وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
معنى الآية بحسب ما ذكر الشيخ ناصر مكارم الشيرازي:
(ثمّ تهدد الآية التالية منكري المعاد، والمجرمين الكافرين: {فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا}.
إنّ هذه الآية توحي بأنّ محكمة الأفراد الكافرين والمجرمين قريبة من جهنم! والتعبير ب «جثيا» - مع العلم أن جثي جمع جاثي، وهو الذي يجثو علی ركبتيه - ربّما كان إشارة إلی ضعف وعجز وذلة هؤلاء، حتی أنّهم لا قدرة لهم علی الوقوف أحيانا.
ولهذه الكلمة معاني أخری أيضا، فمن جملتها أنّهم فسروا «جثيا» بمعنی جماعة جماعة، وبعضهم فسّرها بمعنی الكثرة وازدحام بعضهم علی بعض كتراكم التراب والحجارة، إلّا أنّ التّفسير الأوّل هو الأنسب و الأشهر.
ولما كانت الأولويات تلاحظ في تلك المحكمة العادلة، فإنّ الآية التالية تقول: {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَی الرَّحْمنِ عِتِيًّا}.
ونبدأ بحسابهم أوّلا، فإنّهم عتوا عتوا نسوا معه كل مواهب اللّه الرحمان، وجنحوا إلی التمرد والعصيان وإظهار الوقاحة أمام ولي نعمتهم! أجل، إن هؤلاء أحق من الجميع بالجحيم.
ثمّ تؤكّد علی هذا المعنی مرّة أخری فتقول: {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلی بِها صِلِيًّا}، فسنختار هؤلاء بدقة، وسوف لا يقع أي اشتباه في هذا الإختيار.
(صلي) مصدر يعطي معنی إشعال النار وإيقادها، كما يعني حرق الشيء بالنّار.
{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلی رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢)}
الجميع يردون جهنم!
تستمر الآيات في بحث خصائص القيامة والثواب والعقاب، وأشارت في البداية إلی مسألة يثير سماعها الحيرة والعجب لدی أغلب الناس، فتقول: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلی رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا} فجميع الناس سيدخلون جهنم بدون استثناء لأنّه أمر حتمي.
{ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا}، فنتركهم فيها جالسين علی الركب من الضعف و الذّل.
وهناك بحث مفصل بين المفسّرين في تفسير هاتين الآيتين حول المراد من «الورود» في جملة {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها}.
فيری بعض المفسّرين أنّ «الورود» هنا بمعنی الاقتراب والإشراف، أي إن جميع الناس بدون استثناء - المحسن منهم و المسيء - يأتون إلی جانب جهنم للحساب، أو لمشاهدة مصير المسيئين النهائي، ثمّ ينجي اللّه المتقين، ويدع الظالمين فيها.
وقد استدل هؤلاء لدعم هذا التّفسير بالآية (٢٣) من سورة القصص: {وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ..} حيث أن للورود هنا نفس المعنی.
والتّفسير الثّاني الذي اختاره أكثر المفسّرين، هو أن الورود هنا بمعنی الدخول، وعلی هذا الأساس فإنّ كل الناس بدون استثناء - محسنهم ومسيئهم - يدخلون جهنم، إلّا أنّها ستكون بردا وسلاما علی المحسنين، كحال نار نمرود علی إبراهيم يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلی إِبْراهِيمَ، لأنّ النّار ليست من سنخ هؤلاء الصالحين، فقد تفر منهم وتبتعد عنهم، إلّا أنّها تناسب الجهنميين فهم بالنسبة للجحيم كالمادة القابلة للاشتعال، فما أن تمسهم النار حتی يشتعلوا.
وبغض النظر عن فلسفة هذا العمل، والتي سنشرحها فيما بعد - إن شاء اللّه تعالی - فإنّ ممّا لا شك في أنّ ظاهر الآية يلائم وينسجم مع التّفسير الثاني، لأنّ المعنی الأصلي للورود هو الدخول، وغيره يحتاج إلی قرينة.
إضافة إلی أن جملة: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} وكذلك جملة {وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ} فِيها كلتاهما شاهدتان علی هذا المعنی. علاوة علی الرّوايات المتعددة الواصلة إلينا في تفسير الآية التي تؤيد هذا المعنی، و من جملتها:
روي عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري أنّ رجلا سأله عن هذه الآية، فأشار جابر بإصبعيه إلی أذنيه وقال: صمتا إن لم أكن سمعت رسول اللّه (صلّی اللّه عليه وآله وسلّم) يقول: «الورود الدّخول، لا يبقی بر ولا فاجر إلّا يدخلها، فتكون علی المؤمنين بردا و سلاما كما كانت علی إبراهيم، حتی أن للنّار - أو قال لجهنم - ضجيجا من بردها، ثمّ ينجي اللّه الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا» (نور الثقلين، الجزء ٣، ص٣٥٣).
وفي حديث آخر عن النّبي (صلّی اللّه عليه وآله وسلّم): «تقول النّار للمؤمن يوم القيامة: جزيا مؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي» (المصدر السّابق).
ويستفاد هذا المعنی أيضا من بعض الرّوايات الأخری. وكذلك التعبير العميق المعنی للصراط، والذي ورد في روايات متعددة بأنّه جسر علی جهنم، وأنّه أدق من الشعرة وأحد من السيف، هذا التعبير شاهد آخر علی هذا التّفسير ).(تفسير نور الثقلين، ج ٥، ص ٥٧٢ ذيل آية إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ الفجر، ١٤). (تفسير الأمثل،ج٩ ص٤٨٧.
ويمكنكم الاعتماد عل تفسير الميزان، ولكن بشرط أن تفهموا ما يقوله وتدققون في قراءته.
ودمتم موفقين.