بسمه تعالى قال تعالى : ( جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) ( 1 ) . .
فما هي العلاقة بين علم الله سبحانه ما في السماء والأرض ، وبين جعله تعالى الكعبة البيت الحرام قياماً للناس ؟ ! .
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله الطاهرين . .
وبعد . .
فإن الله سبحانه قد وضع الكعبة المشرفة والبيت الحرام في تلك البقعة المباركة من لدن آدم [ عليه السلام ] . .
وهو مكان يستحيل بحسب العادة أن يكون مهداً للحضارات ، ومصدراً للرقي الإنساني ، وموضعاً لنشوء المجتمعات المتحضرة والراقية . . لأنه يفقد أدنى المقومات المطلوبة لذلك . .
ولكن الإرادة الإلهية ، والهدى الرباني قد أعطى في هذا المجال نتائج مذهلة ، وغير قابلة للتصور أو الإدراك والفهم لها ، وفقاً لما
يملكه البشر من معايير . .
فقد أصبح هذا الموضع الذي يفترض فيه أن لا يكون فيه أي أثر للأمن ، هو مصدر الأمن ، بل إن الأمن يتجلى فيه بمستويات ، لا يمكن أن ينتجها المحيط الذي وضع فيه ذلك البيت ، قال تعالى : ( أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً ) [1] و ( وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ) [2] . .
وأصبح البلد الذي هو القلب للمجتمع الجاهلي ، مصدراً للعلم والوعي والمعرفة ، ليس للمحيط الذي هو فيه وحسب ، بل للبشرية كلها ، وعبر الأزمان والأحقاب ! !
وأصبح البلد الذي هو نقطة الارتكاز للمحيط الجاهلي الغارق بالانحرافات ، ويهيمن عليه طغيان الهوى ، والشهوات ، والتمرد على الخالق ، وهو مصدر الظلم ، والشر ، والجريمة والرذيلة . .
نعم ، لقد أصبح هذا البلد بالذات مصدراً للهدى ، ومنارة للقيم ، ومعدناً للطهر ، وأسوة وقدوة في كل خلق كريم ، ومدرسة في الزهد ، والالتزام ، وعَلماً وأنموذجاً في الاستسلام لإرادة الخالق ، والعبودية له . .
وأصبح أيضاً هذا البلد الفاقد لأي من مقومات أية حياة اقتصادية مهما كانت ضعيفة وهزيلة ، مكاناً رغيداً سعيداً يجبى إليه ثمرات كل شيء ، حسبما ورد في دعاء النبي إبراهيم [ عليه السلام ] . .
وأصبح لهذا البلد الفاقد لأي مبرر لإنشاء علاقات ، وإيجاد روابط ، أو
دوافع للتواصل مع أهله . . أصبح مهوى للأفئدة ، وتشد الرحال إليه ، ويأتيه الناس من كل فج عميق ، قال تعالى حكاية لدعاء النبي إبراهيم [ عليه السلام ] : ( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ ) [1] .
وقال تعالى : ( وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) [2] .
وقال تعالى حكاية لقول النبي إبراهيم [ عليه السلام ] أيضاً : ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) [3] .
وبعدما تقدم نقول :
لو أننا عرضنا على أي إنسان يريد أن يقوم بحركة إصلاحية عامة وشاملة على مستوى العالم بأسره ، متحدياً بها وبتعاليمها طواغيت الأرض ، ويريد أن يغير الإنسان من خلالها بصورة جذرية وحقيقية ، وتتدخل في عمق شخصيته الإنسانية ، وفي أسلوب حياته ، نعم . . لو أننا عرضنا عليه أن يتخذ بلداً يشبه مكة منطلقاً لحركته ولدعوته ، ألا تراه يسخر منا ، أو على الأقل سوف يعتبر ذلك مزحة
ممجوجة وثقيلة ! !
ولكن الله سبحانه قد اختار مكة بالذات والفاقدة لكل شيء ، لتكون مصدراً للعطاء في كل شيء . .
فخلق من الموت حياة ، وأنشأ من الضعف قوة ونشر الهدى من حيث كان ينتشر الضلال . . وأوجد الأمن في موضع الخوف ، والرجاء في موقع اليأس .
أفلا يكفي ذلك لكي نعلم أن الله يعلم ما في السماوات والأرض ؟ !
والحمد لله رب العالمين . .