السلام عليكم
قال تعالى:( يقلب الله الليل والنهار ان في ذلك لعبرة لاولي الابصار). ماذا قصد بعبرة هنا ولماذا استخدمها هي بالذات دون غيرها كلفظة حكمة او فكرة او غيرهن .ولماذا هذا الامر عبرة (هل يقصد امرًا يتعدى سؤال ذي البصر عمن يقلبهن)؟!
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أهلاً وسهلاً بكم في تطبيق المجيب
ولدي العزيز، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في تعريف “العِبرة”:
"العبرة: الاعتبار بما مضى، أي: الاتعاظ والتذكر" (المصباح المنير، الفيومي، ج٢، ص٣٩٠، بتصرف).
وقال ابن منظور:
"العابر: الناظر في الشيء، والمعتبر: المستدل بالشيء على الشيء" (لسان العرب، ابن منظور، ج٤، ص٥٣٠).
وجاءت “العِبرة” في القرآن الكريم على معناها اللغوي، وهو: الدلالة بالشيء على مثله للعظة والاعتبار، وحقيقتها: الحالة التي يتوصل بها من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (يوسف: ١١١).
أي: عِظة وتذكرة لهم.
(بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ج٤، ص١٥)
أما الآية الكريمة: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (النور: ٤٤)
فقد أشارت إلى واحدة من معجزات الخلق ودلائل عظمة الله، وهي خلق الليل والنهار بما فيهما من خصائص.
وقد وردت تفسيرات متعددة لمعنى “يُقلّب”، منها:
• أن تقليب الليل والنهار هو حلول أحدهما ومحو الآخر.
• أو قِصر أحدهما وطول الآخر، وذلك تدريجيًّا بحسب ارتباطه بالفصول الأربعة.
• واعتبر بعضهم أن من “تقليب” الليل والنهار تغيرات الحرّ والبرد، وما يتخللهما من حوادث.
ولا تعارض بين هذه المعاني، بل يمكن جمعها تحت مفهوم شامل لكلمة “يُقلّب”.
وقد بيّن العلم الحديث أن لهذا التقليب أثرًا حيويًّا وفعّالًا في:
• استمرار الحياة وبقاء الإنسان.
• تنظيم الحرارة: فلو كانت حرارة الشمس بنسق واحد مستمر، لأدى ذلك إلى ارتفاع مهلك في درجة الحرارة، وهلاك الأحياء، واضطراب الأعصاب.
• لكنّ وجود الليل بين نهارين يحقق اعتدالًا حراريًّا ضرورياً لاستمرار الحياة.
• كما أن التغيرات التدريجية في الليل والنهار سبب مباشر في ظهور الفصول الأربعة، وهو عامل مؤثّر في:
• نمو النبات.
• حياة الكائنات.
• هطول الأمطار.
• تكوّن المياه الجوفية، وهي من أعظم ثروات الأرض.
(تفسير الأمثل، الشيخ مكارم الشيرازي، ج١١، ص١٣١)
إذن استخدام كلمة “عِبْرة” دون “فكرة” أو “حكمة”، يشير إلى أن ما في خلق الله ليس مجرد مشاهد تثير العقل أو تُدهش الحواس، بل هي دلائل موجّهة للقلب والعقل معًا، تُراد بها الهداية واليقظة الروحية، لا مجرد التأمل.
فـ”العبرة” تتطلب تجاوز ظاهر المشهد إلى ما وراءه، واكتشاف المقصود الإلهي من الخلق والنظام.
ولهذا خُصّ بها أُولو الأبصار، أي أصحاب البصائر النافذة، الذين لا يكتفون برؤية الليل والنهار، بل يرون وراء هذا النظام يد الله في الخلق والتدبير والتربية
ودمتم في رعاية الله تعالى وحفظه.