وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أختي الكريمة، ننقل لكم تفسير هذه الآية من تفسير الأمثل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي في الجزء الاول صفحة ٢٢٦:
((ثم يشير القرآن إلی طريقة التوبة المطروحة علی بني إسرائيل: وَ إِذْ قالَ مُوسی لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ، فَتُوبُوا إِلی بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ، فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. و «الباري» هو الخالق، و في الكلمة إشارة إلی أن هذا الأمر الإلهي بالتوبة الشديدة صادر عمّن خلقكم، و عمّن هو أعرف بما يضرّكم و ينفعكم.
ذنب عظيم و توبة فريدة
لا شك أن عبادة عجل السامري لم تكن مسألة هينة؛ لأن بني إسرائيل شاهدوا ما شاهدوا من آيات اللّه و معجزات نبيّهم موسی (عليه السّلام) ثم نسوا ذلك دفعة، وخلال فترة قصيرة من غياب النّبي إنحرفوا تماماً عن مبدأ التوحيد وعن الدين الإلهي.
كان لا بدّ من إقتلاع جذور هذه الظاهرة الخطرة، كي لا تعود إلی الظهور ثانية، وخاصة بعد وفاة صاحب الرسالة.
و من هنا كانت الأوامر الإلهية بالتوبة شديدة لم يسبق لها نظير في تاريخ الأنبياء، وتقضي هذه الأوامر أن تقترن التوبة بإعدام جماعي لعدد كبير من المذنبين علی أيديهم أنفسهم.
طريقة تنفيذ هذا الإعدام لا تقل شدة عن الإعدام نفسه، فقد صدرت الأوامر الإلهية أن يقتل المذنبون بعضهم بعضاً، وفي ذلك عذابان للمذنب: عذاب قتل الأصدقاء و المعارف علی يديه، وما ينزل به- هو نفسه- من عذاب القتل.
وجاء في الأخبار أن موسی أمر في ليلة ظلماء كل الجانحين إلی عبادة العجل، أن يغتسلوا ويرتدوا الأكفان و يعملوا السيف بعضهم في البعض الآخر.
و لعلك تسأل عن السبب في قساوة هذه التوبة ولماذا لم يقبل اللّه تعالی منهم التوبة دون إراقة للدماء؟
الجواب: إن السبب في شدّة هذا الحكم- كما ذكرنا- يعود إلی عظمة الذنب الذي إرتكبوه بعد كل ما شاهدوه من آيات ومعاجز، وإلی أن هذا الذنب يهدّد وجود الدعوة و مستقبلها؛ لإن أصول ومبادئ جميع الأديان السماوية يمكن إختزالها في التوحيد، فلو تزلزل هذا الأصل فإن ذلك يعني إنهيار جميع اللبنات الفوقية والمباني الحضارية للدين، فلو تساهل موسی (عليه السّلام) مع ظاهرة عبادة العجل؛ لأمكن أن تبقی سنّة في الأجيال القادمة، وخاصة و أن بني إسرائيل كانوا علی مرّ التاريخ قوما متعنتين لجوجين.
و لا بدّ إذن من عقاب صارم يبقی رادعاً للأجيال التالية عن السقوط في هاوية الشرك.
و لعل في عبارة قوله تعالی: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إشارة إلی هذا المعنی.))
دمتم بحفظ الله ورعايته.