logo-img
السیاسات و الشروط
aya ( 16 سنة ) - العراق
منذ 10 أشهر

الإمام جعفر الصادق وآراؤه السياسية

يُقال بأن الامام جعفر الصادق عليه السلام كان بشكل عام ضد الثورات، هل هذا صحيح. ارجو جواب مع الشواهد


أهلاً وسهلاً بكم في تطبيق المجيب أبنتي الكريمة، لم يكن الإمام الصادق (عليه السلام) ضد مبدأ الثورة أو المطالبة بالحق والعدل بشكل مطلق، فتعاليمه كانت تدعو إلى إقامة العدل ورفض الظلم، وكانت تتسم بالحكمة والواقعية مراعاةً للظروف المحيطة. شهد عصر الإمام الصادق (عليه السلام) العديد من الثورات العلوية التي انتهت غالباً بالفشل ونتج عنها سفك دماء كثيرة وتعرض الشيعة للاضطهاد الشديد. يبدو أن الإمام كان يرى أن الظروف الموضوعية لم تكن مواتية لنجاح ثورة مسلحة شاملة تؤدي إلى إقامة حكم عادل ومستقر، ولذا، كان يجنح نحو الحفاظ على الأتباع وحماية المذهب من الإبادة، وتجنب الزج بهم في صراعات غير متكافئة. ومن هذا المنطلق أصدر جملة من التوصيات لشيعته التي كان من شأنها أن تجنّبهم الدخول في المعادلات السياسية المتغيرة التي تؤدي بنتيجتها إلى استنزاف الوجود الشيعي في نظر الإمام (عليه السّلام) محذّرا من أساليب العنف والمواجهة كخيار لهذه المرحلة. فعن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: « اتقوا اللّه وعليكم بالطاعة لأئمتكم، قولوا ما يقولون، واصمتوا عما صمتوا، فإنكم في سلطان من قال اللّه تعالى: {وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ} يعني بذلك ولد العباس، فاتقوا اللّه فأنكم في هدنة، صلّوا في عشائرهم واشهدوا جنائزهم، وأدّوا الأمانة إليهم» (الكافي، الشيخ الكليني، ج٨، ص٢١٠). ويمكن بلورة سيرة الإمام (عليه السّلام) ومنهجه السياسي - مع الأطراف الطامعة بالحكم، أو العباسيين الّذين يرون في الإمام الصادق (عليه السّلام) وخطه خطرا حقيقيا على سلطانهم - من خلال موقف الإمام (عليه السّلام) من عرض أبي سلمة الخلّال. لقد أدرك أبو سلمة الخلّال، وهو أحد الدعاة العباسيين النشطين في الكوفة والذي لعب دورا متميزا في نجاح الدعوة العباسية وتكثير أنصارها في الكوفة، وذلك لما امتاز به من لياقة وعلم ودهاء، وثراء حيث أنفق من ماله الخاص على رجال الدعوة العباسية، وكانت له علاقة خاصة واتصالات مستمرة مع إبراهيم وأدرك بعد موت إبراهيم بأن الأمور تسير على خلاف ما كان يطمح إليه أو لعلّه كان قد تغير هواه واستجد في نفسه شيء ولاحظ أنّ مستقبل الخلافة سيكون إلى أبي العباس أو المنصور وهما غير جديرين بالخلافة أو لطمعه بالسلطة، نراه يكتب للعلويين وفي مقدمتهم الإمام الصادق (عليه السّلام) بأنه يريد البيعة لهم. لكننا لا نفهم من رسالة - أبي سلمة - للإمام (عليه السّلام) بأنها رسالة ندم أواعتراض على النهج العباسي وخديعتهم للعلويين أو إدانة أساليبهم في الاستيلاء على السلطة. نعم، إن الّذي نجده عند مشهور المؤرخين هو أنّ أبا سلمة الخلال أراد نقل الخلافة إلى العلويين ولم يوفق لذلك. ونجد في جواب الإمام (عليه السّلام) على رسالة أبي سلمة: أن الإمام (عليه السّلام) قد رفض العرض لا بسبب كون الظروف قلقة وغير مؤاتية فحسب بل كان الرفض يشمل أبا سلمة نفسه حيث قال: «مالي ولأبي سلمة وهو شيعة لغيري» (مروج الذهب، ج٣، ص٢٥٤). وأكد الإمام (عليه السّلام) رفضه القاطع عندما قام بحرق الرسالة التي بعثها له أبو سلمة جوابا لأبي سلمة. قال المسعودي في كتابه مروج الذهب، ج٣، ص(٢٥٤): فخرج الرسول من عند الإمام الصادق وأتى عبد اللّه بن الحسن، ودفع إليه الكتاب وقرأه وابتهج، فلما كان غد ذلك اليوم الذي وصل إليه فيه الكتاب ركب عبد اللّه حتى أتى منزل أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق (عليه السّلام) فلما رآه أبو عبد اللّه أكبر مجيئه، وقال: يا أبا محمد (وهي كنية عبد اللّه المحض) أمر ما أتى بك؟ قال: نعم هو أجل من أن يوصف، فقال له: وما هو يا أبا محمد؟ قال: هذا كتاب أبي سلمة يدعوني للخلافة، وقد قدمت عليه شيعتنا من أهل خراسان، فقال له أبو عبد اللّه: يا أبا محمد ومتى كان أهل خراسان شيعة لك؟ أنت بعثت أبا مسلم إلى خراسان؟ وأنت أمرتهم بلبس السواد؟ هؤلاء الذين قدموا العراق أنت كنت سبب قدومهم أو وجهت فيهم؟ وهل تعرف منهم أحدا؟ فنازعه عبد اللّه بن الحسن الكلام إلى أن قال: إنما يريد القوم ابني محمدا لأنه مهدي هذه الأمة. فقال أبو عبد اللّه جعفر الصادق: «ما هو مهدي هذه الأمة ولئن شهر سيفه ليقتلن». فقال عبد اللّه: كان هذا الكلام منك لشيء. فقال الصادق (عليه السّلام): «قد علم اللّه أني أوجب النصيحة على نفسي لكل مسلم فكيف أدّخره عنك فلا تمنّ نفسك الأباطيل، فإن هذه الدولة ستتم لهؤلاء وقد جاءني مثل الكتاب الذي جاءك». أما المرحلة التي سادها الاضطراب فلم تكن في نظر الإمام (عليه السّلام) وتقديره صالحة لتقبل أطروحته إذ قال له: (عليه السّلام) « ولا الزمان زماني » (الملل والنحل للشهرستاني، ج١، ص١٥٤). ودمتم في رعاية الله وحفظه.

1