وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أهلاً وسهلاً بكم في تطبيق المجيب
ابنتي الكريمة، دعاء كميل بن زياد المنسوب لأمير المؤمنين (عليه السلام)، ذو المضامين العالية والدقيقة، وله من الفضل ما لا يعد ولا يحصى والذي نتقرب إلى الله بقراءته في بعض الأيام والليالي. وقد جاء في بعض فقرات الدعاء المبارك ذكر لبعض آثار الذنوب، وشرح شرح هذا الدعاء بعض علمائنا الأبرار ومنهم السيد عبد الأعلى السبزواري (قدس سره) حيث نذكر ملخص ما شرحه، ويمكن مراجعة المصدر لمعرفة التفاصيل:
أولاً:«اَللّهُمَّ اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تَهْتِكُ الْعِصَمَ»:
الغفران والمغفرة الستر، وهو تعالى غفور وغفّار، أي ستار للجرائم والخطيئات الشرعية والنقائص الإمكانية بذيل رحمته الرحمانية ورحمته الرحيمية. و (الذنوب) جمع (الذنب وهو الإثم والجريمة. وقال الشيخ الجليل أمين الإسلام أبو علي الطبرسي (طاب ثراه) في مجمع البيان في تقسيم الذنوب إلى كبيرة وصغيرة: «وإلى هذا ذهب أصحابنا (رضي الله عنهم) فإنهم قالوا : المعاصي كلها كبيرة، لكن بعضها أكبر من بعض، وليس في الذنوب صغيرة، وإنما تكون صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر، ويستحق العقاب عليه أكثر». و (هَتَكَ) الْهَاءُ وَالتَّاءُ وَالْكَافُ: أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى شَقٍّ فِي شَيْءٍ. وَالْهَتْكُ: شَقُّ السِّتْرِ عَمَّا وَرَاءَهُ. وَهُتِكَ عَرْشُ فُلَانٍ: هُدَّ وَشُقَّ. وَسِرْنَا هُتْكَةً مِنَ اللَّيْلِ، أَيْ سَاعَةً. وَهَاتَكْنَاهَا: سِرْنَا فِي دُجَاهَا. وَالْمَعْنَى أَنَّا شَقَقْنَا الظَّلَامَ(١).
والعصم، العصمة: وهي المنع، والمراد بها هنا: إمّا منع نزول المكروه ورفع ما يدفع العقاب، أو رفع ما يفتح باب الخسران والخذلان، وإيجاب الفضاحة والفظاعة في الدنيا والآخرة.
والذنوب التي«تَهْتِكُ الْعِصَمَ» على ما روي عن الصادق (عليه السّلام): «شرب الخمر، واللعب، والقمار، وفعل ما يضحك الناس من اللهو، وذكر عيوب الناس، ومجالسة أهل الريب».
ثانياً: «اَللّـهُمَّ اغْفِـرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ النِّقَمَ»:
(النقم) جمع نقمة بمعنى الأخذ بالعقوبة، وهي ضدّ النعمة.
بيان ما يترتب على الذنوب:
و (الذنوب التي تصير سبباً لنزول النقم هي- على ما جاءت به الرواية-: نقض العهد، وظهور الفاحشة، وشيوع الكذب، والحكم بغير ما أنزل الله تعالى، ومنع الزكاة، وتطفيف الكيل. قال رسول الله له: (خمس بخمس). قالوا: يا رسول الله ما خمس بخمس ؟ قال: (ما نقض قوم العهد إلا وسلّط الله عليهم عدوهم، وما ظهرت عنهم الفاحشة إلا وقد فشا فيهم الموت، وما شاع فيهم الكذب والحكم بغير ما أنزل الله إلا وقد فشا فيهم الفقر، وما منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر، وما طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين»(٢).
ثالثاً: «اَللّهُمَّ اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُغَيِّـرُ النِّعَمَ»:
النعم، جمع (نعمة)- بكسر النون - وهي ما يلتذ ويتنعم به الإنسان من المال والنساء، والقوى والآلات والأدوات، والصحة والفراغة، والمأكولات والمشروبات والأنعام من الأغنام والإبل والخيول والبغال والحمير والبقرات، وغيرها مما أنعم الله به على عباده (وإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) (إبراهيم: ٣٤).
الذنوب المغيرة للنعم:
كما جاءت بها الرواية: ترك شكر المنعم، والافتراء على الله والرسول، وقطع صلة الرحم، وتأخير الصلاة عن أوقاتها حتى انقضت أوقاتها، والدياثة، وترك إغاثة الملهوفين المستغيثين، وترك إعانة المظلومين.
وبالجملة، قد قرر الشارع لكل نعمة أنعم الله بها على عباده شكراً وطاعة، كما قال تعالى : لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)(إبراهيم: ٧). وعليه ومعلوم أن تركه يصير سبباً لأخذ المنعم تلك النعمة عن المنعم. وعن الصادق ، قال : نحن والله نعمة الله التي أنعم بها على عباده، وبنا فاز من فاز»(٣).
رابعاً: «اَللّـهُمَّ اغْفِرْ لي الذُّنُوبَ الَّتي تَحْبِسُ الدُّعاء»:
الحبس: الوقوف والتوقيف، خلاف الإطلاق والإرسال. والذنوب التي تحبس الدعوات وتمنعها عن الوصول إلى ذروة إجابة قاضي الحاجات - على ما روي عن سيد الساجدين زين العابدين - (هي: سوء النية، وخبث السريرة، والنفاق مع الإخوان، وترك التصديق بالإجابة، وتأخير الصلاة المفروضة حتى تذهب أوقاتها)(٤).
بيان الذنوب الحابسة لغيث السماء:
وقال في الذنوب التي تحبس غيث السماء: (هي جور الحكام، وشهادة الزور، وكتمان الشهادة، ومنع الزكاة، والمعاونة على الظلم، وقساوة القلب على الفقراء)(٥).
وبالجملة: من الذنوب التي تحبس الدعاء : فساد النيات للأغراض الباطلة المتعلقة بالاتجاه إلى العاجلة والترك عن الآجلة، الكاشفة عن الأهوية الفاسدة والعقائد الكاسدة، كما قال الله تعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَيْنَتَهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ) (المؤمنون: ۷۱).
خامساً: «اَللّـهُمَّ اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ الْبَلاءَ»:
البلاء والبلية والبلوة -بالكسر-: الغم، كأنه يبلي الجسم.
بيان الذنوب المنزلة للبلاء:
و (الذنوب) التي تصير سبباً لنزول البلاء - كما روي عن السجاد - هي: ترك إغاثة الملهوف، وترك إعانة المظلوم، وتضييع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(٦).
وفي بعض الأخبار: أنها سبع، وقد عدوها من الكبائر، وهي: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله تعالى، وقذف المحصنة وأكل مال اليتيم ظلماً، والزنا، والفرار من الزحف، والسرقة.
أي المكروه وخلاف العافية. والذنوب التي تنزلها على ما روي عن سيّد العابدين: "ترك إغاثة الملهوف، وترك معاونة المظلوم، وتضييع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
سادساً: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تَقْطَعُ الرَّجَاءَ»:
(الرجاء): يجيء بمعنى التمني والترجي، وبمعنى: الخوف. فالرجاء قسمان: رجاء ممدوح، ورجاء مذموم. فالممدوح هو رجاء رحمة الله تعالى، وتوقعها من العمل الصالح المعد لحصولها، وترك الانهماك في المعاصي، المفوت لهذا الاستعداد.
والرجاء المذموم: الذي هو في الحقيقة حمق وغرارة، وهي توقع الرحمة من غير عمل صالح، وعدم الاجتناب عن المعاصي والخطيئات، قال الله تعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَبِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ) (البقرة: ٢١٨).
ومقابل هذا الرجاء اليأس والقنوط والحرمان والمؤمن ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه متساويين، بحيث لو وزن خوفه ورجاؤه لاعتدلا، كما في الحديث: (خف الله خوفاً ترى أنك لو أتيته بحسنات أهل الأرض لم يقبلها منك وارج الله رجاء ترى أنك لو أتيته بسيئات أهل الأرض غفرها لك).
الذنوب القاطعة للرجاء:
والذنوب التي تقطع الرجاء - كما جاءت بها الرواية -: اليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والثقة بغير الله، والتكذيب بوعده)(٧). [المصدر: شرح دعاء كميل، السيد عبد الأعلى السبزواري، بتصرف]
………………………
١- ص32 - كتاب مقاييس اللغة - باب الهاء والتاء وما يثلثهما - المكتبة الشاملة.
٢- بحار الانوار، ج٧٠، ص ٣٧٠.
٣- بحار الانوار، ج٩، ص ١١٢،و ٢١٨.
٤- معاني الأخبار، ج ۲، ص ۲۷۱، وسائل الشيعة، ج١٦، ص ۲۸۲، أبواب الأمر والنهي ب ٤١ ح ٨.
٥- معاني الأخبار، ج۲، ص ۲۷۱، وسائل الشيعة، ج ۱٦، ص ۲۸۲، أبواب الأمر والنهي ب ٤١.
٦- بحار الانوار: ج٧٠، ص ٣٧٥.
٧- معاني الأخبار، ج٢، ص٢٧١.