سلام عليكم
اني تعرضت لعنف من اخواني بعد مامات ابوي ومريت بامراض نفسيه بسبهم وفقدت حتى دراستي اني بسب الم يلي تعرضت اله بسبهم صرت اكرهن كلش هواي هل هذا حرام
وعيكم السلام ورحمة الله وبركاته
أهلاً وسهلاً بكم في تطبيق المجيب
ابنتي الكريمة، أسأل الله أن يجبر كسرك، ويداوي جراحك، ويمنّ عليكِ براحة القلب وسعة الصدر، ويجعل لكِ من ضيقكِ فرجًا، ومن حزنكِ مخرجًا، ويردّ لكِ ما فات بأضعاف الخير والرحمة.
إنّ صلة الرحم من أعظم القربات التي أكّد عليها الإسلام، وقد أمر الله تعالى بها في كتابه، فقال: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (النساء: ١)
وجعلها النبيّ (صلى الله عليه وآله) سببًا لطول العمر وسعة الرزق، فقال: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَجَلِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (الخصال، الشيخ الصدوق، ج١، ص٣٢).
غير أنّ الشريعة حين أمرت بصلة الرحم، لم تغفل عن حالات الظلم والأذى والعدوان، ولم تُلزم المؤمن بأن يُعرّض نفسه للإهانة، أو يُجبر على التواصل القريب مع من كسر نفسه، بل جاءت برحمةٍ واسعة، تُراعي حال الجراح، وتُفرّق بين الواجب الشرعي وبين ما لا يطيقه الإنسان من المواجهة المباشرة.
فإذا تعرّض الإنسان لعنفٍ جسديّ أو نفسيّ شديد من ذوي رحمه، وأثّر ذلك على صحّته النفسية وكيانه، فإنّ ما ينشأ في قلبه من نفور أو كراهيةٍ لا يُعدّ حرامًا شرعًا، ما دام ليس عن اختيارٍ وعداوةٍ دينية، بل هو شعور فُرض عليه بفعل الألم والظروف.
ومع ذلك، فإنّ الواجب عليكِ لا يسقط، بل المطلوب منكِ هو صلة الرحم ولو بأدنى مراتبها، كإلقاء السلام، أو السؤال عن الحال، بشرط أن تتحقّق صلة الرحم عرفا، حتى لا تقعي في حرمة قطيعة الرحم، التي ورد فيها النهي الشديد في القرآن والسنة.
وأمّا الكراهية التي تصفينها، فما دامت لا تُترجم إلى قطيعة مقصودة، أو دعاءٍ بالسوء، أو إساءةٍ في المقابلة، فإنّها لا تُعدّ حرامًا شرعًا، لأنها غالبًا ما تكون نتيجة طبيعية للأذى الشديد، لا اختيارًا عن سابق نية.
ومع ذلك، اجعلي مظلمتكِ بينكِ وبين الله تعالى، فهو الحكم العدل، لا يضيع عنده حقّ عبدٍ مظلوم، وأدّي ما أوجبه الله عليكِ من صلة الرحم، ولو بأدنى المراتب، كإلقاء السلام، أو السؤال من بعيد، أو الدعاء في ظهر الغيب، بحسب قدرتكِ وطاقتكِ.
وتذكّري دائمًا وعده الحقّ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} (الطلاق: ٢-٣).
فمن اتقى الله في أقسى لحظات الألم، جعل له الله مخرجًا لم يكن يراه، وفتح له أبواب الرحمة من حيث لا يدري
ابنتي، نصيحتي العملية لكِ:
١. توجّهي إلى الله تعالى بالدعاء والشكوى، فالله يسمع أنين المظلوم، وهو أرحم بكِ من نفسك، وأقرب إليكِ من كل أحد.
وداومي على أداء الواجبات التي فرضها الله عليكِ، وابتعدي عن المحرّمات، فإنّ الطاعة تحفظ القلب، وتفتح أبواب الرحمة، وتُقرّبكِ من العافية والسكينة.
٢. ابدئي رحلة التعافي، ولو بخطوة صغيرة، سواء عبر دعمٍ نفسي من طبيب نفسية من أهل الخبرة؛ فالنفس المجروحة تحتاج إلى مَن يُضمّدها او بالتوجه الى الله كأداء الوجبات فاملئي وقتكِ بطاعة الله وبالعبادات اليومية، واحرصي على الصلاة في أول وقتها، وأكثري من تلاوة القرآن، ودعاء التوسل، وزيارة عاشوراء، وكرّري قول الله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد: ٢٨).
٣. لا تسمحي للأذى أن يُطفئ نوركِ أو يُفسد مستقبلكِ، بل اجعليه وقودًا للنهوض، فإنّ الله يرفع عبده بصبره، ويجعل من الانكسار بدايةً للقوة والنجاح.
٤. انوي الخير دومًا، حتى إن عجزتِ عن فعله الآن، فإنّ الله مطّلع على نيّتك، ويجزيكِ عليها فضلًا ورحمة، فقد ورد: «نية المؤمن خير من عمله».
٥. إيّاكِ أن تجعلي الكره دافعًا لكِ في الحياة، فإنّه يُتعب القلب ويُعمي البصيرة.
بل اجعلي الحقَّ ميزانكِ، والحبَّ لله هو الذي يُحرّك قلبكِ، مهما اشتدّت الجراح، فإنّ القلب إذا بقي لله، بقي صامدًا نقيًّا لا تلوّثه العداوات ولا تستهلكه الأحزان
واعلمي يا ابنتي، أن العفو مقامٌ رفيع، لا يُطلب قسرًا، ولا يُفرض على القلب المجروح، بل هو ثمرة صبرٍ وإيمان، يُرتقى إليه بتدرّج، ولا يكون على حساب النفس، بل معها وبها، وبقدر ما تحتمل وتطيق.
أسأل الله تعالى أن يُنزل عليكِ سكينته، ويعينك على نفسك، ويطهّر قلبكِ من ألم الجراح، ويجعل ما مررتِ به سببًا لرفعةٍ عنده، وكرامةٍ في الدنيا والآخرة.
ودمتم في رعاية الله وحفظه.