logo-img
السیاسات و الشروط
اللهم صل على محمد وآل محمد ( 20 سنة ) - العراق
منذ 11 شهر

معاناة الأسرة مع الأب المريض

سلام علیکم والدي رجل مريض لايستطيع الجلوس طويلًابسبب ظهره،ويقضي وقته ممددًا، ونعرض عليه‌ عمل بسيط يرفض يقول ظهري،لكنه رغم ذلك يعاملنا بقسوة. يضرب إخوتي بشدة لأسباب بسيطة ككسر بيضة، ويترك آثارًا سوداء على أجسادهم عندما يُذكَّر بمرضه، يتجاهل الأمر. أمي باعت ذهبها وأعطته المال ليشتري سيارة، لكنه يسبها إن تأخرت بالطعام، ولا يعطيها حتى مبلغًا بسيطًا لشراء ثوب، بينما يذهب يشتري الفلر لنفسه. يصرخ علينا إن تأخرنا في النوم أوالأكل ويسبنا، ويمنع أخواتي من التحدث في البيت رغم عدم خروجهن من البيت أبداحتى يقولن ماذانفعل أين نذهب نريد أن نغير عن أنفسنا لانخرج من البيت ولا ياتينا احد وتريد ان تمنعنا من الكلام. وفي أحد الأيام ضرب أختي الصغرى ،ولماحاولت أختي الكبرى منعه ضربها بعنف حتى كادت تختنق كأنها ستموت لاانسى منضرها، وكذلك ضربنا كلنا سؤالي:هل يُؤثم على ضربه وسبّه ولعنه؟ اريد اتصدق عنه


وعيكم السلام ورحمة الله وبركاته أهلاً وسهلاً بكم في تطبيق المجيب ابنتي الكريمة، نسأل الله تعالى أن يفرّج همّك، ويثبّتكِ على صراطه المستقيم، وأن يفرّج عنكِ وعن إخوتكِ ما أنتم فيه من ضيقٍ وأذى، وأن يرزقكم من حيث لا تحتسبون. لقد آلَمَنا ما ذكرتِه من شدّة المعاناة التي تعيشونها مع والدكم، وما تقاسونه من ضربٍ مبرّح، وسبّ، وإهانة متكرّرة، رغم ما يمرّ به من ظروف صحّية. نسأل الله له الشفاء والعافية، ولكم الصبر والثبات، وأن يعجّل لكم بالفرج والمخرج. ونضع بين يديكِ الجواب الشرعي والتربوي، مستندًا إلى القرآن الكريم، وسُنّة المعصومين عليهم السلام، وفتاوى المرجعية العليا. أولًا: مقام الوالدين في الإسلام: لقد عظّم الإسلام من شأن الوالدين، وأمر بالإحسان إليهما مهما بلغا من الظلم والجهل، فقال تعالى: ﴿ {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} (الإسراء: ٢٣). وقال تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} (سورة لقمان، آية ١٥). ولكن هذا المقام لا يعني جواز الظلم ولا يُسقط مسؤولية الوالدين عن أفعالهما، ولا يجعل التجاوز على الأبناء مباحًا أو مسكوتًا عنه، فالشرع لا يُبيح الإيذاء مطلقًا. ثانيًا: حرمة الضرب والإيذاء الجسدي: ما صدر من والدكم - بحسب ما ذكرتِ - من ضربٍ عنيف خلّف آثارًا جسديةً كالاحمرار أو السواد أو الجروح، يُعدّ من المحرّمات الأكيدة شرعًا، بل هو من الجنايات التي يترتب عليها الضمان والدية، حتى لو صدر من الأب تجاه أبنائه. وقد بيّن الفقهاء، ومنهم المرجع الديني الأعلى سماحة السيد السيستاني (دام ظله) أن: الضرب المؤذي، الذي يترك أثرًا ظاهرًا على البدن، كالخدش أو التورّم أو الكدمات، تجب فيه الدية، وإن كان من الوالد على ولده، ولا يُعفى الوالد من الضمان، ولا يُباح له الإضرار بأولاده البالغين. ثالثًا: حدود طاعة الوالدين: الطاعة للوالدين ليست مطلقة، بيّن فقيه الطائفة المرجع الديني الأعلى سماحة السيد السيستاني دام ظله حدود ما يجب على الأبناء تجاه آبائهم، فقال: الواجب على الأبناء تجاه أبويه أمران: الأوّل: الإحسان إليهما، بالإنفاق عليهما إن كانا محتاجين، وتأمين حوائجهما المعيشيّة، وتلبية طلباتهما فيما يرجع إلى شؤون حياتهما في حدود المتعارف والمعمول حسبما تقتضيه الفطرة السليمة ويعدُّ تركها تنكّراً لجميلهما عليه، وهو أمر يختلف سعةً وضيقاً بحسب اختلاف حالهما من القوّة والضعف. الثاني: مصاحبتهما بالمعروف، بعدم الإساءة إليهما قولاً أو فعلاً وإن كانا ظالمين له، وفي النص: (وإن ضرباك فلا تنهرهما وقل غفر الله لكما). هذا فيما يرجع إلى شؤونهما، وأمّا فيما يرجع إلى شؤون الولد نفسه ممّا يترتّب عليه تأذّي أحد أبويه فهو على قسمين: ١. أن يكون تأذّيه ناشئاً من شفقته على ولده، فيحرم التصرّف المؤدّي إليه، سواء نهاه عنه أم لا. ٢. أن يكون تأذّيه ناشئاً من اتّصافه ببعض الخصال الذميمة كعدم حبّه الخير لولده دنيويّاً كان أم اُخرويّاً. ولا أثر لتأذّي الوالدين إذا كان من هذا القبييل، ولا يجب على الولد التسليم لرغباتهما من هذا النوع، وبذلك يظهر أنّ إطاعة الوالدين في أوامرهما ونواهيهما الشخصيّة غير واجبة في حدّ ذاتها." وعليه، فإنّ ما تقومين به من طاعةٍ لأمّك، وإحسانٍ إليـها، مع ما تواجهينه من أذى نفسي وجسدي، يُعدّ من أسمى صور البرّ الذي أمر الله تعالى به، وأنتِ ـ بحول الله ـ مأجورةٌ ومثابةٌ عليه، ما دمتِ لا تردّين الإساءة بمثلها، بل تصبرين وتحتسبين، وتبتغين وجه الله في ذلك، وهذا هو خُلُق الأنبياء والصالحين. غير أنّ ما بلغته حالتك من أذىٍ بدني، بلغ حدّ الجراح والإضرار الجسدي الموجب للعلاج والجراحة، لا يُرضي الله عزّ وجل، وترتّب على هذا الأذى إصابات بدنية كالسواد أو الاحمرار أو الجرح، فلكِ المطالبة بالدية الشرعية، كما بيّن الفقهاء ذلك في أبواب الجنايات. ثم اعلمي يا ابنتي الكريمة أن تأذّي الوالدين من تصرّفات أبنائهما يُنظر فيه إلى علّته ومنشئه: ١. فإن كان التأذّي ناشئًا عن شفقة صادقة وحرصٍ مخلصٍ على مصلحتك، فلا يجوز لكِ الإقدام على ما يؤذيها، سواء عبّرت عن ذلك بالرفض أم لا، إذ الشفقة باب من أبواب الرحمة. ٢. وأما إذا كان التأذّي ناشئًا عن خصالٍ مذمومة، كالحسد أو حبّ السيطرة أو عدم إرادة الخير لك في دنياك أو آخرتك، فلا يُعتدّ بهذا التأذّي، ولا تجب طاعتها في مثل هذه الموارد، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا في ما يُفضي إلى ظلم النفس أو إذلالها رابعًا: ماذا عليكِ أن تفعلي؟ نوصيكِ بما يلي: ١. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بلُطفٍ ورفق، وذكّري والدكِ بين حين وآخر بآيات العذاب وأحاديث أهل البيت عليهم السلام التي تنهى عن الظلم، لعلّه يتّعظ. ٢. عامليه بالاحترام ما استطعتِ، ولا تجاريه في الغضب أو الإهانة، وإن أساء فخاطبيه بكلمة طيبة: غفر الله لك يا والدي. ٣. استعيني بشخصٍ مقرّب منه (كأحد الأقارب أو أهل الفضل)، يحترمه ويثق به، ليُبلّغه بلُطفٍ بما تعانون منه، دون أن يشعر بالإهانة أو التحدّي. ٤. ادعي له دائمًا بالهداية، فإن القلوب بين يدي الله، وقد يلين بها قلبٌ قاسٍ، أو تُزال بها غشاوةٌ عن بصيرة مضطربة. ٥. تصدّقي عنه بنية الهداية، فكم من صدقة رفعت البلاء، وفتحت باب الهداية والرحمة، وغيّرت مصير أناسٍ لم ينفعهم النصح ولا الكلام. ٦. تأمّلي حاله بعين الرحمة، لا بعين الحقد، فلعلّ ما يصدر عنه ليس عن خبثٍ مقصود، بل نتيجة تعبٍ نفسي أو بدني، أو غفلةٍ عن حدود الله. وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «مَنْ نَظَرَ إِلَى أَبَوَيْهِ نَظَرَ مَاقِتٍ لَهُمَا وَهُمَا ظَالِمَانِ لَهُ لَمْ يَقْبَلِ اَللَّهُ لَهُ صَلاَةً» (وسائل الشیعة، الحر العاملي، ج٢١، ص٥٠١) ختاماً: ابنتي، ما تفعلينه من صبرٍ وضبطٍ لنفسكِ، هو في ميزان البرّ والعبادة، فاحتسبي أجركِ عند الله، واصبري كما صبر الأنبياء والمرسلون، واعلمي أن الظلم مردود، وأن الله لا يضيّع حقًّا ولا يسكت عن باطل، وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال:«…كَمَا تَدِينُ تُدَانُ، وَكَمَا تَزْرَعُ تَحْصُدُ، وَكَمَا تَصْنَعُ يُصْنَعُ بِكَ، وَمَا قَدَّمْتَ إِلَيْهِ تُقْدِمُ عَلَيْهِ غَداً لاَ مَحَالَةَ» (تحف العقول، ص154)، وهذا يعني أن تصرفاتك ستعود إليك بأفضل مما تتصور، فاعملي دائمًا بحسن نية، وتوجه إلى الله بكل خطوة، فكل عمل صالح يعود بركة ونفعًا في الدنيا ونسأل الله تعالى أن يُفرّج كربتكم، ويهدي والدكم، ويكتب لكم في هذه المحنة أجر الصابرين، ويجعلها سببًا في رفعتكم في الدنيا والآخرة. ودمتم في رعاية الله وحفظه.