السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
منذ عدة سنوات و انا اتعلم الدين عن طريق دراسة بعض الكتب بصورة رقمية من دون علم أهلي ، لكن قبل فترة اشتريت بعض الكتب ، منتهى الامال للشيخ عباس القمي ، و المنطق للمظفر ، و حق اليقين للسيد عبدالله شبر ، و تنزيه الأنبياء للسيد الشريف المرتضى ، بعد ان علموا أهلي بذلك بدر منهم اعتراض كبير على هذه الأمور لسوء فهمهم حيث يظنون ان هذا الطريق عاقبته غير جيدة ، و تغيرت طريقة تعاملهم حتى فتشوا هاتفي ليعرفوا لماذا أتيت بهم ، اريد نصيحتكم، كيف اقنعهم في هذا الطريق.
جزيتم خيرا
عليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أهلاً وسهلاً بكم في تطبيق المجيب.
ولدي العزيز، لقد قرأت رسالتك بعين الأبوة التي تفرح حين ترى في أبنائها بذور الهداية والنور، وتطمئن حين تجد فيهم روحًا تطلب العلم، وتتشوق إلى معارف آل محمد عليهم السلام، وهم خزّان الحكمة، ومناهل النور، وأئمة الهدى، إنك– يا بني– على طريق شريف، بل هو أشرف الطرق، فقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال : "قال رسول الله عليه السلام : طلب العلم فريضة على كل مسلم ، ألا إن الله يحب بغاة العلم" (الكافي، ج ١، الشيخ الكليني، ص ٧٨).
وري عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال:"كفى بالعلم شرفا أن يدعيه من لا يحسنه ويفرح إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ذمّا أن يبرأ منه من هو فيه." (نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، ج ٧، ص ٣٨).
ولكن يا بني، كما أنّ لكل طريق نورًا يُهتدى به، فإنّ له ضوابط وحدودًا تحفظ سالكه من الزلل والانحراف. فاقبل منّي– وأنا لك بمنزلة الأب المشفق– هذه الوصايا التي أرجو أن تكون لك عونًا في سلوك هذا الطريق المبارك، قبل أن أُرشدك إلى كيفية التعامل مع أهلك وإقناعهم:
أوّلاً: يا بني، إنّ علوم أهل البيت (عليهم السلام) راسخة الجذور، عميقة المضامين، لا يُدرك كنهها على وجهها التام إلّا بالتلقي المباشر عن أهلها، من العلماء الراسخين، والأساتذة في الحوزات العلمية، فإنّ الاقتصار على المطالعة الذاتية دون مرشد، لا سيما في أبواب العقائد، والمنطق، والكلام، قد يوقع في سوء الفهم، أو يفتح باب الإنحراف الخفي، وإن كان القصد سليمًا، فاحرص على أن يكون لك أستاذ ثقة، تستوضح منه ما يشكل عليك، وتعرض عليه ما تقرأ، ليكون لك ميزانًا في الفهم، ووقاية من الزلل
ثانيًا: تذكّر يا ولدي أنّ الدين ليس مجرد معلومات تُحفظ، ولا مصطلحات تُردّد، بل هو خُلق يُعاش، وسلوك يَشهد له من حولك قبل أن تنطقه لسانك، روي، عن ابن أبي يعفور قال: "قال أبو عبد الله ( عليه السلام ): كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير، فإن ذلك داعية". (الكافي، ج ٢، الشيخ الكليني، ص ٧٨).
فليكن لعلمك ثمرةٌ في طاعتك، ولخشوعك أثرٌ في سلوكك، ولرغبتك في الله انعكاسٌ في تعاملك مع أهلك، خاصة والديك.
واعلم إنّ برّ الوالدين ليس أمرًا ثانويًا، بل هو من صلب الدين، بل قرن الله طاعته بطاعتهما، فقال تعالى في سورة الإسراء: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} (الإسراء: ٢٣).
فصبرك على اعتراضهم– وإن كان قاسيًا– وتواضعك لهم، واحترامك لرأيهم، كل ذلك جزءٌ من الطريق إلى الله، بل من علامات صدقك في الطلب، فإنّ طالب العلم الصادق يُمتحن لا بكثرة القراءة فحسب، بل بثباته على مكارم الأخلاق.
ثالثًا: يا بني، لا تُغفل جانب الفقه العملي، فهو زادُ السالك إلى الله في كل يوم وليلة، تعلّم أحكام الطهارة والصلاة، والصدق والكذب، والغيبة والنميمة، وسائر ما يتعلّق بالحلال والحرام، فإنّ هذه الأحكام هي التي تهذّب النفس، وتضبط الجوارح، وتجعلك ممّن يعبد الله على بصيرة. وفي التزامك العملي بهذه التعاليم، يكون لعلمك أثرٌ محسوس على أهلك، يقرّب قلوبهم إليك، ويُلين موقفهم من طريقك.
واعلم يا بني إنّ العلم الذي لا يُثمر عملًا، يكون حُجّةً على صاحبه لا له، كما روي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "العلم مقرون إلى العمل، فمن علم عمل، ومن عمل علم، والعلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلّا ارتحل عنه". (الكافي، ج ١، الشيخ الكليني، ص ٩٢).
وقد قال الله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}،(المجادلة: 11).
وليس المراد بالعلم في الآية مجرد الفهم النظري أو الحفظ الذهني، بل العلم الذي يصحبه التقوى، ويُثمر الامتثال والخضوع لأوامر الله عز وجل؛ فهذا هو العلم الذي تُرفع به الدرجات، ويُنال به القرب من حضرة ربّ الأرض والسماوات. ومتى انعكس هذا العلم سلوكًا عمليًا في حياتك، كان نورًا يُضيء لمن حولك، وهدًى لأهلك، وأبلغ في إقناعهم من أي حجة تُقال باللسان.
رابعًا: زَيِّنْ قلبك بكتب الأخلاق، فإنّها تليّن النفس، وتُصفّي الروح، وتُقوّي الإرادة. اقرأ بتدرّج وتأمّل كتبًا مثل:
١. كتاب، مرآة الرشاد ، في الوصية الى الأحبة والذرية والأولاد ·
المؤلف: الشيخ عبدالله المامقاني
٢.كتاب، جامع السعادات. المؤلف: المولى محمد مهدي النراقي
٣. كتاب، الأخلاق والآداب الإسلامية. المؤلف: عبدالله الهاشمي
فهذه الكتب، إن أُخذت بحقّها، لا تكتفي بأن تجعلك حافظًا للعلم، بل تُحوّلك إلى عبدٍ لله، خاشعٍ في قلبه، نقيٍّ في سلوكه، متخلّقٍ بأخلاق أوليائه. وإذا ما طبّقت معانيها في حياتك، انعكس أثرها على أهلك، فكان علمك هدىً لهم، وصلاحك دعوةً صامتة ترقّق قلوبهم، وتليّن مواقفهم، وتفتح لهم باب الفهم والرضا
خامسًا: أمّا عن أهلك– يا بني– فاعذرهم، فإنّ ما بدا منهم من شدّة أو تفتيش، إنّما هو خوفٌ عليك، وإن كان في غير محله، فسببه– في الغالب– جهلٌ بحقيقة الطريق الذي تسلكه، أو تجربة سابقة مرّوا بها، أورثتهم شكًّا أو ريبة.
فاصبر عليهم، وبيّن لهم بلطفٍ وهدوء أنك لم تنجرف وراء تيارات باطلة، ولا اتبعت فكرًا دخيلًا، وإنما تقرأ كتبًا لأعلام الطائفة، من العلماء الموثوقين، الثابتين على نهج أهل البيت (عليهم السلام).
وإن استطعت أن تُريهم أثر هذا العلم في أخلاقك، وانضباطك، وبرّك، واحترامك لهم، فذلك أبلغ في التأثير من ألف كلمة تُقال. فإن الأفعال أصدق شاهد، والخلق الحسن أقوى برهان. وبهذا تكون– دون أن تشعر– آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، لا بغلظة وتعصّب، بل برفقٍ ورحمة، كما قال الصادق (عليه السلام): كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم ، ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير ، فإنّ ذلك داعية". (الكافي، ج ٢، الشيخ الكليني، ص ٧٨)
وأخيرًا، أوصيك يا بني بالإكثار من الدعاء، والتوسّل بأهل البيت (عليهم السلام)، أن يُثبّتك على طريقهم، ويجعلوا علمك نورًا لا فتنة، ورحمةً لا نقمة، وأن يفتحوا لك ولأهلك أبواب الفهم والرضا.
ولا تنسَني من صالح دعائك عند مناجاتك ومطالعتك.
أسأل الله أن يفتح على قلبك فتوح العارفين، ويجعلك من طلاب العلم العاملين، وأن يرزقك الإخلاص في القول والعمل، وينفع بك أهلك ومن حولك، ويجعلك هاديًا مهديًّا، لا ضالًا ولا مضلًا، بحق محمد وآله الطاهرين.
ودمتم في رعاية الله وحفظه.