logo-img
السیاسات و الشروط
( 23 سنة ) - العراق
منذ سنة

نشأة علم التفسير وأهميته

كيفية نشأ علم التفسير و ما أسباب الحاجة إليه وأهميته؟


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مرحباً بكم في تطبيقكم المجيب بدأ التفسير وبيان معاني ألفاظ القرآن وعباراته من عصر الرسول (صلى الله عليه وآله) وكان هو المعلم الأول للقرآن الكريم وتوضيح مقاصده وحل ما غمض من عباراته، قال تعالى {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}(النحل: ٤٤). وقال سبحانه: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} (الجمعة: ٢). وفي عصر النبي وبأمر منه اشتغل جماعة من الصحابة بقراءة القرآن وحفظه وضبطه، وهم الذين يسمون بـ"القراء". وبعد الصحابة استمر المسلمون في التفسير ولازال حتى الآن فيهم مفسرون. علم التفسير وطبقات المفسرين: اشتغل جماعة من الصحابة بالتفسير بعد أن ارتحل الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى الرفيق الأعلى، ومنهم أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله الأنصاري وأبو سعيد الخدري وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وأنس وأبو هريرة وأبو موسى، وكان أشهرهم عبد الله بن عباس. كان منهج هؤلاء في التفسير أنهم ينقلون ما يسمعوه من النبي (صلى الله عليه وآله) في معاني الآيات بشكل أحاديث مسندة وبلغت هذه الأحاديث كلها إلى نيف واربعين ومائتي حديث أسانيد كثير منها ضعيفة ومتون بعضها منكرة لا يمكن الركون اليها. وربما ذكر هؤلاء تفسير بعض الآيات على أنه تفسير منهم بدون اسناده إلى الرسول (صلى الله عليه وآله)، فعد المفسرون من متأخري أهل السنة هذا القسم أيضا من جملة الأحاديث بحجة أن الصحابة أخذوا علم القرآن من النبي ويبعد أن يفسروا من عند أنفسهم. ولكن لا دليل قاطع على كلامهم هذا، بالاضافة إلى أن كمية كبيرة من الأحاديث المذكورة واردة في أسباب نزول الآيات وقصصها التاريخية، كما أن فيها أحاديث غير مسندة منقولة عن بعض علماء اليهود الذين أسلموا ككعب الأحبار وغيره. وكان ابن عباس في أكثر الأوقات يستشهد بأبيات شعرية في فهم معاني الآيات، كما نرى ذلك جليا في مسائل نافع بن الأزرق، فان ابن عباس عند الاجابة عليها استشهد بالشعر في اكثر من مائتي مورد من الآيات، وقد نقل السيوطي مائة وتسعين جوابا منها في كتابه الاتقان. ومن هنا لا يمكن اعتبار الأحاديث المنقولة عن الصحابة أحاديث نبوية كما لا يمكن القول بأنهم لم يفسروا مطلقا برأيهم. ومفسرو الصحابة هم الطبقة الأولى من مفسري الصحابة. الطبقة الثانية هم التابعون، وهم تلامذة مفسري الصحابة، وهم مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وضحاك. ومن هذه الطبقة ايضا الحسن البصري وعطاء بن ابي رباح وعطاء بن أبي مسلم وابي العالية ومحمد بن كعب القرطي وقتادة وعطية وزيد بن أسلم وطاوس اليماني. الطبقة الثالثة تلامذة الطبقة الثانية، كربيع بن انس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وأبو صالح الكلبي ونظرائهم. كان من منهج التابعين في التفسير أنهم ينقلونه أحيانا بصورة أحاديث عن الرسول الكريم أو الصحابة، وأحيانا ينقلونه بشكل نظريات خاصة بلا اسنادها إلى أحد، فعامل متأخر والمفسرين مع هذه الأقوال معاملة الأحاديث النبوية واعتبروها أحاديث موقوفة. ويطلق على الطبقتين الأخيرتين لفظة "قدماء المفسرين". الطبقة الرابعة أوائل المؤلفين في علم التفسير، كسفيان ابن عيينة ووكيع بن الجراح وشعبة بن الحجاج وعبد بن حميد وغيرهم. ومن هذه الطبقة أيضا ابن جرير الطبري صاحب التفسير المشهور. ومنهج هذه الطبقة من المفسرين كان نقل أقوال الصحابة والتابعين بشكل أحاديث في مؤلفاتهم التفسيرية بدون ذكر آرائهم الخاصة. الا أن ابن جرير في تفسيره قد يبدي رأيه في ترجيح بعض الأحاديث على بعضها وكيفية الجمع بينها. ومن هذه الطبقة تبدأ طبقات المفسرين المتأخرين. الطبقة الخامسة المفسرون الذين نقلوا الأحاديث في تفاسيرهم بحذف الأسانيد واكتفوا بنقل الأقوال والآراء. قال السيوطي: فدخل من هنا الدخيل والتبس الصحيح بالعليل. الا أن المتدبر في الأحاديث المسندة يرى أيضا كثيرا من الوضع والدس، ويشاهد الأقوال المتناقضة تنسب إلى صحابي واحد، ويقرأ قصصا وحكايات يقطع بعدم صحتها، ويمر على أحاديث في أسباب النزول والناسخ والمنسوخ لاتتفق مع سياق الآيات. ومن هنا نقل ان الامام أحمد بن حنبل قال: ثلاثة لا أصل لها المغازي والملاحم وأحاديث التفسير. ونقل عن الامام الشافعي أن الثابت من الأحاديث المروية عن ابن عباس مائة حديث فقط. الطبقة السادسة المفسرون الذين كتبوا التفسير بعد ظهور العلوم المختلفة ونضجها، فكتب كل منهم حسب اختصاصه وفي العلم الذي أتقنه: فالنحوي أدرج المباحث النحوية كالزجاج والواحدي وأبي حيان، والاديب أورد المباحث البلاغية كالزمخشري في كشافه، والمتكلم اهتم بالمباحث الكلامية كالفخر الرازي في تفسيره الكبير والصوفي غاص في المباحث الصوفية كابن العربي وعبد الرزاق الكاشاني في تفسيريهما، والاخباري ملأ كتابه بالأحاديث كالثعلبي في تفسيره، والفقيه جاء بالمسائل الفقهية كالقرطبي في تفسيره. وقد خلط جماعة آخرون في تفسيرهم بين العلوم المختلفة كما نشاهده في تفسير روح المعاني وروح البيان وتفسير النيسابوري. والخدمة التي قدمتها هذه الطبقة إلى علم التفسير هي اخراجه من جموده واخضاعه للدرس والبحث، ولكن الانصاف يقتضي القول بأن كثيرا من المباحث التي كتبها هؤلاء حملت على القرآن حملا ولا تدل عليها الآيات. أسلوب مفسري الشيعة وطبقاتهم: الطبقات التي ذكرناها هي طبقات المفسرين من السنة ورأينا أن لهم منهجا خاصا في التفسير ساروا على ضوئه من حين نشأته، فجلعوه أحاديث نبوية وأقوال للصحابة والتابعين ولم يجيزوا اعمال النظر فيها لأنه يكون من قبيل الاجتهاد مقابل النص. ولكن لما ظهر التناقض والتضارب والدس والوضع فيها بدأت الطبقة السادسة تعمل رايها فيها وتجتهد. أما المنهج الذي اتخذته الشيعة في تفسير القرآن الكريم فيختلف مع منهج السنة، ولذا يختلف تقسيم طبقاتهم مع الطبقات المذكورة. تعتقد الشيعة بنص من القرآن الكريم حجية أقوال النبي (صلى الله عليه وآله) في التفسير، وترى أن الصحابة والتابعين كبقية المسلمين لاحجية في أقوالهم الا ماثبت أنه حديث نبوي. وقد ثبت بطرق متواترة في حديث الثقلين أن أقوال العترة الطاهرة من أهل بيته عليهم السلام هي تالية لأقوال الرسول، فهي حجة أيضا. ومن هنا أخذت الشيعة في التفسير بما أثر عن النبي وأهل بيته (عليهم السلام) فكانت طبقات المفسرين منهم كما يلي: الطبقة الأولى: الذين رووا التفسير عن النبي (صلى الله عليه وآله) وائمة اهل البيت (عليهم السلام) وأدرجوا الأحاديث في مؤلفاتهم المتفرقة، كزرارة ومحمد بن مسلم ومعروف وجرير واشباههم. الطبقة الثانية أوائل المؤلفين في التفسير، كفرات بن ابراهيم الكوفي وابي حمزة الثمالي والعياشي وعلي بن ابراهيم القمي والنعماني. وطريقة هؤلاء في تفاسيرهم تشبه طريقة الطبقة الرابعة من مفسري أهل السنة، فقد رووا الأحايث المأثورة عن الطبقة الأولى وأدرجوها مسندة في مؤلفاتهم ولم يبدوا آراءهم الخاصة في الموضوع. ومن الواضح أن الزمن الذي كان يمكن الأخذ فيه عن الأئمة (عليهم السلام) كان طويلا بلغ نحوا من ثلاثمائة سنة، فكان من الطبيعي أن لا يضبط الترتيب الزمني لهاتين الطبقتين بصورة دقيقة، بل كانتا متداخلتين من الصعوبة بمكان التفريق الدقيق بينهما. وقد قل عند أوائل مفسري الشيعة نقل أحاديث التفسير بشكل روايات مرسلة في تفاسيرهم، وكنموذج لنقل الأحاديث مروية بدون أسانيد نلفت الأنظار إلى تفسير العياشي الذي حذف بعض تلامذته اسانيده اختصارا، فاشتهرت نسخة التلميذ المختصرة وحلت محل نسخة الأصل. الطبقة الثالثة اصحاب العلوم المختلفة، كالشريف الرضي في تفسيره الأدبي والشيخ الطوسي في تفسيره الكلامي المسمى بالتبيان والمولى صدر الدين الشيرازي في تفسيره الفلسفي والميبدي الكونابادي في تفسيره الصوفي والشيخ عبد علي الحويزي والسيد هاشم البحراني والفيض الكاشاني في تفاسيرهم نور الثقلين والبرهان والصافي. وهناك جماعة جمعوا في تفسيرهم بين العلوم المختلفة، ومنهم الشيخ الطبرسي في تفسيره "مجمع البيان" الذي يبحث فيه عن اللغة والنحو والقراءة والكلام والحديث وغيرها. وأما أسباب الحاجة إلى التفسير؟ إذا كان القرآن الكريم قد أنزله الله نوراً وهدىً وتبياناً لكلّ شيء: - {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} (النساء: ١٧٤). - {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ}(آل عمران: ١٣٨). - {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (الجاثية: ٢٠). - وإذا كان قد جاء ليكون بنفسه أحسن تفسيراً {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} (الفرقان: ٣٣). فما هي الحاجة إلى علم التفسير؟ يمكن الإجابة عن هذا السؤال بذكر الأسباب التالية: ١. إنّ القرآن الكريم جاء تشريعاً للأصول والمباني، وأَجْمَلَ في البيان إيكالاً إلى تبيين النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تفاصيل ما نُزّل إليهم. جاء عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) نزلت عليه الصلاة ولم يُسمَّ لهم ثلاثاً، ولا أربعاً، حتّى كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الّذي فسّر لهم ذلك». (الكافي، محمّد بن يعقوب الكليني، تحقيق: علي أكبر الغفّاري، ج١، ص٢٨٦، دار الكتب الإسلامية، ١٩٨٦م). ٢. احتواء القرآن على معانٍ دقيقة ومفاهيم رقيقة، مثل أسرار الخليقة والوجود وصفاته تعالى، وهي فوق مستوى البشرية آنذاك، ليقوم النبيّ (صلى الله عليه وآله) بتبيينها وشرح تفاصيلها. ٣. اشتمال القرآن على بيان حوادث غابرة وأمم خالية، جاء ذكرها لأجل العظة والاعتبار إلى جنب عادات جاهلية كانت معاصرة، عارضها وشدّد النكير عليها، مثل نهيه عن دخول البيوت من ظهورها، ومسألة النسيء ... المزید فقطعها من جذورها. وكل هذه الأمور جاءت مجملة بحاجة إلى شرح وبيان لا تتمّ إلّا من خلال التفسير بالمأثور. ٤. جاء في القرآن الكريم كلمات عربية غريبة صعبة الفهم على عامة الناس وهي على أفصح وأبلغ وجه، فكانت بحاجة إلى شرح وبيان وتفسير. ولذا قال الراغب في المفردات: فالتفسير إمّا أن يستعمل في غريب الألفاظ نحو : "البحيرة" و"السائبة" و"الوصيلة" أو في وجيز كلام يبيّن ويشرح، لقوله: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ } (المائدة: ١٠٣) أو في كلام مضمّن بقصّة لا يمكن تصوّره إلّا بمعرفتها، نحو قوله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} (التوبة: ٣٧) وقوله: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} (البقرة: ١٨٩). ودمتم في رعاية الله وحفظه.