية على ما أخبر به النبي الأكرم، ليكون شاهد صدق على قوله (صلى الله عليه وآله) من جهة، وليوضح حقيقة معاوية وجيشه للغافلين من جهة أخرى، لكن بعد كل ذلك يأتي ابن تيمية ليجعل حديث النبي معلق في الهواء يتكلم عن جماعة لا يعرفهم التاريخ ولا أثر لهم فيه، بينما يصرف الحديث عمن خرج على إمام زمانه وقتل بسببه سبعون ألفاً من المسلمين.
ويريد ابن تيمية - كذلك - أن يقول أن معاوية وجيشه وإن قاتلوا الإمام علي (عليه السلام) فإنهم لا يكونوا فئة باغية، بل كلا الجيشين على خير، وأن بعض أفراد جيش معاوية بغاة، بينما بقية الجيش أناس صالحون وإن قاتلوا علياً (عليه السلام)، وهذا مخالف لكل المقاييس سواء أكانت التاريخية أم الروائية أم العقلية أو الواقعية.
فالتاريخ ينقل ويفصل معركة صفين، وأحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) تكلمت عن القاصطين، والعقل يحكم بداهة من هي الفئة الباغية، والواقع بين أيديكم وكيف سن معاوية سب أمير المؤمنين.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.