logo-img
السیاسات و الشروط
مهدي ( 20 سنة ) - البحرين
منذ 10 أشهر

الفرق بين خمر الجنة وخمر الدنيا

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته جاء في الآية 15 من سورة محمد قوله تعالى ( وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ) في سياق بيان جزاء المتقين في الجنة، فسؤالي عن الفرق بين خمر الجنة وخمر الدنيا وجزاكم الله خير الجزاء.


وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته إبني الكريم، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "إن الخمر رأس كل أثم". ومنها: عنه (عليه السلام): إنَّ زنديقاً قال له: فلم حرّم الله الخمر ولا لذّة أفضل منها؟ قال (عليه السلام): "حرّمها لأنّها أمُّ الخبائث ورأس كلِّ شرّ يأتي على شاربها ساعة يسلب لبّه فلا يعرف ربّه ولا يترك معصية إلا ركبها ولا حرمة إلا انتهكها ولا رحماً ماسّة إلا قطعها ولا فاحشة إلا أتاها، والسكران زمامه بيد الشيطان إن أمره أن يسجد للأوثان سجد، وينقاد حيثما قاده". إنَّ السكر يصوِّر له السرقة والخيانة وهتك الحرمات وكشف الأسرار والوقوع في الأخطار المهلكة وأمثال ذلك، من الأمور البسيطة والصغيرة التي لا قيمة لها. كما تشير إلى ذلك إحصاءات الدُّول المتقدِّمة مادّياً المتخلِّفة روحياً، والتي يكثر فيها تناول المشروبات، حيث نجد فيها أكبر نسب الجريمة والفجائع، والفسق والفجور والتهتّك المخزي، التي تحصل إثر تناول الخمور والمسكرات. أمّا في الآية من سورة (محمد صلى الله عليه وآله) فإنّ أنهار الخمر وصفت بأنّ فيها لذة للشاربين، ومعنى اللذة هو كل ما يوالم النفس ولا يؤلمها أو ينافي رغباتها. اي أنّ شراب أهل الجنة بمختلف أنواعه وأصنافه لا يصيب شاربه بالألم والصداع والهلاك والإفساد على خلاف ما حرّم الله تعالى من بعض شراب الدنيا (الخمر) الذي يؤدي إلى هلاك صاحبها لما فيه من سكر يأخذ العقل ويهوي به إلى الفساد والظلم للنفس أولًا وللآخرين ثانيًا، السبب الذي لأجله حرم الله تعالى الخمر ونهى عنه، هذا فضلًا عن طمعه الخبيث ورائحته الكريهة التي تنفر منها النفوس وتشمئز. وهنا قد يسأل سائل عن سبب تسمية شراب أهل الجنة بالخمر، إن لم يكن يستر العقل، ولماذا لم يسمِّه الله تعالى باسم آخر؟ إن أخذ العقول لا يكون دومًا له معنى سلبي غير ممدوح، فقد يكون له معنى محبب للنفس وموالم لطبعها كما في جمال الطبيعة، فيقال طبيعة خلابة، وامرأة سحرت العقول بجمالها وما إلى ذلك من معاني كثيرة، ومما لا شك فيه فإنّ ما في الآخرة من نعم وعطايا تأخذ الألباب وتحرر النفوس من قيود الماديات لتحلق في ملكوت التجليات الإلهية لما ستجد من رحمة وكرم وعطاء وسخاء فتحير العقول وتنبهر، فترتفع تلك العقول وتتكامل. وجاء في الأمثال في القرآن الكريم، الشيخ جعفر السبحاني ، ص248-250. في قوله تعالى: { أَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذّةٍ لِلشّارِبِينَ } ، فتقييد الخمر بكونه لذّة للشاربين إحتراز عن خمر الدنيا ، وقد وصفَ القرآن الكريم خمر الجنّة في آية أُخرى ، وقال : { يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأسٍ مِنْ مَعِين * بَيضاءَ لَذّةٍ للشّارِبينَ * لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُون }[ الصافات : 45ـ 47] ، فقوله : { لَذّةٍ للشّارِبينَ } أي ليس فيها ما يعتري خمر الدنيا من المرارة والكراهة ، فقوله : { لا فِيها غَوْلٌ ) ، أي لا تغتال عقولهم فتذهب بها ، وقوله : { وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُون } أي يسكرون ، وبذلك يمتاز خمر الآخرة على خمر الدنيا . وكذلك ما ذكره المرحوم السيد محمد حسين الطهراني قائلًا: (وعلى ذلك فإنّ انهار الخمر هي ظهور أصناف وأنواع محبّة صفات وذات الله التي جعلها الله سبحانه للشاربين، وهم الكاملين الواصلين إلى درجة الشهود، والذين صار لديهم القابليّة لمشاهدة حسن تجليّات الصفات وشهود جمال الذات، وصاروا مولّهين بالجمال المطلق للحضرة الربوبيّة لا إدراك لهم بسببه، ووصلوا إلى مقام الروح واستغرقوا في الأنوار الإلهيّة، وستوجب لهم اللذة والبهجة والسرور والحبور. دمتم بحفظ الله ورعايته.

1