logo-img
السیاسات و الشروط
مجهول ( 20 سنة ) - العراق
منذ 11 شهر

أبعاد الجهاد في العصر الحديث

السلام عليكم لدي سؤال دائما يخطرني وهو في الزمن الحالي عندما تريد الدولة الجهاد في سبيل الله (مثلا ايران ضد اسرائيل) سيفعلون نعم ولكن سكان الدولة اغلبهم سوف يقتل ولربما هم غير راضيين عن ذلك ولا يريدون الجهاد او ممن هم اطفال ونساء فهل هذه الدولة وحكامها سوف يعتبرون ظالمين لانهم اعتبار قتلوا هؤلاء ام ماذا وكيف سيتم حساب هؤلاء المقتولون


وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ولدي العزيز، في بداية الأمر نقول لك بارك الله فيك على اهتمامك، فنقول لك منذ أن شُرّع الجهاد في الإسلام، لم يكن سبيلًا إلى التوسّع أو الاعتداء، بل فريضة لحفظ الدين، وردع الظلم، ونصرة المستضعفين. وقد رسم النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرون معالم هذا الجهاد، فكان سعيهم لإقامة العدل لا لإراقة الدم، وللإصلاح لا للانتقام، حتى في أحلك ميادين الحرب وأشدّها وطأة. وفي ظلّ الصراع القائم، يُطرح سؤال ملحّ: هل يجوز شرعًا قتل النساء والأطفال التابعين للكيان الغاصب في حال اندلاع الحرب مع دولة إسلامية؟ للإجابة عن هذا السؤال، لابدّ من العودة إلى ضوابط الشريعة، وعدالة العقيدة، وسيرة المعصومين (عليهم السلام) بعيدًا عن الانفعال، وبموازين الإنصاف الإلهي: أولًا: الجهاد في الإسلام ساحة للعدل لا للعدوان: لقد حدّد القرآن الكريم الغاية من الجهاد في قوله تعالى: {وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}، (البقرة: ١٩٠). فالمقاتلة مشروعة لمن يعتدي، والعدوان محرَّم مطلقًا، ولو على أعداء الدين، ولهذا، سنّ النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) في وصاياه لأمراء السرايا آدابًا رفيعة، فقد رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا بعث سرية دعا بأميرها فأجلسه إلى جنبه وأجلس أصحابه بين يديه ثم قال: سيروا بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقطعوا شجرة إلا أن تضطروا إليها ولا تقتلوا شيخا فانياً ولا صبياً ولا امرأة، وأيما رجل من أدنى المسلمين وأفضلهم نظر إلى أحد من المشركين فهو جار حتى يسمع كلام الله فإذا سمع كلام الله (عز وجل) فإن تبعكم فأخوكم في دينكم وإن أبي فاستعينوا بالله عليه وأبلغوه مأمنه» (الكافي، الشيخ الكليني، ج٥، ص٣٠). وعلى هذا المنهج، نرى الالتزام بهذا الميزان الشرعي، فلا تستهدف المدنيين، ولا تُطلق النار عشوائيًا، بل تُنبّه الناس داخل الكيان الغاصب إلى الابتعاد عن المراكز العسكرية التي تُعدّ أهدافًا مشروعة في عرف الحرب. وهذا الالتزام العملي ليس موقفًا سياسيًّا عابرًا، بل نابع من فقه راسخ، يرى أن النصر لا يتحقّق بالخروج عن حكم الله، ولا يُطلب بالتعدي على الأبرياء، وإن كانوا تحت راية العدو. ثانيًا: عدالة الله ومصير الأطفال في الآخرة: ربّما يُقال: ما ذنب الأطفال الذين يُقتَلون في الحرب؟ والجواب: إنّ الله سبحانه عادلٌ لا يظلم أحدًا، والأطفال الذين يُقتلون دون أن يبلغوا أو يُمكَّنوا من معرفة الحق، يُمتحنون في الآخرة كما ورد في الروايات، فقد روي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته هل سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الأطفال؟ فقال: «قد سئل فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين». ثم قال: «يا زرارة هل تدري قوله: " الله أعلم بما كانوا عاملين" ؟ قلت: لا، قال: لله فيهم المشيئة إنه إذا كان يوم القيامة جمع الله (عز وجل) الأطفال والذي مات من الناس في الفترة والشيخ الكبير الذي أدرك النبي (صلى الله عليه وآله) وهو لا يعقل والأصم والأبكم الذي لا يعقل والمجنون والأبله الذي لا يعقل، وكل واحد منهم يحتج على الله (عز وجل) فيبعث الله إليهم ملكا من الملائكة فيؤجج لهم نارا  ثم يبعث الله إليهم ملكا فيقول لهم: إن ربكم يأمركم أن تثبوا فيها، فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما وادخل الجنة ومن تخلف عنها دخل النار» (الكافي، الشيخ الكليني، ج٣، ص٢٥٢). #فلا يُعذَّب طفل إلا بعد إتمام الحجة عليه، وهذا من تمام عدل الله. ثالثًا: النساء بين البراءة من الظلم والرضا به: ليست النساء جميعًا في دار الحرب سواء، ولا يُحكم لهنّ أو عليهنّ بحكمٍ واحدٍ مطلق، بل يُنظر إلى حال كلٍّ منهنّ وما تُبديه من موقف تجاه العدوان. فمن كانت راضيةً بجرائم الكيان الغاصب، مؤيّدةً لعدوانه، قابلةً بهويته الاستيطانية وسياسته الدموية، فإنها ـ وإن لم تمسك السلاح ـ داخلة في صفّ المعتدين، وحكمها في الجملة يقترب من حكم المحاربين، لأنها انخرطت في جبهة الباطل برضاها وموقفها، لا باليد فقط. وقد بيّن أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا المبدأ بقوله الخالد: «الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم، وعلى كل داخل في باطل إثمان إثم العمل به وإثم الرضى» (نهج البلاغة، ج ٤، خطب الإمام علي (عليه السلام)، ص ٤٠) فالساكت عن الجريمة، والراضي بها، شريكٌ في الإثم، وإن لم يباشر الفعل بيده، والشريعة لا تكتفي بفعل الجوارح، بل تُدين المواقف القلبية إذا اقترنت بالقبول الصريح للعدوان. وعلى هذا الأساس، فإنّ الحكم الفقهي للنساء في أرض العدوّ لا يُبنى على مجرد كونهنّ نساء، بل على موقعهنّ من جبهة القتال، هل هنّ في صفّ العدوان، أم في عزلةٍ عنه، أم في موقف البراءة منه؟