وعيكم السلام ورحمة الله وبركاته
أهلاً وسهلاً بكم في تطبيق المجيب
أخي الكريم، منذ أن شُرّع الجهاد في الإسلام، لم يكن سبيلًا إلى التوسّع أو الاعتداء، بل فريضة لحفظ الدين، وردع الظلم، ونصرة المستضعفين.
وقد رسم النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرون معالم هذا الجهاد، فكان سعيهم لإقامة العدل لا لإراقة الدم، وللإصلاح لا للانتقام، حتى في أحلك ميادين الحرب وأشدّها وطأة.
وفي ظلّ الصراع القائم، يُطرح سؤال ملحّ: هل يجوز شرعًا قتل النساء والأطفال التابعين للكيان الغاصب في حال اندلاع الحرب مع دولة إسلامية؟
للإجابة عن هذا السؤال، لابدّ من العودة إلى ضوابط الشريعة، وعدالة العقيدة، وسيرة المعصومين (عليهم السلام) بعيدًا عن الانفعال، وبموازين الإنصاف الإلهي:
أولًا: الجهاد في الإسلام ساحة للعدل لا للعدوان:
لقد حدّد القرآن الكريم الغاية من الجهاد في قوله تعالى: {وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}، (البقرة: ١٩٠)
فالمقاتلة مشروعة لمن يعتدي، والعدوان محرَّم مطلقًا، ولو على أعداء الدين، ولهذا، سنّ النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) في وصاياه لأمراء السرايا آدابًا رفيعة، فقد رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا بعث سرية دعا بأميرها فأجلسه إلى جنبه وأجلس أصحابه بين يديه ثم قال: سيروا بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقطعوا شجرة إلا أن تضطروا إليها ولا تقتلوا شيخا فانياً ولا صبياً ولا امرأة، وأيما رجل من أدنى المسلمين وأفضلهم نظر إلى أحد من المشركين فهو جار حتى يسمع كلام الله فإذا سمع كلام الله (عز وجل) فإن تبعكم فأخوكم في دينكم وإن أبي فاستعينوا بالله عليه وأبلغوه مأمنه» (الكافي، الشيخ الكليني، ج٥، ص٣٠).
وعلى هذا المنهج، نرى الالتزام بهذا الميزان الشرعي، فلا تستهدف المدنيين، ولا تُطلق النار عشوائيًا، بل تُنبّه الناس داخل الكيان الغاصب إلى الابتعاد عن المراكز العسكرية التي تُعدّ أهدافًا مشروعة في عرف الحرب.
وهذا الالتزام العملي ليس موقفًا سياسيًّا عابرًا، بل نابع من فقه راسخ، يرى أن النصر لا يتحقّق بالخروج عن حكم الله، ولا يُطلب بالتعدي على الأبرياء، وإن كانوا تحت راية العدو.
ثانيًا: عدالة الله ومصير الأطفال في الآخرة:
ربّما يُقال: ما ذنب الأطفال الذين يُقتَلون في الحرب؟
والجواب: إنّ الله سبحانه عادلٌ لا يظلم أحدًا، والأطفال الذين يُقتلون دون أن يبلغوا أو يُمكَّنوا من معرفة الحق، يُمتحنون في الآخرة كما ورد في الروايات، فقد روي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته هل سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الأطفال؟ فقال: «قد سئل فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين». ثم قال: «يا زرارة هل تدري قوله: " الله أعلم بما كانوا عاملين" ؟ قلت: لا، قال: لله فيهم المشيئة إنه إذا كان يوم القيامة جمع الله (عز وجل) الأطفال والذي مات من الناس في الفترة والشيخ الكبير الذي أدرك النبي (صلى الله عليه وآله) وهو لا يعقل والأصم والأبكم الذي لا يعقل والمجنون والأبله الذي لا يعقل، وكل واحد منهم يحتج على الله (عز وجل) فيبعث الله إليهم ملكا من الملائكة فيؤجج لهم نارا ثم يبعث الله إليهم ملكا فيقول لهم: إن ربكم يأمركم أن تثبوا فيها، فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما وادخل الجنة ومن تخلف عنها دخل النار» (الكافي، الشيخ الكليني، ج٣، ص٢٥٢).
فلا يُعذَّب طفل إلا بعد إتمام الحجة عليه، وهذا من تمام عدل الله.
ثالثًا: النساء بين البراءة من الظلم والرضا به:
ليست النساء جميعًا في دار الحرب سواء، ولا يُحكم لهنّ أو عليهنّ بحكمٍ واحدٍ مطلق، بل يُنظر إلى حال كلٍّ منهنّ وما تُبديه من موقف تجاه العدوان.
فمن كانت راضيةً بجرائم الكيان الغاصب، مؤيّدةً لعدوانه، قابلةً بهويته الاستيطانية وسياسته الدموية، فإنها ـ وإن لم تمسك السلاح ـ داخلة في صفّ المعتدين، وحكمها في الجملة يقترب من حكم المحاربين، لأنها انخرطت في جبهة الباطل برضاها وموقفها، لا باليد فقط.
وقد بيّن أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا المبدأ بقوله الخالد: «الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم، وعلى كل داخل في باطل إثمان إثم العمل به وإثم الرضى» (نهج البلاغة، ج٤، خطب الإمام علي (عليه السلام)، ص٤٠)
فالساكت عن الجريمة، والراضي بها، شريكٌ في الإثم، وإن لم يباشر الفعل بيده، والشريعة لا تكتفي بفعل الجوارح، بل تُدين المواقف القلبية إذا اقترنت بالقبول الصريح للعدوان.
وعلى هذا الأساس، فإنّ الحكم الفقهي للنساء في أرض العدوّ لا يُبنى على مجرد كونهنّ نساء، بل على موقعهنّ من جبهة القتال، هل هنّ في صفّ العدوان، أم في عزلةٍ عنه، أم في موقف البراءة منه؟
رابعًا: التترّس بالدروع البشرية المكر الحربي والموقف الشرعي:
من الحِيَل الحربية التي يلجأ إليها أعداء الإسلام، التترّس بالنساء والأطفال، بحيث يجعلونهم حائلًا بين المقاتلين وبين القوة العسكرية، طلبًا للعصمة من الردّ، أو لإحراج الطرف المسلم أمام الرأي العام.
وقد واجه الفقه الإمامي هذه المسألة بدقّة ووضوح، وبيّن حدودها وأحكامها.
يقول العلّامة الحلي (قدس سره) في تذكرة الفقهاء: لو تترس الكفار بنسائهم وصبيانهم، فإن دعت الضرورة إلى الرمي بأن كانت الحرب ملتحمة وخيف لو تركوا لغلبوا، جاز قتالهم، ولا يقصد قتل الترس ولا يكف عنهم لأجل الترس. ولقول الصادق (عليه السلام): «ولا يمسك عنهم لهؤلاء» لما سئل عن قتلهم وفيهم النساء والصبيان والشيخ الكبير والأسارى من المسلمين، ولأن ترك الترس يؤدي إلى تعطيل الجهاد، ولئلا يتخذوا ذلك ذريعة إليه، (تذكرة الفقهاء ( ط . ج )، العلامة الحلي، ج٩، ص٧٣).
ولذلك شدّد الفقهاء على أن النية في مثل هذا المورد يجب أن تتجه نحو القوة العسكرية لا نحو المدنيين، وأن يُراعى تقليل الضرر ما أمكن، وأن يُقاتَل العدو بدافع دفع العدوان، لا من باب التشفي أو التوسعة في القتل.
وعلى هذا النهج الشرعي، نرى المسلمين والشيعة بالخصوص تلتزم التزامًا واضحًا بأدبيات الحرب في الإسلام، فلا تستهدف المدنيين عمدًا، بل تعلن ـ في حال اشتداد المواجهة ـ عن المواقع العسكرية التي ستُستهدف، وتُخطر السكان بالخروج من تلك المناطق، ما يدلّ على وعي شرعي وأخلاقي لا يستهين بالدماء، ولا يُفرّط بالقيم الإلهية في أحلك لحظات الصراع
خاتمة:
نصيحة للمسلمين في زمن التشويش والتزوير:
أيها الأخوة المؤمنون، احذروا من زيف الكيان الغاصب وألاعيبه، فهو لا يكتفي بقتل الأبرياء والظلم، بل يسعى إلى تشويه الحقائق، وبث الأكاذيب التي تهدف إلى تضليل العقول، وتفريق الصفوف، وإضعاف الموقف الإسلامي الموحد.
فلا تصدقوا ما يُروّج من أخبار مفبركة، ولا تغتروا بالدعايات التي تُسوّق للباطل تحت مظلة “الحق”.
كونوا يقظين واعين، فالعدو يستغل كل وسيلة، إعلاميا وسياسيًا، ليقوّض عزيمة الأمة ويشوّه صورتها أمام العالم.
وتذكروا دومًا أن الحق لا يُهزم بالباطل، وأن النصر الحقيقي لا يأتي إلا بثبات القلوب، وصون القيم، والتمسك بالعدل والرحمة التي أمرنا بها النبي وأهل بيته (عليهم السلام).
كونوا على هدى ميزانهم، لا تبرّروا الباطل، ولا تقبلوا الخداع، بل اجعلوا حكمة الدين ونوره نهجكم في كل موقف، لكي تكونوا دومًا سدا منيعًا في وجه الظلم، وحصنًا لا يخترق بليل الأكاذيب
أسأل الله أن يحفظ دماء الأبرياء، وأن ينصر المستضعفين، وأن يجعلنا من الراسخين في العلم، القائمين بالحق، السائرين على صراط الأئمة الأطهار (عليهم السلام) وأن يهدينا إلى ما فيه الخير لأمتنا وأفرادنا، ويجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
ودمتم في رعاية الله وحفظه.