تبنيتم في كتابكم " بنات النبي [ صلى الله عليه وآله ] أم ربائبه " بأنه لا يوجد بنات للنبي غير فاطمة الزهراء [ عليها السلام ] ، وقد اعترض عليكم البعض بما حاصله : " إن المعلوم تاريخيا بل هو المشهور والمتسالم عليه بين محققي الفريقين ومؤرخيهم : أنه كان للنبي [ صلى الله عليه وآله ] من البنات زينب وأم كلثوم ورقية . وأنهن عشن وتزوجن ، وإن ذهب شاذ من المعاصرين تبعا لشاذ من المتقدمين إلى نفي كون هؤلاء من بنات النبي ، مدعياً أنهن ربائب له ! ! وهذا من أغرب الآراء وأعجبها ، كونه مخالفا لصريح القرآن الكريم في قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ ) ( 1 ) .
وقال أيضاً : " فهو [ أي القرآن ] لم يتحدث عن ابنة واحدة ، وإنما تحدث عن بنات ، ما يدل على أن هناك أكثر من بنت لرسول الله [ صلى الله عليه وآله ] " [ الزهراء القدوة ص 60 و 350 ] .
فما رأيكم فيما قيل ؟
قد أجبنا عن هذا السؤال في كتابنا " خلفيات كتاب مأساة الزهراء [ عليها السلام ] " الجزء السادس من صفحة 44 إلى 55 الطبعة الأولى ، بيروت . . فيرجى المراجعة . .
ونحن نذكر هنا المقطع المشار إليه ، مع بعض التقليم والتطعيم ، فنقول :
1 - قد وجدنا : أن القرآن حين أثبت الولاية لأمير المؤمنين [ عليه السلام ] ، قال : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) [1] .
وهذه الآية قد نزلت في خصوص أمير المؤمنين [ عليه السلام ] حينما تصدق بخاتمه على الفقير ، وكان ذلك منه [ عليه السلام ] في حال ركوعه في صلاته ، وقد ثبت ذلك بالروايات المعتبرة والصحيحة التي رواها المسلمون في كتب تفاسيرهم ، وفي مجاميعهم الحديثية وغيرها . .
وقد لاحظنا أنه سبحانه قد جاء بصيغة الجمع ، فقال : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ولم يقل الذي آمن ، وأقام الصلاة وآتى الزكاة وهو راكع ، مع أنه لا يقصد سوى فرد واحد بعينه ، وخصوص واقعة معروفة ومحددة .
ولو صح ما ذكره هذا البعض ، وأردنا أن نأخذ بالقاعدة التي زعم
أنها تجري في مثل هذه الموارد ، لكان لا بد من القول : إن المقصود هو أشخاص كثيرون ، ولا ينحصر الأمر بعلي [ عليه السلام ] إلا أن يدعي أيضاً : أن هذه الآية لم تنزل في إمامة أمير المؤمنين علي [ عليه السلام ] ، كما ادعى أن آية : ( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ ) لم تنزل في الأئمة الاثني عشر . .
2 - إن الله سبحانه في آية المباهلة يقول : ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) [1] .
فقد قال : ( وَنِسَاءنَا ) بصيغة الجمع ، مع أن المقصود هو خصوص الزهراء [ عليها السلام ] ، وهي فرد واحد . وقد دلت النصوص الكثيرة التي رواها السنة والشيعة على أنها [ عليها السلام ] هي المقصودة بالآية . .
ومن يدري فلربما يأتي الوقت الذي ينكر فيه هذا البعض حتى هذا الأمر أيضاً . . وإن غداً لناظره قريب . .
كما أنه سبحانه قال : ( وأَبْنَاءنَا ) ويقصد بذلك الحسن والحسين [ عليهما السلام ] وهما اثنان فقط .
3 - كما أنه تعالى يقول : ( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَ الْمَوَدَّةَ
فِي الْقُرْبَى ) [1] والمقصود هم المعصومون منهم ، دون سواهم ، من ذوي قرباه [ صلى الله عليه وآله ] .
4 - وقال : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) ( 1 ) .
ويقصد الخمسة أصحاب الكساء ، دون كل من عداهم من أهل بيته [ صلى الله عليه وآله ] إذ لا شك في عدم دخول العباس وأبنائه وعقيل وجعفر وو . . فهؤلاء جميعاً غير داخلين في المراد من الآية فضلاً عن نسائه [ صلى الله عليه وآله ] .
وأما بالنسبة لبقية الأئمة الاثني عشر [ صلوات الله وسلامه عليهم ] فقد جاء في الروايات عن أهل بيت العصمة أنهم داخلون في المراد من الآية أيضاً .
وبعد ما تقدم نقول : إن قوله تعالى : ( وبناتك ) يقصد به أيضاً خصوص الزهراء [ عليها السلام ] ، إذ قد دل الدليل على عدم وجود بنات للنبي [ صلى الله عليه وآله ] سواها . وقد ذكرنا طائفة من هذه الأدلة في كتابنا " بنات النبي أم ربائبه " . نلخصها هنا على النحو التالي : إن مما يدل على عدم وجود بنات للنبي [ صلى الله عليه وآله ] سوى الزهراء [ عليها السلام ] :
1 - النصوص التي ذكرت : أن أبناء رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] ، ومنهم فاطمة [ عليها السلام ] قد ولدوا جميعاً بعد البعثة [1] .
2 - إن سورة الكوثر قد نزلت بعد موت أبناء رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] ، وبعد قول العاص بن وائل وغيره : قد انقطع نسله ، فهو أبتر ، إذ أن القاسم مات أولا ، ثم مات عبد الله [2] وحين مات القاسم كان عمره سنتين ، وهو أكبر ولده ، وقيل عاش حتى مشى [3] .
وقد مات القاسم بعد النبوة كما تدل عليه الأحاديث والنصوص [4] . فجاءت هذه السورة ، لتكون بشارة لرسول الله [ صلى الله عليه وآله ] ببقاء نسله وذكره ورسالته من خلال ذرية فاطمة [ عليها السلام ] ، حيث كانت [ عليها السلام ] هي آخر من ولد لرسول الله [ صلى الله عليه وآله ] [5] .
وذلك كله يدل على أنه لم يكن له [ صلى الله عليه وآله ] بنات تزوجن في الجاهلية بأبناء أبي لهب ، ثم طلقوهن ، ثم لما بعث رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] تزوجت إحداهن من عثمان ، وهاجرت معه في السنة الخامسة إلى الحبشة .
3 - إنه وإن كان قد اشتهر بين الناس ما ذكره ابن إسحاق من أن النبي [ صلى الله عليه وآله ] قد تزوج خديجة قبل البعثة بخمس عشرة سنة . . لكن هناك أقوال أخرى في تاريخ هذا الزواج . . لا يمكن معها القول بأنها قد ولدت له بنات وكبرن ، وتزوجت اثنتان منهن بابني أبي لهب ، ثم لما بعث [ صلى الله عليه وآله ] ، طلقتا منهما ، وتزوجتا بعثمان . . وذلك لأن هناك من يقول : إن خديجة [ عليها السلام ] قد تزوجت برسول الله [ صلى الله عليه وآله ] قبل البعثة بخمس سنين [1] . وقيل : قبلها بثلاث سنين [2] .
4 - إن إحدى هاتين البنتين هي أم كلثوم - التي يدعون أنها بعد أن طلقت من ابن أبي لهب - قبل الدخول - ! ! بقيت عزباء إلى أن تزوجها عثمان أيضاً ، بعد موت أختها بعد الهجرة بمدة .
واللافت : أننا لا نجد لها ذكراً في جملة النساء اللواتي هاجرن
مع علي [ عليه السلام ] ، بوصية من رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] . . بل ذكرت الفواطم ، وأم أيمن ، وجماعة من ضعفاء المؤمنين [1] .
5 - هناك رواية ذكرها أبو القاسم الكوفي مفادها : أن زينب ورقية كانتا بنتين لزوج أخت خديجة ، من امرأة أخرى ، فمات التميمي وزوجته ، وبقيت الطفلتان ، فضمتهما خديجة إليها ، فهما ربيبتا خديجة ورسول الله [ صلى الله عليه وآله ] [2] .
6 - ذكر ابن شهر آشوب : أن زينب ورقية كانتا [ ابنتي هالة أخت خديجة ] كما في كتابي الأنوار والبدع [3] .
وقال ابن شهر آشوب أيضاً : " . . وفي الأنوار ، والكشف واللمع ، وكتاب البلاذري : أن زينب ورقية كانتا ربيبتيه من جحش " [4] .
7 - إن من يدعي : أن للنبي بنات غير فاطمة يقول : إنهن بناته [ صلى الله عليه وآله ] من خديجة . . مع أن خديجة حسبما تؤيده الشواهد والأدلة قد تزوجها رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] بكراً ، ولم تكن قد تزوجت من أحد قبله [ صلى الله عليه وآله ] . ومن شواهد ذلك :
ألف - تناقض الروايات حول هذا الزواج المزعوم ، وتاريخ هذا الزواج ، وكم ولدت ؟ ومن ولدت له [1] .
ب - إن التي تمتنع من الزواج بأشراف قريش ، لا تتزوج أعرابياً من بني تميم ، ولو فعلت ذلك لعيرت به [2] . وهذا البعض قد استدل بتعيير العرب على نفي ضرب الزهراء [ عليها السلام ] ، المتواتر روائياً وتاريخياً ، فلماذا لا يستدل به على نفي تزوج خديجة من أعرابي .
ج - قال ابن شهر آشوب : روى أحمد البلاذري ، وأبو القاسم الكوفي في كتابيهما ، والمرتضى في الشافي ، وأبو جعفر في التلخيص : أن النبي [ صلى الله عليه وآله ] تزوج بها ، وكانت عذراء .
يؤكد ذلك ، ما ذكره في كتابي الأنوار والبدع : أن رقية وزينب كانتا ابنتي هالة ، أخت خديجة [3] .
8 - قد روي عن أبي الحمراء ، عن النبي [ صلى الله عليه وآله ] قوله : " يا علي أوتيت ثلاثا ، لم يؤتهن أحد ولا أنا ، أوتيت صهرا مثلي ، ولم أؤت أنا مثلي . وأوتيت صديقة مثل ابنتي ، ولم أوت مثلها [ زوجة ] . وأوتيت الحسن والحسين من صلبك ، ولم أوت من صلبي
مثلهما ، ولكنكم مني ، وأنا منكم " [1] .
وقريب منه ما روي عن أبي ذر ، مرفوعاً [2] .
فلو كان ثمة صهر لرسول الله [ صلى الله عليه وآله ] غير علي [ عليه السلام ] ، لم يصح قوله [ صلى الله عليه وآله ] : " أوتيت صهرا مثلي ، ولم أوت أنا مثلي . . " لا سيما وأن هذا الكلام قد جاء بعد ولادة الحسنين [ عليهما السلام ] . إذ أن الإشكال يصبح ظاهراً ، فإن هذه الفضيلة لا تختص بعلي [ عليه السلام ] ، بل يشاركه فيها عثمان .
9 - وفي صحيح البخاري : أن رجلاً حاول أن يسجل إدانة لعثمان ولعلي على حد سواء ، فتصدى لابن عمر ، فكان بينهما كلام ، وكان مما قاله له : فما قولك في علي وعثمان . . ؟
قال : أما عثمان ، فكان الله قد عفا عنه ، وأما أنتم فكرهتم أن تعفوا عنه . أما علي ، فابن عم رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] ، وختنه ، وأشار بيده ، فقال :
وهذا بيته حيث ترون [1] .
فنلاحظ : أن دفاع ابن عمر عن عثمان ، قد اقتصر على أنه حين فر يوم أحد قد عفا الله عنه ، لكن الخارجين عليه لم يعفوا عنه ، بل قتلوه . . ولم يذكر أنه صهر رسول الله ، أو نحو ذلك . .
أما بالنسبة لأمير المؤمنين [ عليه السلام ] فقد وصفه بأنه ابن عم رسول الله ، وصهره وكون بيته ضمن بيوت رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] . .
فلو كان عثمان صهراً لرسول الله [ صلى الله عليه وآله ] ، لكان على ابن عمر أن يستدل به أيضاً ، كما استدل به بالنسبة لأمير المؤمنين [ عليه السلام ] ، لأنه بصدد الاستدلال بكل ما يساعد على دفع التهمة عن عثمان . . فلا معنى لترك هذا البرهان القوي ، الدال على ثقة رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] به ، والتمسك بدليل ضعيف وسخيف . لأن العفو عن الفارين يوم أحد كان مشروطا بالتوبة . . وهذا إنما يشمل الذين عادوا مباشرة بمجرد معرفتهم بسلامة رسول الله ، لا بالنسبة لمن لم يعد من فراره إلا بعد ثلاثة أيام .
ولو سلمنا أن الله قد عفا عنه . . فلا يلزم من ذلك لزوم عفو الناس عنه أيضاً ، بعد أحداثه التي ارتكبها بحقهم .
بل إن عفو الله سبحانه في أحد بهدف التأليف والتقوية في مقابل العدو ، لا يلزم منه عفوه عنه بعد ذلك ، إذا كان قد ارتكب في حق المسلمين ما يوجب العقاب ، فضلاً عن أن يوجب ذلك عفو الناس .
10 - وأخيراً . . فإننا نلفت النظر إلى أن هذا البعض قد اعترف بأن خطبة الزهراء [ عليها السلام ] في المهاجرين والأنصار موثوقة ، وهو بنفسه أيضاً قد شرح هذه الخطبة ، وقد جاء فيها إشارة إلى حقيقة أن الزهراء [ عليها السلام ] كانت هي البنت الوحيدة لرسول الله [ صلى الله عليه وآله ] ، حيث قالت [ عليها السلام ] : " فإن تعزوه وتعرفوه تجدوه أبي دون نسائكم ، وأخا ابن عمي دون رجالكم ، ولنعم المعزى إليه " .
ولو كانت زوجتا عثمان ابنتين لرسول الله [ صلى الله عليه وآله ] لكان عثمان اعترض ، وقال : إن رسول الله كان أباً لزوجتيّ رقية وأم كلثوم ، وكذلك كان زوج زينب . . والغريب أن هذا البعض يعلق على هذه الفقرة بقوله :
" تجدوه أبي دون نسائكم ، فأنا ابنته الوحيدة ، ولم تقتصر على الحديث عن نفسها إلخ . . " [1] .
وقال : " قد قلنا : إن لرسول الله عدة بنات ، كما هو وارد في كتب التاريخ ، وكما يظهر من القرآن ، لكنه ميز ابنته فاطمة [ عليها السلام ] عن أخواتها " [2] .
ونقول : إن ذلك لا يصحح قولها : " كان أبي دون نسائكم . . " لأنها في مقام إثبات الفضل والتميز عليهم جميعاً ، فلو كان عثمان قد تزوج أختيها لاعترض وقال : إنه أيضاً كان أباً لزوجتي . . فلا يصح نفي هذا الأمر عني . .
وفي الختام نقول : إنه قد يكون ثمة بنات قد ولدن لرسول الله [ صلى الله عليه وآله ] ، وسماهن زينب ورقية وأم كلثوم ، لكنهن متن وهن صغار .
ثم وصفه العاص بالأبتر ، ونزلت سورة الكوثر . . وصدق الله سبحانه له وعده وولدت الزهراء ، وأعطاه الكوثر .
هذا بالإضافة إلى وجود ربيبات له [ صلى الله عليه وآله ] اسمهن أيضاً زينب ورقية وأم كلثوم . ثم تزوج عثمان باثنتين من تلك الربائب ، وتزوج أبو العاص بن الربيع بالثالثة ، غير أن ما يلفت نظرنا هو أن هذا البعض يصر على وجود بنات أخريات لرسول الله [ صلى الله عليه وآله ] سوى الزهراء [ عليها السلام ] ؟ !
فهل إن ذلك يدخل في نطاق الغيرة على الحقيقة التاريخية ؟ ! . خصوصاً تلك التي تؤدي إلى إسداء خدمة لعثمان بن عفان ، حيث ينال بذلك فضيلة جليلة ، تفيده في تأكيد صلاحيته لمقام خلافة النبوة ، ودفع غائلة الحديث عن اغتصابه هذا الموقع من صاحبه الحقيقي ، وفقا للنص الثابت بالأدلة القطعية ، والبراهين الساطعة والجلية ؟ !
ويزيد تعجبنا حين نعرف أن هذا البعض يشترط اليقين في الأمور التاريخية ، وبديهي أن مجرد وجود ظاهر لفظي لا يفيد هذا اليقين . كما أن الشهرة بين المؤرخين لا تفيده . . ولا ندري كيف يشترط ذلك الشرط ، ويستدل بهذه الأدلة ؟ ! ! .